علم اجتماع الجسد : علم الاجتماع الجديد - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

علم اجتماع الجسد : علم الاجتماع الجديد

نحو الجسدانية

  نشر في 29 نونبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 01 ديسمبر 2016 .

كنت قد تناولت في المقال السابق كيف أن علم الاجتماع قد غير مساره من التحليل الماكرو إلى التحليل المايكرو في فهم العلاقة بين الفعل و البنية ، و كيف أن ثنائيات ( الفعل / البنية ) ، ( الذات / الموضوع ) ، ( الفرد / المجتمع ) ، ( الفاعل / البناء ) ، ( الوحدات الصغرى / الوحدات الكبرى) قد تجاوزها علم الاجتماع الجديد الى مواضيع اخرى باتت اليوم وحدات التحليل السوسيولوجي الأبرز كالثقافة و التطرف و العرق و الهوية و الجندرية و الجسدانية و الجريمة و العنف و الاٍرهاب و البيئة ..الخ و مختلف تلك القضايا الآنية التي تشغل بال سوسيولوجيي عصر ما بعد الحداثة في علاقتها بالجسد ، حيث بات لزاما أن تشرأب الأعناق نحو علم اجتماع الجسد لمحاولة فهم و تحليل تلك العلاقة الجدلية بين الجسد و المجتمع ، الجسد و السياسة ، الجسد و الثقافة ، الجسد و العقل ... 

و الحقيقة أن موضوع الجسد (body) كان من المواضيع التي طرحت بقوة على الساحة الفكرية في السنوات الأخيرة من الألفية الماضية ، بعدما كان الجسد لفترات طويلة مغيّبا تماما و مهمشا و مفرغا من دوره في تشكيل الحقيقة الاجتماعية و إعادة تشكيلها على عكس الروح التي أولاها الفلاسفة و الدارسون أهمية قصوى على حساب الجسد ، فحينما تكلم كانط عن المتعاليات الترونسنتندالية فإنه يركز على جانب الروح في الانسان ، و الجسد ما هو إلا تابع للروح و راضخ لها ، و حينما تكلم قبله ديكارت في فلسفته التأملية عن الوعي و الوجود فإنه كذلك قد أعطى مكانة مسيطرة للفكر و الوعي على الجسد .. لقد كانت النظرة الفلسفية للجسد نظرة دونية أحطت من شأن الجسد و كأن الجسد هو حاوية نفايات ترمى بها إحباطات الروح و نزوات النفس و إخفاقات العقل !

و حينما أعلن نيتشه عن موت الإله عبر كتابه ( هكذا تكلم زرادشت ) كان قد فتح الباب بمصراعيه للوجوديين خاصة السارتريين حتى يتغنوا بقدرات و إنجازات و انتصارات الانسان الخارق في الوقت الذي كان فيه البنيوي الفرنسي ميشيل فوكو على الطرف النقيض و المضاد ينتظر الفرصة السانحة ليعلن بدوره عن موت الإنسان أمام سلطة الخطاب ! ، فوكو الذي تنكر لبنيويته في آخر حياته إذ بدأ بنيويا في تحليلاته و انتهى إلى ما بعد البنيوية ، نعده من أبرز المفكرين و الباحثين السباقين اللذين تناولوا موضوع الجسد بمنظور مغاير في الوقت الذي كانت فيه الأنظار موجهة أكثر الى الروح ، بل نعده من الأوائل المؤسسين لفرع جديد يدعى علم اجتماع الجسد ، فإعلانه عن موت الانسان لا يفسر فقط بطغيان البنية الكامنة على الذات ، فيتماهى الانسان أمام هذه البنية الكامنة الطاغية التي تصنع وجوده و هي القوة الكامنة وراء افعاله و سلوكاته ، بل نفسره أيضا بخضوع الجسد كبناء فيزيولوجي و بيولوجي لسيطرة البُنى و ممارساتها عليه ، هكذا مات الانسان عند فوكو ، كما مات الإله حسب نيتشه من قبل حينما حل محله الانسان الخارق الذي تحرر من قيود الإله و النظام و البنى الكامنة ..

لقد كانت تحليلات فوكو عن الجنس ، الشذوذ ، الجنون ، الموت ، السلطة ، المراقبة و العقاب ، السجن ، العيادة ..الخ تصب في منحى علم الاجتماع الجسد ، فبنية الفرد الاجتماعي المكونة من روح و جسد هي خاضعة حسبه الى البنى الاجتماعية و السياسية و الثقافية و الدينية و غيرها و كما تتأثر الروح بسلطة البنى فإن الجسد أيضا يتأثر ، بل أن السلطة السياسية ( البوليسية ) الممارسة على الجسد كالعقاب مثلا بالتعذيب بالكهرباء أو السوط أو غيرهما يكون فيها الجسد هو الواجهة التي يتلقى من خلالها الفرد ذلك العقاب ليصبح الجسد بذلك طيعا ، مروضا ، فاعلا مدجنا ، بمعنى أن الجسد هنا كمفعول به له دلالة بليغة و حضور قوي في فهم و تحليل الفعل الاجتماعي الصادر عن الفرد الفاعل الذي لطالما كان النظر اليه على أنه روح فاعلة تعيش داخل جسد صامت مهمل لا دور له ولا أهمية ! و هو الأمر الذي جاء بفرع جديد يدعى علم اجتماع الجسد ليضطلع بالدور الجليل في فهم و تحليل العلاقة الجدلية بين الجسد و النظام الاجتماعي ، و أضيف أنه ، كما تعبر الروح عن كينونتها ، فإن الجسد أيضا له لغته يعبر بها عن كينونته ، بل قد تجد الرّوح حالها تابعة للجسد فيصبح هنا الجسد هو الفاعل أيضا و ليس مجرد مفعول به ! و لذلك يقول عالم الاجتماع الفرنسي ( دافيد لو بروتون ) في كتابه عن سوسيولوجيا الجسد بأن سوسيولوجيا الجسد هي سوسيولوجيا التجذر البدني للفاعل في عالمه الاجتماعي و الثقافي .

لقد ساد الاعتقاد في المايكرو سوسيولوجي بأن الفاعل الاجتماعي الذي يصنع واقعه المعيش و الحقيقة الاجتماعية هو فاعل حر منطلق من قناعاته الذاتية صوب تحقيق الفعل الاجتماعي غافلين بذلك الدور الطاغي للجسد في صنع الحقيقة الاجتماعية و لعل أن  ما قدمه إرفنج غوفمان بخصوص فكرته حول المسرح حيث رأى العالم المعيش على أنه مسرح أكروباتي يؤدي فيه الأفراد ادوارا إقناعية معتمدين في ذلك على الجسد من خلال التمثيل ، يعتبر مساهمة محتشمة في السوسيولوجيا التفاعلية الامريكية إلا أن ميشيل فوكو انطلق من خلال تحليلاته التاريخية بالجسد نحو تسليمه مشعل الفاعل في صناعة التاريخ و الواقعة الاجتماعية ، فقد يكون لي علاقات اجتماعية مع فئات بعينها ليس على اعتبارات قيمية و إنما لاعتبارات جسدانية كأن أكون مثلا مريضة سرطان ( عافانا الله و إياكم ) و جسدي المنهك هو الذي سيكون الفيصل هنا في تحديد علاقاتي لأجد نفسي أوتوماتيكيا أقيم علاقات مع مرضى السرطان بنفس المركز الذي أتعالج فيه و مع جماعات أخرى تحمل نفس المرض نلتقي لنتبادل التجارب و الآلام و النصح و الآمال ..الخ ، كذلك الأمر بالنسبة للأشخاص اللذين يعانون من متلازمة داون أو المكفوفين و ذوي الاحتياجات الخاصة فإننا نجدهم يحددون علاقاتهم الاجتماعية من منطلقات جسدانية .. فبشكل أو بآخر سنجد أن العلاقات الاجتماعية مردها الى الجسد أيضا ، ليظهر لنا جليا كيف أن الجسد هو فاعل اجتماعي حقيقي و ليس مجرد حاوية !

على الرغم أن الجسدانية كظاهرة هي قديمة الوجود ، فالجسد لطالما كان فاعلا في الحضارات القديمة ، و عبر التاريخ لعب الجسد دورا حاسما في صنعه ، إلا أن الجديد في علم اجتماع الجسد هو إعطائه قدرا هاما و مكانة أساسية في الدراسة و التحليل ، و في فهم الواقع المعيش و تفسيره بناءا على العلاقة الجدلية بين الجسد و الانظمة المجتمعية ، و لعله من الضرورة بمكان أن ننوه هنا بالأهمية البالغة التي استحوذت عليها لغة الجسد اليوم ، حيث أثبتت أحدث الدراسات الاتصالية أن ما يؤثر في المتلقي هو الصورة ( الجسد) بنسبة 55% يليها الصوت بنسبة 38%، لتأتي الكلمة في المرتبة الاخيرة بنسبة 17% . فالجسد هو المتحدث و هو المؤثر و هو الفاعل ..

و يدخل موضوع الجسد ضمن منظومة اهتمامات و انشغالات عصر الحداثة المتأخرة ( ما بعد الحداثة ) أو العالية كما يصفها عالم الاجتماع الانجليزي أنتوني جيدنز ، خاصة أن هذا العصر يشهد تحولات على المستوى الجسداني كانتشار السيدا و تنامي الشذوذ و تطور التكنولوجيا الحيوية خاصة فيما يتعلق بمسائل إستئجار الرحم أو التلقيح الاصطناعي أو زرع الاعضاء ، الحميات و عمليات التجميل ...الخ ، كل ذلك يمثل ظواهر جسدانية ذات دلالات سوسيولوجية فمثلا اذا ما ضربنا مثلا بالجسد قبل و بعد عملية التجميل فسنجد أن الجسد بعد التجميل قد تدخل بشكل مباشر في نسج علاقات إجتماعية واسعة كالصداقات ، الزواج .. بعدما كان قبل التجميل سببا في محدودية علاقات صاحبه أو حتى عزلته عن الناس ، ما أود قوله هو أن فيزيولوجيا الوجه و الجسد عموما لها وقعها الإجتماعي دون ريب ، و في سوسيولوجيا الجسد نحن نتحدث عن الجسد البيولوجي و الفيزيولوجي كفاعل اجتماعي يعمل على إنتاج و إعادة إنتاج المنظومة المجتمعية . و لعل أن الحديث عن قضايا ما بعد الحداثة المتعلقة باهتمامات علم اجتماع الجسد يضطرنا إلى أن نلج موضوع الجنس الثالث من باب الجندرية ، فهو موضوع بدأ يكسر الطابوهات السوسيولوجية ليطرح نفسه مادة جديدة للبحث و التفسير ، و ضمنه سنجد أن الجسد يتموقع موقع الصدارة ليخط لنا فجًّا لفهم الظاهرة ، بمعنى أن جماعة الشواذ جنسيا يتخذون من الجسد منطلقا لهم للتعبير عن ذواتهم و هويتاتهم كثقب الأذن و لبس القرط و الاعتناء بالأظافر و الرموش و غيرها من المظاهر الجسدانية الأخرى ، هذا من جهة و من جهة ثانية هم يحددون علاقاتهم الاجتماعية بناءا على الجسد فتجد هؤلاء يكونون جماعات و ينشئون علاقات مع من هم بنفس مواصفات أجسادهم ، إذن الجسد هنا هو الفاعل و المحدد للعلاقات الاجتماعية ، تماما كما عند جماعة عبدة الشيطان اللذين يتخذون من أجسادهم لوحة تعبيرية عن هوياتهم فينحتون الرسوم عليها عن طريق التاتو ( الوشم ) فيوصمون في المجتمع بوصمة تجعلهم غير مرغوب فيهم اجتماعيا تماما كما الشواذ ، أو الهيبيز اللذين ظهروا في أمريكا ستينيات القرن الماضي ، و هو الأمر الذي ينأى بهم الى تكوين نسيج من العلاقات الاجتماعية يكون فيها الجسد هو المحدد الحقيقي للفعل الاجتماعي ! و هنا يتضح جليا قوة سوسيولوجيا الجسد في التحليل الجسداني . 

إن كل هذه الأمثلة التي قدمتها هي تأكيد سوسيولوجي على أهمية موضوع الجسد في تحديد العلاقات الاجتماعية و هوية الجماعة ، فالذات الفاعلة في المجتمع هي روح و جسد متكاملين إذ لا يمكن تفسير الظواهر الاجتماعية دون الالتفات الى ما يمكن أن يلعبه الجسد من دور حاسم في صياغة أنماط الفعل الاجتماعي ، كما أن الجسد على حد تعبير عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو هو تشييء لذوق الطبقة دون أدنى شك ! و هو الهابيتوس الجسداني ، فللجسد استعمالات اجتماعية من خلاله نعبر عن ثقافة و معتقدات الشريحة أو الطبقة التي ننتمي إليها ، و الجسد أيضا هو في سوسيولوجيا الأشكال عند عالم الاجتماع الألماني جورج زيمل عبارة عن مظهر من مظاهر الحقيقة الاجتماعية ففي دراسته عن الموضة جعل زيمل الجسد و الشكل في واجهة التحليل السوسيولوجي .. و يبقى البحث السوسيولوجي في موضوع الجسد قائما لحد اليوم و لم يكتمل بعد ، فتمثلات الجسد البدائي و الحداثي و الما بعد حداثي ، و انعكاساتها على صنع الواقعة التاريخية و الحقيقة الاجتماعية لا تزال مجالا خصبا للدراسة و التنقيب في مجال علم اجتماع الجسد ، بل إنني أكاد أجزم أن موضوع الجسد سيفرض نفسه على الدارسين في شتى المجالات الانسانية ليس فقط للضرورة العلمية بل أبعد من ذلك ، للضرورة السياسية كذلك ! ..

د. لبنى لطيف 



  • د/ لبنى لطيف
    الدكتورة لبنى لطيف استاذة محاضرة بجامعة الجزائر 2 متحصلة على شهادة دكتوراه علوم في علم الاجتماع التنمية باحثة و مفكرة ، و كاتبة ناقدة في علم الاجتماع و الفلسفة و الدين و الاعلام و السياسة
   نشر في 29 نونبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 01 ديسمبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا