هدية من الماضي .. حين يهدي الجنون الروح وميضها البعيد - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

هدية من الماضي .. حين يهدي الجنون الروح وميضها البعيد

أمـل ممدوح

  نشر في 06 ديسمبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 07 ديسمبر 2016 .

   قد لا يكون جديدنا المنتظر مما سيأتي بل قد يكون فيما مضى إذا رآه الحاضر بعين جديدة يبث وهجها الجنون مدغدغا جمودا ظنناه أسر الماضي ..بروح مغامرة مجنونة قدمت المخرجة الشابة كوثر يونس فيلمها التسجيلي الطويل مشروع تخرجها في معهد السينما" هدية من الماضي " الذي كان  من الأفلام التسجيلية المميزة في الدورة الأخيرة لمهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة ، تفاجئك مشاهده الأولى باهتزازها وبينما تبدأ في التعجب والتفكير باحتمالية خطأ تكنيكي يفاجئك توضيح مكتوب بأن الفيلم تم تصويره بكاميرا خفية وهو ما يبرر بالتالي اهتزاز الصورة ويغفره لكنك تبقى متعجبا وراغبا في استكشاف ما استدعى ذلك وكيف استطاعت المخرجة تنفيذه في فيلم طويل ؟ هكذا صنع الفيلم تشويقه قبل أن يبدأ .

   كوثر يونس مخرجة الفيلم هي ابنة الدكتور مختار يونس الأستاذ بالمعهد العالي للسينما ومن الواضح أنها الإبنة المدللة والصديقة لأبيها كما بدا في الفيلم ، تعرف منذ وقت طويل من أبيها بأن هناك من يسكن ماضيه وما زال يشغل حيزا في نفسه وعقله ؛ إنها " باتريشيا " حبيبته القديمة الإيطالية التي عرفها أثناء إقامته في إيطاليا في شبابه وكانت تراه أمير أحلامها .. باتريشيا التي ما زال يذكرها ويوجعه ويوجع التزامه عدم إتمامه وعده لها بالعودة والزواج ويتمنى لو يعتذر لها عن ذلك ويوضح أسبابه ، فتقرر كوثر أن تهدي والدها في عيد ميلاده جراحة لهذا الألم الدفين برحلة لهذا الماضي ؛ حيث تحجز تذكرتي طيران لها ولوالدها للبحث عن باتريشيا بعد ثلاثين عاما من الفراق ، الفكرة في أساسها تنجح في إثارة انتباه المشاهد فهناك ابنة تساعد أبيها على اللقاء بامرأة من ماضيه ، وهذه الإبنة تصوره دون أن يعلم ليصنع ذلك بحد ذاته حجر أساس للتصاعد الدرامي الذي لم يكتب ولم يخطط له بل تركت المخرجة للأحداث صياغته ، فيبقى المشاهد مترقبا لرد فعل الأب ومتشوقا لمعرفة إن كانت الرحلة ستتم أم لا ؟ وهل سينجحان حقا في الوصول لباتريشيا ؟ وهل يحتمل هذا الأب السبعيني مشقة هذا البحث ؟ هل سيكتشف أمر الكاميرا ؟ وهل سيمكن إكمال الفيلم خفية ؟

الفيلم بوضعه هذا أشبه بفكرة " تليفزيون الواقع " الذي نراه في برامج كثيرة ؛ فالأحداث حقيقية وطبيعية تسري دون معرفة بطل الفيلم ومحوره بأمر التصوير وآخر يخفي ذلك ، وقد أصبح ذلك أساسا لطبيعة الفيلم فالكادرات بزواياها الثابتة غالبا التي قد تضيق أو تتسع حسب المتاح بالكاد تكفي لظهور شخص واحد أو شخص وجزء من الآخر ، بإضاءات طبيعية لا خاصة ودون تدخل فيها ودون  أيضا تعليق صوتي من المخرجة أو موسيقى تصويرية فالأمر بدا تلقائيا تماما مكتفيا بثراء المواقف والحوار الذي كان أبرز العناصر في الفيلم فقد كان طبيعيا شيقا مرتاحا محببا بتلقائية واضحة يبين علاقة صداقة جميلة بين أب له حضور وابنته المشاكسة بخفة ظل وصراع ومناوشة في كثير من الأوقات كانت تتصاعد حدتهم لتهدأ من جديد ، فالأب يقاوم من آن لآخر الفكرة ويتمرد على بعض تحكمات أو تصرفات ابنته مما شكل خيط صراع درامي جانبي يشَد تورتره أحيانا ثم يُرخى ، بالإضافة للخط الدرامي الأساسي وهو البحث عن باتريشيا ، مع تبني الفيلم لشكل السرد التقليدي المنطقي وهو مناسب لفيلم بدأ ولا يعلم ما يأتي باعتبار الأحداث واقعا ينساب دون وجهة نظر أو تدخل ؛ فهناك بداية يليها وسط فنهاية ، ورغم تصوير معظم الفيلم بكاميرا خفية اتضحت هزاتها وحركاتها العشوائية أوجدت المخرجة مبررا للتصوير الطبيعي بالاتفاق مع الأب لتوثيق لحظات الرحلة فتمكنت بذلك من تصوير المحيط العام والأماكن بارتياح وحتى اللقاء الأخير بين الأب وباتريشيا ، فقد تركت كوثر الأحداث الطبيعية تروي الحكاية ونجحت في جعلها مشوقة متزنة الإيقاع فيما عدا بعض مشاهد الرحلة وتفاصيل كان يمكن الاستغناء عنها ، أما الحكاية فجزء من جاذبيتها أن في حياة الكثيرين قطعا يوجد لـ" باتريشيا " مرادفين ومرادفات دون توقع لقاء ثان أو ما يحدث به فأرانا فيلم كوثر يونس قصة حية تثير الفضول الإنساني اختارت تجسيد مفهوم الرحلة فيها بشكل نفسي مواز للفعل الواقعي المحاكي فالرحلة نفسية مرت من حال لحال عبر رحلة واقعية  انتقلت من مكان إلى مكان بطائرة ، مختارة إنهاءها بمشهد يفتح تأويلات مختلفة ، فالنهاية بمشهد للأب في رحلة الرجوع بالطائرة بعد إتمام اللقاء فتحت قوسا جديدا بملمح دائري كالنهاية المفتوحة شكّله تعبير وجه الأب الشارد ولمعة عينيه بأثر دمعة ؛فهل تراها لمعة حلم تنفس وتنهيدة بعد إنهاك أم سعادة تدرك أنها لحظية ووجع صار أعمق وأكثر يأسا ؟ّ! سر لحظته ما زال معه لكن المؤكد أن هذا العائد بالطائرة من الماضي لن يكون نفسه من ذهب بها.





  • 1

   نشر في 06 ديسمبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 07 ديسمبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا