صوت الرصاص بديلاً عن دقات الساعة ! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

صوت الرصاص بديلاً عن دقات الساعة !

محمد ابوخضرة

  نشر في 05 نونبر 2016 .

تلك الشوارع والازقة كانت مربع صبانا انا ورفيق الدرب احمد , هنا لعبنا وهناك اختبئنا حتى لايرانا معلمنا اثناء مروره ونحن نلعب وقت العصر , وعلى هذا الحائط كتبنا اولى ذكرياتنا , وذاك المقهى الذي سمرنا فيه ليال بفصول عدة .

جاء الفصل الذي خرج فيه الفرح راقصا باكيا متناثرا يجري كالمجنون يطرق ابواب الاردنيين ويدعوهم الى حفلة سمر بعد ان باتت ليالي السمر لديهم خاوية تجرجر اذيال ساعاتها المثقلة باخبار القتل والدمار في وطننا العربي وكالسيل الغامر بعد جفاف، انطلقت مواكب الأعراس لتزيل ركام الحزن عن الشوارع وعلت أصوات الموسيقى والزغاريد لتخرس أنات الحزن وأصوات الانفجارات التي طغت على مسامعنا. وكأي أم عربية، تطافرت دموع (أم احمد) وهي ترى ابنها يتألق ببدلته -التي أصرت والدته على أن تكون بيضاء- الى جانب عروسه، وفي داخلها.. كانت أم احمد قد قررت بأن تكون دموعها منذ اليوم فقط دموعاً للفرح ، فبعد ان فقدت إبنها البكر حسام في تفجيرات عمان دون أن تشهد عرسه، قررت أن يكون عرس (احمد) فرحتها الكبرى .

وكالعادة، دكت أقدام الراقصين من أصدقاء احمد الأرض وهم يحيطون به، اشرقت ابتسامة العريس وهو ينظر الى عروسه بشغف خجول متأبطا ذراعها لينتشلها من دمعة تلألأت في عينها وهي تعبر الممر وتلقي نظرة وداع على دار أهلها. وقبل أن يخطو احمد نحو سيارة (الزفة)، استوقفه عدد من أصدقائه (المحبين جدا) ليعبروا له عن حبهم وفرحهم الجنوني برقصة (الجوبي) على وقع ضربات طبول الفرقة الشعبية التي استأجروها لمفاجأة العريس. وارتفع مؤشر الحماس لدى احدهم فجذب مسدسه ليطلق رصاصات الفرح في الهواء.

جفلت أم احمد وهي تسمع صوت الرصاص، حاولت أن تشق طريقها بين الراقصين لتتوسل صديق إبنها الوفي أن يكف عن إطلاق الرصاص، فقد كان صوت الاطلاقات هو آخر ما ترغب بسماعه يوم زفاف ابنها. وقبل أن تصل الى مصدر الرصاص، سبقتها (آه) إنطلقت لتغرز سكين الخوف في قلب أم احمد ، أدركت بقلبها وهي تحاول شق طريقها عبر حلقة الراقصين، إن جرح حسام فغر فاه في صدرها ثانية .

ساد الصمت للحظات، كانت كافية لخطوات أم احمد المتعثرة لتصل الى مصدر الآه، كممت أفواه الاصدقاء وشخصت أبصارهم الى الأرض حيث يرقد (كمال)، الأخ الأصغر للعريس. تهاوت الأم فوق ابنها لتلم شيئا من دمائه التي سالت ماحية آثار أقدام الراقصين، رفعت عينها ذاهلة متسائلة، لم تنطق كل الوجوه من حولها، فقد تحول العرس الى مأتم بعد أن كمم صوت الرصاص الفرح ، وتحجرت الدموع في مآقيها لتتحول الى صرخة تضج بها حناجر كل الأمهات: يكفينا رصاصا، فلم يكن الرصاص يوما للفرح !

يكفينا رصاصاً فقد اصبح في اذاننا صوت الرصاص بديلاً عن دقات الساعة !


  • 1

  • محمد ابوخضرة
    مدرب وخبير تواصل اجتماعي مدير قسم التواصل في قناة الفلوجة
   نشر في 05 نونبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا