رعاية وحدة الأمة... مقوّم لصناعة التغيير في العمل الحزبي الإسلامي. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

رعاية وحدة الأمة... مقوّم لصناعة التغيير في العمل الحزبي الإسلامي.

  نشر في 28 نونبر 2014 .

لا نختلف إن قلنا: إن الخير كلّه فيما ارتضاه الله تعالى دينا خاتما لخلقه وشرعة ومنهاجا لعباده، فالإسلام هو الخير الجامع للخلق جميعهم، بل إن عقلاء العالم وأذكيائه المنصفين أقرّوا واعترفوا بصدق رسالة الإسلام، وأن خلاص الخلق يتحقق لزاما بالتزام مضامين قانون الإسلام وامتثال أحكامه.

والإسلام كقانون حياة تنتظم به معايش الأمم وأحوالهم، نجده يدعوا إلى أحد أهم مقومات نجاح البناء الحضاري المجتمعي، وتكريس التغيير في أسمى ملامحه وصوره، وبلوغ التميّز والرقيّ في مراتب المجد العالي، وأعني هنا بالمقوم: مقوم الوحدة؛ وحدة المبادئ، وحدة المنهج، وحدة الأهداف، وحدة الكلمة ووحدة الصف، وإن سبقها مدّ الاختلاف في الرؤى وجزر التجاذب في وجهات النظر، لكن عند التنفيذ والتطبيق وممارسة فعل التغيير في الميدان من المهم أن تتجسدّ عموما فكرة العمل الواحد وفق منهج واحد وسعيا لتحقيق هدف واحد.

وعند مراجعة طرفٍ من نصوص قانون الإسلام نجد أن القرآن الكريم اعتبر الصف عنوانا للوحدة عندما خص أحد سوره باسم الصف قال الله تعالى: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الذِّينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ). سورة الصف، الآية 4.

فهذا تعليم من الله تعالى للمؤمنين المسلمين بأهمية مقوم وحدة الصف في قتال أعداء الدين، وتنبيههم لقيمة هذا المقوم في إنجاح التغيير المنشود من فعل الحرب والقتال، من خلال التحكم في إدارة مجريات الحرب وتوجيهها الوجهة الشرعية الصحيحة نحو تحقيق رفعة المسلمين والتغيير في مراكز القوة واسترجاعها من عالم الغرب الديني المؤسساتي الرسمي، ولا غرو أن الحرب والتضحية بالنفس أقصى غاية البذل من أجل تغيير مُتميّز.

قال الشاعر: والجود بالمال جودٌ فيه مكرمةٌ *** والجود بالنفس أقٌصى غاية الجود.

فرصّ الصف وتوحيده مقوّم هام لتحقيق التغيير في بعده الشرعي، مع ما يستوجبه ذلك من نبذ دواعي الاختلاف والتفرق والتشرذم وأسباب التناطح والتخاصم التي قد تنسحب آثارها السلبية على واقع الأمة؛ لذا حذّر القرآن الكريم بصريح منطوق العبارة من التنازع وما يطرحه من تبعات تضرب الأمة في مقاتلها، فتصرعها وتئد مشروع التغيير من حالها؛ قال الله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ). سورة الأنفال، الآية 46.

إن هذه الآية صريحة في حفظ وحدة الصف والكلمة، وقد حظّت على ذلك من خلال التأكيد على التزام أمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم في لزوم الجماعة وترك شقّ وحدة صفّها بأضرب التنازع الكريه.

وهنا دعوني أكون أكثر صراحة: إن التنازع الحزبي عموما والأخطر أن يكون هذا التنازع باسم الدين؛ يضرب الأمة الواحدة في قوّة وِحْدَتِهَا ويطرح الفشل والتشرذم كبديل يُطيح بأنفة الأمة وشموخها، بل ويُذيب طاقاتها فيما لا يُسمن ولا يُغني، وصدق الله تعالى عندما ربط بالتنازع وهن الأمة وفشلها وما يترتب عنه من ذهاب ريحها وقوتها ودولتها.

لذا أقول لكلّ من ينشد التغيير السلمي لأمته المسلمة، ويسعى بكدّ وجدّ صادقيين لتجسيد وحدة صفّها وتكريسه دون مداهنة أو مزايدة أو مُطاحنة أو مُخاصمة: عليه بالتزام تعاليم قانون الإسلام الداعية إلى وحدة الصف الحقيقي فكرة ومشروعا ومنهجا وهدفا، بعيدا عن منهج الحزبيين الذي قد يتخلى فيه دعاة الأحزاب نسبيا - حتى لا أكون مُتعسّفا في رأيي - عن كل ما من شأنه أن يدفع الأمة نحو هاوية التشرذم باسم التغيير الشرعي، والشرعي أعني لا غيره.

لنكن صادقين، عندما نتأمّل واقع العمل الحزبي الإسلامي في عديد دول الإسلام، نسجّل عدّة مآخذ غاية في الأهمية منها: اختلاف الفرقاء الإسلاميين السياسيين في البلد الواحد في تجسيد تعاليم الإسلام في مسائل الحكم والسياسة، بل واختلافهم في منهج الدعوة إلى ذلك، مع أن الإسلام شرعة واحدة ومنهج واحد، اختلاف بلغ ببعضهم حدّ النزول إلى سفاسف الأمور والتراشق بما لايليق بزعماء أحزاب إسلامية، بل وبلغ ببعضهم الآخر حدّ التكفير والتفسيق وإهراق الدماء وإزهاق الأرواح.

نعم...إن الاختلاف في الفهم وما قد يستتبعه من اختلاف في التطبيق لا مناص منه أحيانا، لكن أن يكون اختلافا واسعا يصل حدّ حصر الحق في شخص أو حزب دون آخر مع إقصاء الغير باسم التصحيح والتقويم، أو حدّ التسفيه والتحقير والتقليل، أو حدّ استباحة ما حرّم الله تعالى استباحته إلا بالحق فهذا عمل مذموم لا يليق. ألم يكن الأولى بهاته الأحزاب الإسلامية أن تتحرّى الجماعة وتتفق فيما بينها من أجل توحيد القيادة والقاعدة والمنهج بدلا من التشرذم والتناطح باسم الدين؟.

في رأيي إن الذي أضعف آلة التغيير من جانب الإسلاميين عدة أسباب منها: غياب الوحدة في العمل، وتفضيلهم العمل بانفراد على العمل في زمرة الجماعة الواحدة تحت لواء واحد، وقد ترتّب عن ذلك اختلافهم في المنهج كما أسلفت، بل وأزيد أيضا اختلافهم في رسم معالم وملامح وحدود الأهداف والغايات والمقاصد التفصلية وإن اتفقوا في الأهداف والغايات والمقاصد الكليّة وهي: إقامة دولة ديمقراطية مدنية في إطار أحكام قانون الإسلام حتى لا نقول دولة إسلامية...فتنبّه.

وفي هذا السياق نجد أن كل حزب من الأحزاب الإسلامية يرسم لنفسه أهدافا ورؤى قد تُشيع الإختلاف ولا تُحقق الوحدة في صفوف المسلمين، وما فشل التكتلات الإسلامية في صناعة التغيير إلا مئنّة وعلامة على صحة ذلك، فإن اختلاف مواقف الزعامات السياسية في أكثر تطلّعاتهم، واختلافهم في منهج تجسيد هذه التطلعات يحول دون تحقيق ذلك كله، بل إن الواقع يُصدّق ذلك ويُؤيّده، لايزالون مُختلفين ومتنازعين حتى يفشلوا وتذهب ريحهم.

هي رسالة أوجهها إلى كل منتسب إلى حزب إسلامي زعيما كان أو مناضلا، أتمنى أن تتكتّل الأحزاب الإسلامية تكتلا صادقا لا يزول بزوال الرجال أو انتهاء المصالح أو تغير المواقف والمعطيات، تتحرّك بجسد واحد وبخطى واحدة وعلى منهج واحد نحو هدف واحد، بعيدا عن الحسابات الشخصية السياسوية الضئيلة في جنب خدمة البلاد والعباد بمنهج دين رب العباد جلّ في علاه، حتى لا تذهب ريح تكتلات الأحزاب الإسلامية أدراج الريع السياسي، ونصبح أمام إشكالية (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ). سورة المؤمنون، الآية 53 وسورة الروم، الآية 32.

والمتأمّل للسياق الذي ورد فيه نص هذه الآية؛ سيتّضح أنها تُخاطب المؤمنين وتدعوهم لوحدة الصفّ وتذمّ تفرقهم طرائق قدادًا، وتشرذهم أحزابا زُبُرًا (فِرَقًا)؛ فقد وردت في سورة المؤمنون بعد قوله تعالى: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونْ). الآية 52، وجاء عقبها قوله تعالى: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ. فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ. أَيَحْسِبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ. نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ). الآيات 53 - 56.

ووردت في سورة الرّوم وقد سبقها ما يدلّ على وجوب لزوم دين الله تعالى وفطرته في لزوم الجماعة، ومُنابذة سبيل المشركين وسلوكهم في التفرّق والتشرذم كما في قول الله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ اَلْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ. مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ). سورة الرّوم، الآيات 30 - 32.

فأين نحن من العمل الحزبي في إطار جماعة واحدة تنشد التغيير والإصلاح بعيدا عن حسابات المتشرذمين وشطحات المتناطحين...؟!، نريد مسلمين حقيقيين كما سمّانا القرآن الكريم، ولا نريد مجرّد إسلاميين كما في حسابات السياسيين...

كتبه عبد المنعم نعيمي

أستاذ بكلية الحقوق- جامعة الجزائر 1


  • 1

   نشر في 28 نونبر 2014 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا