عندما تَلِدُ الحرية خلف حديد السجن - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

عندما تَلِدُ الحرية خلف حديد السجن

بقلم : أحمد خضر أبو إسماعيل

  نشر في 30 مارس 2017  وآخر تعديل بتاريخ 22 ماي 2017 .

محمد الماغوط أديب سوري وهب نفسه للحرية , قدم أعمال أدبية خالدة في الذاكرة العربية , الماغوط أيقونة الأدب العربي رغم رحيله عن هذا الكون إلا أن حروفه مازالت تنبض بالحياة .

...........................................................................

في عام/ 1934 م/ ولج العصفور الأحدب إلى الحياة , مطلقاً صرخاته الأولى بعد أن ضاق ذرعاً تسعة أشهر داخل الرحم ,مبصراً النور في مدينة السلمية في الريف الشرقي لمحافظة حماة .

من سجن الأجنة القسري إلى سجن الحياة الإضطراري , في عائلة ينهش الفقر في جنباتها شب العصفور وأطلق العنان لجناحيه إلا أن القفص كان أضيق مما يتصور , فمن حلقات الكتاتيب إلى المدرسة الزراعية في سلمية وكأن الحياة بدأت ترسم معالم فلاح جديد يرزح تحت براثن الفقر , ومن ثم انتقل إلى العاصمة "دمشق" ليكمل دراسته في الثانوية الزراعية إلا أن القدر كتب سياقاً آخر في حياته , رسالة أبيه التي تضمنت طلباً إلى الإدارة فحواها مراعاة ظروف الطالب محمد الماغوط , انتقلت من مكتب المدير إلى لوحة الإعلانات مما جعل ألسن الزملاء تلوك ثنايا الرسالة بشيء من السخرية وآخر من التهكم وكثير من القسوة , مما أجبر العصفور على العودة مكسور الجناح إلى أمه سلمية يشكو لها جفاء العاصمة وقسوتها .

حاجته لطرد البرد الذي كان ينخر في عظامه قادته إلى مكاتب "الحزب القومي" الذي لم يعرف من منطلقاته النظرية إلا واحداً هو تلك المدفئة التي كانت تُحرق الوقود في جوفها وتمنحه شيئاً من الدفء طالما حلم به .

خلال هذه الفترة عاد الماغوط فلاحاً يغرس في الأرض أملاً, ما لبث إلا أن انتقل إلى الورق في قصيدة نشرها في مجلة الآداب في بيروت تحت عنوان "غادة يافا" , سقى الماغوط تلك البذور الشعرية بماء هذا الوطن وصيحات الجياع وآلام الشعوب ,حتى تفتحت أوائل تلك القصائد تحت عنوان "لاجئة بين الرمال " التي نُشرت في مجلة الجندي في الأول من أيار في عام/ 1951 م/.

أنهى الماغوط خدمته العسكرية وأعلن استقراره في سلمية إلا أن اغتيال /عدنان المالكي/ أنذاك كان نقطة تحول في حياته حيث أُتهم "الحزب القومي" في الضلوع في تلك العملية وتم اعتقال الكثير من أعضائه وكان ضمن قوائم المعتقلين / محمد الماغوط /.

وعاد إلى دمشق مجدداً إلا أن هذه المرة كانت خلف قضبان " سجن المزة " وهنا كانت الولادة الأدبية الحقيقية إن أردتم لهذا الأديب السوري , في تلك الأقبية المتعفنة كتب القدر لقاء الماغوط مع الشاعر السوري أدونيس الذي كان جاره في الزنزانة المجاورة .

وفي فترة الوحدة بين مصر وسورية كان أسم الماغوط أحد أهم الأسماء على قوائم الجهات الأمنية /المخابرات/ في ذاك الوقت فسيراً على الأقدام هرب إلى لبنان تاركاً خلف حدود الوطن أكوام الذكريات الممزوجة برائحة التبغ داخل السجن والتي كان يخالطها عبق الحنين .

وفي بيروت اندمج الماغوط في جماعة شعر وأنشد على صفحاتها أنين أولائك الذين ضاعت بحات أصواتهم داخل القفص الكبير

فأودع في عام/ 1959 م/ مجموعته "{ حزن في ضوء القمر}
وألحقها في عام/1960م/ مجموعة آخرى { غرفة بملايين الجدران }

وشهدت أرصفة بيروت خطواته المتعثرة برفقة الشاعر العراقي "بدر شاكر السياب" , فكان صديق غربة ونديم كأس وملهماً للحرف في كثير من اللحظات .

وفي عام /1961 م/ عاد العصفور إلى دمشق بعد أن غدا إسماً لامعاً في سماء الأدب إلا أن السجن مجدداً كان بإنتظاره وقضى ثلاثة أشهر وبعدها أطلق سراحه ليخرج العصفور من أقفاص السجون إلى قفص الزوجية وشاركته في قفصه الشاعرة السورية /سنية الصالح / وأنجب منها / شام وسلافة /.

وفي السبعينيات شغل ابا شام منصب رئيس "مجلة الشرطة " وكتب في صفحة خاصة تحت عنوان

" الورقة الأخيرة"

فكانت ورقته الأخيرة هذه تحمل هموم المواطن وآلامه حيث سطر الكثير من المقالات الناقدة التي كانت مثل الملح فوق الجراح تحاول دائماً تطبيبها .

وانتقل الماغوط بعدها ليحاور الشعب بلغته البسيطة بعيداً عن التكلف والإصطناع بعيداً عن نرجسية الأديب وترفعه اللغوي فكتب في المسرحية " ضيعة تشرين " ,"غربة" , " شقائق النعمان " . فكانت لغته البسيطة خلال تلك الأعمال رسالة إلى كل مواطن دون تعقيد , وأتبعها بأعمال سينمائية تحاكي واقع الأمة العربية نذكر منها :

" الحدود" , "التقرير" .

كان الماغوط دائماً يكتب عن الشعب منخرطاً في تفاصيله اليومية محاكياً كل صغيرة وكبيرة في جسد الأمة يهدف إلى إعلاء صوت المواطنة على سياط الحكومات الجائرة .

ساهم الماغوط في ولادة " جريدة تشرين " أيضاً وكان له دور في صدورها , حيث تناوب مع القاص زكريا تامر في كتابة زاوية يومية على صفحات الجريدة , وأسهم في انتشار " مجلة المستقبل " بعد أن سطر في صفحاتها :

" أليس في بلاد العجائب " .

ولأن المصائب لا تأتي فرادى كانت ثمانينات القرن الماضي هي الأقسى على ابا شام فلقد تزعزعت حصونه برحيل أخته ليلى في عام /1984م /

وفي عام /1985م/ ترافق والده وزوجته إلى الملكوت السماوي بصحبة الرفيق الأعلى , اهتزت أركان الماغوط على وقع الخسارات المتتالية وكأن عقاب الدنيا بات شديداً فماعاد يحتمل وهذا ما انعكس على أدبه وجاء رحيل والدته في عام / 1987 م/ بمثابة إنهيار تام فاختار عزلة في ربوع العاصمة دمشق وطغى السواد على حياته وتسرب الحزن إلى قلبه وراح المرض مع السنوات يفتك في جسده الذي استسلم للتبغ والكحول وبعد صراع مع المرض استنفذ الدواء كل السبل في الإبقاء على حياته , أعلن الرحيل عن هذا الوجود في ظهيرة الثالث من نيسان في عام : / 2006 م / , عن عمر وقد ناهز 72 عام من النضال

مخلفاً فكراً مازال ينبض بالحياة حتى هذه اللحظة .

الماغوط ودعنا جسداً وترك روحه تطوف الأزقة في دمشق والسلمية وفي كل شبر تراب من هذا الوطن , الماغوط أسطورة لم يوقفها الموت بل أكسبها حياة الخلود الأبدي في القلوب والعقول .


  • 1

   نشر في 30 مارس 2017  وآخر تعديل بتاريخ 22 ماي 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا