العمر الضائع - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

العمر الضائع

  نشر في 04 أبريل 2016  وآخر تعديل بتاريخ 16 أبريل 2016 .

صاح علاء بنفاذ صبر : ريهام .. هتقعدى سنة تعملى فى حتة فنجان قهوة !! .

ريهام : أتفضل أهيه ، أنت هتطلع نرفزتك عليا بقي .

تجاهل الرد عليها وهو يسحب سيجارة من العلبة أمامه ويسحب منها نفسا عميقا ثم يطلقة بقوة فى الهواء تعبيرا عما يعتمل داخله من غليان .

علاء فى العقد الثالث من عمره ، يعمل محاسب فى شركة غير مستقرة الأوضاع ويعلم أنه قد يتم الأستغناء عنه فى أى وقت ولكنه يأمل أن يتأخر هذا اليوم حتى لا يجد نفسه فى مواجهه أقساطه وديونه بلا مورد ، متزوج وله ابنة فى السادسة من عمرها ، ناقم دائما على أوضاعه ويحترف تحميل أخطائه على من حوله ، فيري زوجته دائما لا تجيد التصرف وابنته تعيث فى المنزل فسادا وتجعله فى فوضي مستمرة ، مؤخرا بدأ مديره فى العمل بتكليفه بالعديد من الأعمال الأضافية نظرا لضغط العمل .

اليوم وكزيادة فى جرعة الحظ السئ الذى يري أنها تلازمه صدم مقدمة سيارته وهو يخرج للشارع الرئيسي مما سيحمله عبئا ماليا إضافيا لإصلاحها يأتى فى وقت يضغط فيه نفقاته بالفعل ليغطى أقساط شقته ناهيك عن المصاريف المتزايدة لأسرته .

أخذ رشفة من فنجان القهوة وبدأ مذاق القهوة يربت على أعصابه المتوترة فيهدأها قليلا ، وكعادته فى الهروب من التفكير فى المشكلات رجع بذاكرته لأيام صباه ، أيام كان يقوم بتحويل مشكلاته للموظف المختص بحلها .. ذلك الموظف الأسطورى المدعو "بابا" ، تدافعت ذكرياته فأخذ يتذكر شكل فناء مدرسته وتسابقه مع زملاؤه فيه .. يتذكر الشق المجوف الملئ بالنمل فى تلك الشجرة فى شارعه والذي أعتاد وضع قطعة الشيكولاتة فيه ومتابعة النمل وهو يقلصها بمرور الأيام .. تذكر ما كان يشغل باله وقتها من إنهاء واجباته الدراسية والتخلص من حب الشباب ومحاولة التعرف على تلك الفتاة جارته التى كانت تعقص شعرها ديل حصان .. تذكر لمة أقرباؤه فى الأعياد ويحصى من مات منهم ويقارن شكل الأحياء منهم بشكلهم الحالى .

شاعت نظرة حالمة على وجهة مع ابتسامة خفيفة وتمنى لو استطاع الرجوع بالزمن لتلك الأيام ليهرب من واقعة الملئ بالمنغصات .

كان يهم بالنهوض عندما شعر بخدر عجيب فى ساقيه جعله لا يقوي على القيام فاستند بكفه على المنضدة أمامه، فقط ليصطدم بمنظر مشوش لكف متغصن ملئ بالتجاعيد ، أخذ يحدق فى كفيه لبرهه محاولا استوضاح الصورة الباهتة وازداد خفقان قلبه وهو يقول بصوت واهن أثار تعجبه : هو فى أيه !!

لمح كومة من الأدوية على الطاولة الصغيرة بجوارة ثم لفت انتباهه أمرأة قادمة من بعيد ظنها لأول وهلة أم زوجته فما أن أقتربت حتى وجدها تشبه زوجته ولكنها أكبر بكثير .

- إيه يا علاء اللى بتعمله ده .. أستنى هجيبلك العصاية بتاعتك .

ناولته عصا فاستند عليها حتى قام وذهنه يعصف بالتساؤلات ، لقد كان منذ قليل شاب ينبض بالحيوية والصحة يجلس على تلك الأريكة يفكر ، كيف وجد نفسه فجأه على هذا الوضع !! أراد أن يحث الخطا صوب مرآة الحمام .. يا لهذا الوهن اللعين فى قدمه كأنه يجرجر جوال ثقيل مربوط بكل قدم ، وصل للمرآة فطالعه وجه عجوز يليق بمنظر كفه ، تحسس عنقه الذى انقسم من أول ذقنه نازلا لأسفل كمدخل خيمة متهالكة ، تحسس بلسانه ملمس أسنانه الغريب ثم وجد نفسه يدفع بلسانه فيخرج من فمه طقم أسنان مكتمل ،فما أن خرج من فمه حتى تهدل جانبى وجهه ساحبا جفني عينيه فانخفض سقف مجال رؤيته للأشياء .

خرج ليتهاوى على كرسي الطاولة القريب يحاول السيطرة على خفقان قلبه المرعوب ، يفكر متحسرا .. أين ذهبت سنوات عمرى ؟!! كيف تمر كل تلك السنوات فى لمحة خاطفة ؟ مازلت أجد بداخلى طفلا يريد الحياة ، أريد أن أاكل .. أجرى .. أتنزه .. أغازل .. أعمل .. أتشاجر ، والأهم من هذا كله أريد أن أتابع فتاتى وهى تكبر ، أريد أن أعاصر مشكلاتها وأتغلغل فى عالمها فيكتمل بذلك عالمى .

قام يمشي بخطواته الوئيدة التى بدأ يعتادها صوب غرفة أبنته، لابد أنه وصلها فى مئات السنين ، أخذ ينظر للغرفة المرتبة الخالية وفكر أنها بالتأكيد قد تزوجت وتركت غرفتها ترفرف فيها ذكريات طفلة تلهو وتبعثر الأشياء فى كل مكان وتملأ هذا السكون الموحش بكلامها المتلعثم وضحكاتها البريئة.

شعر بيد تهزه فى كتفه وصوت زوجته تقول : علاء .. قوم يلا عشان تلحق تروح تصلح العربية .

أخترقت العبارة أذنيه ففتح عيناه على مصراعيها بغتة وهو ينتفض ليعتدل على الأريكة ، فرد كفيه أمام عينيه ليطالع كفيه الشابتين الفتيتين غير مصدق ، ثم رفعهما ليتحسس عنقه المشدود جلده فيطلق تنهيدة قوية .

أتسعت أبتسامته حتى بلغت حدودها القصوى ثم أنطلق يضحك فى سعادة بالغة لخروجه من هذا الكابوس الذى فجر بداخله خوف لم يشعر به طوال حياته من قبل .

بادل نظرة زوجتة المندهشه بنظرة جذل محتفظا بضحكته على وجهه ، بدا له أنها أكثر جمالا عن أى وقت مضي ، شعر بضآله مشاكله وهمومه ، سيتم إصلاح السيارة .. سيدفع أقساطه ببعض التدبير لموارده ومصاريفه .. سيتحمل سماجه مديره ، مازال يملك الوقت والصحة لاجتياز أى مشكلة .

جاءت أبنته وهى تجرى ملوحة بطائرتها البلاستيكية كأنها تطير فى الهواء فأسقطت فنجان القهوة فوجم وجهها وهى تنظر له متوجسة فأسرع بحملها وضمها لصدره بقوه .

لقد تم إعادة توجيهه عبر هذا الكابوس ، لن يفنى عمره متحسرا ، لن ينتظر شيخوخة يتحسر فيها على شبابه الذي أضاعه وهو يتحسر فيه على ماضي لن يعود !! سيظل يذكر نفسه بالنعم التى ينغمس فيها ، يقتنص لحظات السعادة من فكى الهموم ، لقد عاد لتوه من المستقبل ليعيد صياغة حياته ،

سوف يعيش ..

سوف يرضى ..



   نشر في 04 أبريل 2016  وآخر تعديل بتاريخ 16 أبريل 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا