الحدود الواصلة والفاصلة بين الجزائر والمغرب...أين الجسر؟ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الحدود الواصلة والفاصلة بين الجزائر والمغرب...أين الجسر؟

الحدود: مجرى مياه صغير يقل من مترين عرضا!

  نشر في 11 أبريل 2017 .

انتابنا شعور غريب خلال سفرنا لاول مرة إلى الشمال الشرقي من المغرب الصيف الماضي. قدنا سيارة العائلة على الطريق السريع الجديد الذي يربط غرب المغرب إلى أقصى الشمال الشرقي للمرة الأولى. على طول الطريق, تغيرت الطبيعة من الأخضر إلى الجاف ومن المناظر الطبيعية الجبلية إلى السهول الشاسعة والتضاريس الغير مأهولة. المفاجأة الكبرى كانت وصولنا إلى المنتجع السياحي السعيدية: لكوت دازور المغربي. كان الوقت يشير تقريبا لصلاة المغرب. سريعا، سمعنا اذان الصلاة من مسجد احمر اللون ليس ببعيد. فكرنا أنه لوقت مناسب للصلاة وأخذ قصط من الراحة. صاح صوت، "لا يمكنك الذهاب إلى هناك ... تلك هي الجزائر!"

الحقيقة أنني أتابع الأخبار وأنا على بينة مما يسمى ب "الصراع" بين البلدين الجارين. كما كنت على علم بانه تم إغلاق الحدود لمدة ما يقرب من 23 سنة ... ولكن يجب أن أعترف أنني فوجئت برؤية الواقع على الأرض. لم يسبق أبدا أن رأيت أن مجرى مياه صغير يقل من مترين عرضا فقط يعتبر حدا لا يمكن تجاوزه . بقيت في مكاني مذهولا، فقط لاستمع خلال بضع ثوان صوت الاذان من مسجد آخر ذا منارة بيضاء في الجانب المغربي يدعو لنفس الصلاة على ما يبدو لي استمرارا لنفس الاذان. عبرت ذهني في تلك اللحظة ان يكون المؤذنين صديقين. ربما يعرف كلاهما الآخر من نبرة صوتها والدعوة للصلاة خمس مرات في اليوم. المفارقة هي أنهما لم يلتقيا قط!

في الليل، تغمر الحياة منتجع السعيدية. بعد يوم على شاطئ البحر، تستعد الأسر لتناول وجبة العشاء والتزهة على طول الكورنيش. على جانب واحد من الكورنيش ، كان هناك معرض العاب جذب الأطفال و الشباب. من جهة أخرى، كانت هناك المطاعم و المقاهي التي جذبت الأزواج والأسر. كان الجو جو استرخاء على غرار العديد من المنتجعات على ضفاف البحر الأبيض المتوسط في ليالي الصيف الحارة. ظللت أفكر انه لشئ غريب ان تكون هناك ,على بعد أمتار قليلة, عائلات جزائرية ربما تود أن تمدد أقدامها مشيا على كورنيش منتجع السعيدية الطويل .ربما كان هناك اطفال جزائريون يودون اللعب مع اطفال مغاربة في معرض الالعاب, و نساء جزائريات يودن الجلوس مع نساء مغربيات للدردشة ,و رجال جزائريون يودون التتمتع بشاي النعناع المغربي في العديد من المقاهي الممتدة على طول الساحل. في تلك الليلة مشيت كثيرا على الكورنيش الممتد لأميال فقط لاوقف من طرف إطار حديدي كتب عليه باللون الاحمر "منطقة عسكرية. ابتعد".

كان اليوم التالي يوم الجمعة. قررنا أن نزور نقطة بين جبلين حيث يأتي الطريق المغربي قريبا جدا من الطريق الجزائري. كانت هناك عائلات متوقفة في الجانبين لالتقاط صور لأعلام كل منهما .كان المنظر غريبا: كان هناك مغاربة يحدقون في جزائريين وكان هناك جزائريون يحدقون في مغاربة. على الرغم من صمت المكان و استحالة العبور، شعرت بأنه يجب أن يكون نوع من التواصل. تذكرت عبارة الفيلسوف الالماني كانط "يجب يعني يمكن". صرخت : "مرحبا بكم" .في المقابل لوحت عائلة جزائرية بايديهم وجاء صوت جزائري : "عيدكم مبروك". رجل مسن مغربي اجاب بارك الله فيكم. شابين جزائري و مغربي تبادلا بالفرنسية "BIENVENUE" .

جلست هناك أفكر في الرحالة المغربي ابن بطوطة وكيف سافر لمدة 29 عاما من مكان إلى آخر في عالم بلا حدود. كيف استقبل استقبالا حارا واستضيف من طرف شعوب وقبائل مختلفة زارها وعاش معها وتزوج فيها. كيف تم شمله بالثقة ليصبح قاضيا وسفيرا لدولة بعيدا عن مسقط راسه طنجة. كيف ان عالمه في ذلك العصر كان أكثر تحررا في نواح كثيرة من عالمنا اليوم .تفكيري ذاك تم جلبه إلى واقع الحاضر من قبل سيارة عسكرية مرت بسرعة و ضوضاء بمحاذاة المجرى المائي الصغير، تلاها سرب من الطيور انطلق إلى السماء.

اثناء ترديد اذان صلاة الجمعة من المنارتين الحمراء والبيضاء، فكرت في المفارقات …أنه فقط يوم الجمعة الماضي في إنجلترا، بشير (صديقي الجزائري) و انا سرنا معا إلى نفس المسجد في جامعة نوتنغهام. صلينا معا، وبعد ذلك دعاني إلى منزله لتناول كصعة كسكس من اعداد زوجته ذات الاصول المغاربية و المنحدرة من مدينة مونبلييه الفرنسية٠كان الزوجين متحمسين يحدثاني عن زواجهما وكيف ساعدتهما الجالية المغربية في مونبلييه لاقامة حفل زفاف مغربي-جزائري متناغم .

بعد صلاة الجمعة، مشيت في شوارع منتجع السعيدية بمفردي. تذكرت صفية، وهي سيدة جزائرية كانت تعمل موظفة استقبال في أحد الفنادق في باريس، وكيف أنها ذرفت دموع عندرؤيتي لاول مرة اثناء الإيداع في الفندق. في وقت لاحق فقط علمت أنني ذكرتها بشقيقها الراحل الذي قتل للأسف في الحرب الأهلية في الجزائر في تسعينات القرن الماضي. تقطعت أفكاري عندما مرت سيارة من خلالها تسمع أغنية الزاهير الشهيرة "لالا فاطمة". فكرت يجب أن اشتريها هدية لصديقي البشير ليهديها لزوجته فاطمة. ابتسمت.

كانت إقامتي مع العائلة في منتجع السعيدية جيدة. الشيء الوحيد الذي أعطاني الأمل هو عند حضوري مظاهرة مؤيدة للفلسطينيين في لندن في أغسطس الماضي -كانت هنالك فتاتان تسيران معا متعانقتان لفتا انتباهي: واحدة كانت ترتدي العَلَم الجزائري - والثانية ترتدي العَلَم المغربي. سارتا متعانقتان في تحد ليس فقط ضد الجدار الذي يفصل الفلسطينيين ولكن أيضا - من الواضح بالنسبة لي الآن و انا اتمشى على كورنيش السعيدية - في تحد ضد الحدود التي تفصل بلدانهما الاصل٠

قبل كتابة هذا المقال، قلت لنفسي لا داعي للكتابة في هذا الموضوع, أن المشكلة معقدة بين الجانبين - وبالفعل، قد تكون كذلك؛ ولكن أعتقد أن علينا أن نبدأ من مكان ما. أنا ليس غرضي الخوض في من هو على خطأ ومن هو على حق. وفي الواقع، إن النقطة التي أحاول أن أنقل هنا هو أن علينا أن نتجاوز ذلك. ويجب علينا أن نتجاوز إلقاء اللوم على بعضنا البعض. أتذكر دائما عندما كنت طالبا في الصف سألنا استاذ العلاقات الدولية، "هل يمكن أن تتخيلو ان تذهب بريطانيا العظمى الى الحرب ضد إيطاليا غدا؟" أجابنا نحن الطلاب بصوت حاد "لا". اجابنا الأستاذ: " 60 عاما مضت كنا في حرب شرساء ضد الإيطالين في جميع أنحاء أوروبا وشمال أفريقيا!" يا للفرق! في الوقت الحاضر يمكن للمرء أن يسافر بالقطار من باريس غار دي ليون إلى ستازيوني تيرميني في روما، والخروج والتمتع بكابتشينو ايطالي: بلدين مختلفين، لغتين مختلفتين، ثقافتين مختلفتين... لا حدود. في المقابل، لا يسمح لأحد أن يعبر مجرى مائي اقل من مترين بين الجزائر والمغرب: نفس الجغرافيا، نفس اللغة ، نفس المجموعات الإثنية، نفس الدين ...حدود!

لقد حان الوقت للرجوع لثقافتنا الامازيغية الأفريقية العربية المتوسطية المشتركة لتعزيز السلام والاحترام والاستقرار والأخوة والمصالحة. لقد حان الوقت أن نتذكر تاريخنا المشترك، ونتفاعل مع واقعنا الحالي، ونتطلع بإيجابية إلى مستقبلنا. فقد حان الوقت للسماح للبشير ولي وعائلته وعائلتي باحتساء شاي نعناع تحت اشجار الزيتون مسمتعين بزرقة البحر الأبيض المتوسط.

طارق أومزان: أستاذ في العلاقات الدولية في جامعة نوتنغهام ترنت بالمملكة المتحدة

tarik.oumazzane@ntu.ac.uk



   نشر في 11 أبريل 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا