رسالة في الطريق إلى ثقافتنا ـــ محمود محمد شاكر - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

رسالة في الطريق إلى ثقافتنا ـــ محمود محمد شاكر

  نشر في 07 نونبر 2018 .

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين

الغرض من تأليف هذه الرسالة هو الإجابة عن سؤال محدد : (كيف نشأ الخلاف بين 'أبو فهر' و بين المناهج الأدبية السائدة؟) حيث يقول المؤلف في الصفحة 23 من هذه الرسالة: (و إذن، فكيف نشأ الخلاف، و لما نشأ الخلاف ، بيني و بين هذه "المناهج الأدبية" السائدة... فأنا الآن مجيبك عن هذا السؤال بإيجاز جامع، على طوله...)، و في سبيل الإجابة عن هذا السؤال كان من الضروري أن يأخذنا " أبو فهر'' في رحلة تاريخية عبر أحداث تفسر كيف دخل هذا الفساد إلى ثقافتنا ( دخولا يوشك أن يطمس معالمها و يطفئَ أنوارها)[ص34]. كما وصف إغفال هذا التاريخ و عدم تبينه تبينا واضحا هو إغفال للقضية كلها، حيث هناك أمران مهمان حدثا يجب أن لا نغفلهما لكي لا نضر بتصورنا للحقيقة التي يجب أن نعرفها كلنا صغيرنا و كبيرنا، رجالنا و نسائنا، على وجهها الصحيح و ليس كما تم تلقينه لنا في المدارس و لا يزال يتم تلقينه لأولادنا، و الإغفال لهذين الأمرين كان من أهم أسباب فساد حياتنا الأدبية.

• الأمر الأول: (( الحروب الصليبية)) التي بدأت سنة 1096م (489هـ)، بعد خوف قادة النصرانية، و خشية الكنيسة و ملوك الإقطاع من زوال سلطان النصرانية عن جنوب أوربة، كما زال عن الأندلس، حيث أن الإسلام أخرج النصرانية من رقعة كبيرة من الأرض، تمتد من حدود الصين و الهند، إلى أقصى الاندلس، إلى قلب إفريقية، و حصرها في الرقعة الشمالية التي تحوي الهمج الهامج، فعمدوا إلى شمال أوربة ينشرون النصرانية في صفوف هذا الهمج (الذي لا دين له يجمعه، ليكون بعد ذلك مددا لجيوش جرارة تطبق على ثغور الإسلام و عواصمه في الشام و مصر)[ص35]، و مع نشرهم للنصرانية عمدوا لتشويه الإسلام و الكذب عليه و على نبينا محمد صلى لله عليه و سلم، و بعد هذا الإعداد و تجيش الجيوش من هذا الهمج الهامج بدأت (( الحرب الصليبية))، (و اكتسحت في طريقها أهل النصرانية و سفحت دماءهم بفظاظة، و بدأت تكتسح ثغور الإسلام و عواصمه الشمالية و تسفح الدماء المسلمة، و استمرت قائمة قرنين كاملين. كانت فرحة رائعة، و لكنها انتهت بالإخفاق و باليأس من حرب السلاح في سنة 1291م (690هـ))[ص36]، لكن احتكاك هاؤلاء الهمج بالمسلمين و حضارتهم الراقية بعث في نفوسهم الشك فيما كانوا سمعوه من ملوكهم و رهبانهم عن الإسلام و المسلمين.

• الأمر الثاني: بطل عمل السلاح بإخفاق (( الحروب الصليبية)) و اليأس من جدوى استعمال السلاح في صد المسلمين، ثم سقوط القسطنطينية، هنا بدأت أوربة تتغير لتخرج من هذا المأزق بعلو همة لا تعرف الكلل، بدؤوا معركة من نوع آخر، هي معركة المعرفة و العلم الذي كان سبب من أسباب غلبة المسلمين و ظفرهم، هنا انبعث رجال منهم يطلبون العلم و المعرفة في أرض الإسلام في المشرق و في الاندلس، في المقابل ظهر رهبان جاهدوا لإصلاح الخلل الواقع في الحياة المسيحية التي أدت الى تساقط رعاياها السهل في الإسلام، فكانت اليقضة و كان مددها مستجلبا من علوم دار الإسلام حيث بعث الكثير منهم ليسيحوا في دار الإسلام و يجمعون الكتب شراء و سرقة، و يلاقون الخاصة من العلماء و يخالطون العامة من المثقفين و الدهماء و يدونون في القراطيس و العقول ما عسى أن ينفعهم في يقظتهم و ينقلون هذا العلم الى أوربة و يترجموه، كما ينقلون للرهبان ما علموه من أحوال دار الإسلام، و ما لاحظوه استبصارا، و هنا كان أهم ما لاحظوه هو الغفلة التي سكنت دار الإسلام بسب الاستكانة إلى النصر القديم على المسيحية، ثم ملاحظتهم لسماحة أهل الإسلام مع أهل الذمة الذي يسر لهم أمر تغلغلهم و سط المسلمين و علمائهم، و منذ ذلك اليوم نشات طبقة من الأوربيين عرفت في ما بعد باسم المستشرقين، و هي أهم طبقة تمخضت عن اليقظة الأوربية، بحيث أن الإستشراق كان ( هو عين الاستعمار التي به يبصر و يحدق، و يده التي بها يحس و يبطش، و رجله التي بها يمشي و يتوغل، و عقله الذي به يفكر و يستبين، و لولاه لظل في عميائه يتخبط)[117-118]، كما أن هذا الإستشراق ربطته علاقة حميمة بفساد حياتنا الأدبية و الاجتماعية. كما أن المستشرقين كتبوا و ألفوا لجماهيرهم الأوربية مئات من الكتب تناولت كل ما يخص دار الإسلام كتبوا حول القرآن و السيرة و الفقه و غيرها كل كل ذلك لهدف واحد لا غير: (هو تصوير الثقافة العربية الإسلامية و حضارة العرب و المسلمين بصورة مقنعة للقارئ الأوربي)[ص59]، جوهر هذه الصورة أن العرب المسلمين هم في الأصل قوم جهال جياع في صحراء خرج منه رجل ادعى أنه نبي مرسل و لفق لهم دينا من اليهودية و النصرانية فصدقوه بجهلهم، ثم فتحوا الأرض بسيوفهم و قامت لهم ثقافة و حضارة جلها مسلوب من ثقافات الفرس و الهند و اليونان و غيرهم، حتى لغتهم مسلوبة و عالة على العبرية و السريانية و الآرامية و الفارسية و الحبشية. و بذلك ضمن الاستشراق أن العقل الأوربي المثقف لن يزل فيرى في الإسلام أو في ثقافته و حضارته، ما يبهره كما أبهر أسلافه (و بين لك الآن بلا خلاف أن كتب ((الاستشراق)) و مقالاته و دراسته كلها، مكتوبة أصلا للمثقف الأوربي و حده لا لغيره، و أنها كتبت له لهدف معين، في زمان معين، و بأسلوب معين، لا يراد به الوصول إلى الحقيقة المجردة ، بل الوصول الموفق إلى حماية عقل هذا الأوروبي المثقف من أن يتحرك في جهة مخالفة للجهة التي يستقبلها زحف المسيحية الشمالية على دار الإسلام في الجنوب.) [ص61].

و بعد أن تمت لهم يقظتهم انطلقت الأساطيل الأوربية تطوق دار الإسلام من أطرافها البعيدة و بعد أن كانت حاصرة للمسيحية في الشمال أصبحت هي محصورة في الجنوب، و شيئا فشيئا فقدت دار الخلافة في القسطنطينية هيبتها و سيطرتها و حلت مكانها هيبة أوربية مرهبة و مسيطرة، و في وسط هذه الغفلة المظلمة سخر الله للأمة رجال أحسوا بالخطر فهبوا بلا تواطؤ بينهم لإصلاح الخلل الواقع في حياة دار الإسلام: خلل في اللغة، و العقيدة و خلل علوم الدين و خلل علوم الحضارة، فألفوا و علموا تلاميذهم و عملوا لإدخال الأمة في عصر النهضة، من هؤلاء الرجال : 1- البغدادي ((عبد القادر بن عمر))، 2- الجبرتي الكبير،3- محمد بن عبد الوهاب، 4- المرتضى الزبيدي، 5- الشوكاني.

دوت هذه الأسماء في أرجاء دار الإسلام مؤدنة بيقظة جديدة و استعادة لسيطرة الامة على أسباب حضارتها الزاهرة القديمة، و هنا دق المستشرقون نقوس الخطر و سارعوا ينقلون كل صغيرة و كبيرة مما هو جار تحت أعينهم في دار الإسلام إلى ملوك المسيحية الشمالية و حذروا من الخطر الداهم الذي سيتهددهم إن تمت هذه اليقظة و اشتد عودها، فليس لهم خيار إلا العمل السريع على معالجة هذه اليقظة في مهدها، و هنا استجاب نابليون بونابارت لنذير الاستشراق و نصحه و إرشاده و أغار على مهد اليقظة في الديار المصرية سنة 1798م، فاستباح الإسكندرية و عتا فيها فسادا شاقا طريقه الى القاهرة حتى دخلوا ((جامع الأزهر)) وهم راكبون الخيول، و هدموا القصور و المساجد و خربوا الدور و نهبوا و سرقوا بحقد و شراسة، و كل هذا ينبغي أن نقول لأبنائنا في المدارس و الجامعات أن فرنسا أتت لتخرجنا من الظلمات الى النور و من عصر الجهالة الى عصر النهظة الحديثة، (بل كانت الغاية الأولى المقدمة على كل غاية، هي تجريد دار الإسلام في القاهرة من أسباب ((اليقظة)) التي جاءت الحملة الفرنسية لوأدها في مهدها، و للقضاء عليها قبل أن تتفاقم.)[ص99].

وئدت اليقظة و خربت ديارها

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل سن نابليون قضية خطيرة مازالت تمارس لحد اليوم و هي ما يسمى بالبعثاث حيث يقوم بارسال العرب إلى فرنسا خصوصا منهم الفتية الذين لم يتشبعوا بثقافتهم الأصلية ليعيشوا هناك فترة قصيرة أو طويلة حتى يتاثروا بحضارتها و ثقافتها و يتم تشكيل وعيهم ليكونوا عملاء لهم عند عودتهم لديار الإسلام، و في هذا ذكر 'أبو فهر ' امثلة على ذلك، كما أظهر كيف يحيط و يتقرب المستشرقون و القناصلة من الحكام الجهال الذين يعملون لمصالحهم الشخصية حتى يححققوا مآربهم الاستعمارية و التخريبية بأيد هؤلاء الحكام و أتباعهم الجهلة، كما لفت انتباهنا الى قضية انشاء المدارس في دار الإسلام من طرف المستعمر التي تنتج لنا كائن مبثور الصلة كل البثر من مركز الثقافة المتكاملة التي كان الأزهر مهدها على قرون طويلة و كان وحده مركز ثقافة دار الإسلام. حيث عملت هذه المدارس الى اليوم على اكساب أبناء المسلمين إعراضا و احتقارا لثقافتهم الأصلية المتكاملة التي عاشت بها أمتهم، ثم يذهب الاستعمار الفرنسي ليأتي الاستعمار الإنجليزي و جاء الاستشراق الإنجليزي ليحدث صدعا في ثقافة الأمة، صدعا متفاقما، حيث تم وضع أسس التفريغ الكامل لطلبة المدارس، تفريغا من ماضيهم المتدفق في دمائهم مرتبطا بالعربية و الإسلام، و مهد لملئه بماض موغل في القدم، ماض بائد لم يبقى من ثقافته شيء البثة كالفرعونية، أيضا هذا التفريغ سينشئُ (أجيالا من تلاميذ المدارس تتهتك علائقها التي تربطها بثقافتها العربية الإسلامية اجتماعيا و ثقافيا و لغويا، حث يتم تفريغها تفريغا كاملا من ماضيهم كله)[ص149]، تمهيدا لتعويض هذا الفراغ بثقافة الغزات و أدب الغزات، و تاريخهم ، و علومهم و فنونهم بقد لا يتجاوز حد القشور (توهم النفوس الظامئة المفرغة بأنها نالت شيئا يذكر، و الحقيقة أنها نالت غذاءا تعيش به موتى في صورة أحياء لا غير)[ص149]



   نشر في 07 نونبر 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا