فيروس كورونا ....يعيد رسم الهرم - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

فيروس كورونا ....يعيد رسم الهرم

  نشر في 02 أبريل 2020  وآخر تعديل بتاريخ 04 أبريل 2020 .

كتبت يوما كلمات بسيطة رتبتها في مقدمة متواضعة، سلمتها لزميلتي المذيعة خلال تسجيل برنامج تربوي، جاء في معناها أن الوحيد الذي يحق له أن يتربع على قمة هرم المجتمع هو المعلم و فقط، و مباشرة بعد انتهائها من القراءة مشيرة لصاحب الكلمات، تعالت التصفيقات و تحيات الأسرة التربوية ممزوجة بنظرات تقرأ فيها الاحترام  والتقدير . أدركت بعدها أن تعابيري أصابت كبد الحقيقة، و أنها استنطقت الجرح الغائر في وجدان المعلم الثائر من لا صوت له، ذلك البائس الفقير الذي يتقاضى دينارات معدودة لا تكفيه عادة لتغطية احتياجاته طيلة شهر كامل.

في الواقع هي فكرة نابعة من أعماقي، و أكيد أجد نفسي أتقاسمها مع أناس كثر، من أدركوا أن التاريخ يكتب و لا يغنى، و أن المخطط يرسم و لا يعزف له ليقوم على طريقة الأفعى الهندية، و أن رصّ الحروف لنظم النظرية و الرؤية المستقبلية، لا يحتاج لا لأهواء غجرية و لا رسائل غرامية.

و مع انتشار عاصفة جائحة وباء كورونا، و التي كشفت لنا الوجه القبيح البشع والاأخلاقي لمخابر البحث السرية، المتشبعة بالشر بهدف تحقيق مآرب اقتصادية، وتجسيد الصراع الخفي الذي تُرسم آلياته بالغرف المظلمة من قبل الساسة حكام العالم، الأمر الذي سيلزمنا لا محالة على الوقوف لسنوات صمت طوال لمحاسبة سياساتنا البائسة، التي جعلتنا بملك أيدينا نحيد عن الواقعية، و نجانب الصواب في قراراتنا ومشاريعنا و استشرافنا.

فقبل أيام معدودة، كان كل الاهتمام محصورا بعقد الألماس الذي اقتنته سيدة المزمار، و خطوبة الفاسق من الفاجرة، و خيانة المجاهر بالإلحاد والمعصية للمغنية، و تقصي أخبار فنانات الإغراء و المطبلين المزمرين، لحد رفعهم لخارج نطاق البشر وصولا للوثن و الإله و الولي، فصار الرأي كما قالت الراقصة، و المشورة كما غرد الفنان و بعض أصحاب المهن العفنة و المواهب و الكماليات التي بالإمكان أن نستغني عنها دون أدنى ضرر. و فجأة يستيقظ العالم على حقيقة طفت للسطح بفعل الذعر الذي بثه الوباء، وقرب ملامسة البشرية للهاوية، فتذكر الإخوة التعليم حامي الوطن من الضياع ، واكتشف الكل أن العلم هو راس المال، و هو الثروة الحقيقية التي تقود السفينة لبر الأمان، و الوحيد من يبني البيوت حتى دون عمد، بعكس الجهل الذي جعلنا نصنع من المطربين و الممثلين و من مشاهير التفاهة رموزا و مراجع قبعوا كلهم في الحجر زمن الأزمة ، و أدركنا بفعل الألم الفرق بين عازف الكمان و ناظم التجربة المخبرية، فهرعت الإنسانية حافية القدمين نحو العلماء، و الباحثين و المكتشفين، الذين يتقاضون خلال مسيرة مهنية مضنية ما يتقاضاه لاعب الكرة في شهر واحد، أو ما تحصله راقصة أومغنية خلال حفلة واحدة.

إن الأرقام المخيفة التي تكشفها وسائل الإعلام عن حصاد الفيروس بين الصبح والعشاء، جعلت الجميع يقف مشدوها منتظرا الأسوأ، خاصة و هو يسمع احد قادة الدول العظمى يدعو شعبه لتوديع بعضهم البعض، ما يجعل قادة العرب من المفروض يستشعرون مدى جرائمهم في حق شعوبهم وفي حق الإنسانية جمعاء، يوم آثروا المهرجانات على بناء المخابر، و يوم كرموا أراذل القوم تحت غطاء الفن، و يوم احتقروا المعلم و العالم والباحث، و همشوا الكفاءات، و يوم رسم إعلامهم التافهين في هيئة المبدعين.

فلرب ضارة نافعة جدا، ففيروس كورونا أرسله الله لنا ليعيد تنظيم الهرم، و ليرَسم المعلم قائدا، و الباحث مجاهدا، و المخترع مبدعا، و ليعيد الدعائم لعوامل بناء الأمة، وأن العلم وحده كفيل بتلك المهمة، طبعا في ما يرضي رب البشرية، كما يتطلب منا الوقوف دقيقة تأمل و حساب واعتراف، أن الأمة كانت على ضلال بمعاداتها للعلم والطب و البحث، و بنائنا لقاعات الأوبرا عوض المختبرات، فالجميع يبحث عن الترياق اليوم، فهل سيصنعه أهل الطبل من الحجر، أم سيكتشفه أهل المختبر و العلم و هم اليوم في مقدمة الجبهة.

أكيد الجواب واضح .....و لكننا نعشق الغباء.

محمد بن سنوسي

02-04-2020   


  • 3

  • بن سنوسي محمد
    مدون حر اطرح افكاري و اسعى للمشاركة في اصلاح المجتمع
   نشر في 02 أبريل 2020  وآخر تعديل بتاريخ 04 أبريل 2020 .

التعليقات

محمد حميدة منذ 4 شهر
في النهاية سينتصر العلم و العلماء بغض النظر عن الفايروس من صنعه و من نشره
1
بن سنوسي محمد
بارك الله فيك سعيد جدا بمرورك

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا