التاريخ "رغبة" - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

التاريخ "رغبة"

التاريخ "رغبة"

  نشر في 21 مارس 2022  وآخر تعديل بتاريخ 03 أبريل 2022 .

التاريخ "رغبة"

ربما تعودنا أن ننظر للتاريخ الإنساني من زوايا عديدة , فهناك التاريخ السياسي , والتاريخ الاجتماعي , وهناك تاريخ للحروب , وتاريخ للحوادث المؤثرة في الأمم , الحديث عن التاريخ سواء تاريخ بلاد ما بين النهرين أو مصر القديمة , أو التاريخ الصيني أو الهندي , أو حتى تاريخ اليونان القديمة , كل ما يمكن أن نريد معرفته عن التاريخ البشري مدون في ملايين الكتب والمقالات المختلفة لأي ثقافة بشرية هي ليست إلا نوع من التوثيق التاريخي للحظة ما , أو مجتمع ما , أو بلد ما , أو شخصية ما , بل لن نبالغ لو قلنا أن كل لحظة تصادف حدثا ما في مكان ما هي لحظة تاريخية تأخذ مكانها بين صفحات التاريخ حتى وإن كانت زاوية مهملة .

التاريخ هو ذاته الأب الروحي للحروب العالمية بكل تفاصيلها المرعبة والمؤلمة , كما أنه الأب الروحي للقاء صديقين في مقهى صغير في طرف المدينة , في صفحات التاريخ نجد صورا لكوارث بشرية , سواء أكانت حروب أو زلازل أو انفجار مدن كاملة , أو انتشار لأوبئة ومجاعات , كما أننا نجد صورا لأفراح وأعياد وفنون واحتفالات شعبية واسعة .

التاريخ ذلك السجل الحافل والصاخب للبشر منذ وجودهم هو ذاته الذي يشاركنا لحظاتنا الخاصة مهما صغرت , يحتفظ بكل تفاصيل حياتنا بثوانيها وساعاتها وأيامها , ويقاسمنا استرجاعها متى أردنا , التاريخ هو الصديق الوحيد الذي يأخذنا من وحدتنا وكآبتنا أحيانا ليفتح لنا صفحات عشناها ذات وقت بفرح كحجم الكون , نقلب بين أوراقه أياما مضت وننتشي بصدى الأفراح التي مازالت تعيش بين سطوره وتأخذنا بعيدا حيث نرغب .

ولكن التاريخ مجرد مرآة تعكس لنا ما خططنا على صفحاته ذات زمن , فكما يهدينا تلك اللحظات الجميلة التي نحتاجها وقت الشدة , هو كذلك يطعننا بغتة ويفتح صفحات لا نرغب بها , ربما نستدعيها في لحظة ندم , أو ربما أنها تستعصي على النسيان , قد تباغتنا وتقتل فينا لحظات فرح طاغية , أحيانا يكون التاريخ صديقا قاسيا لا يرحم , وأحيانا يكون عطوفا رحيما يحسن الرفقة , التاريخ ليس إلا مرآة تعكس ما كتبناه نحن ذات زمن .

قد يربط البشر بالتاريخ علاقة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو حضارية وثقافية , ولكن هل تشكل الرغبات جزءا من تاريخ الإنسان ؟

هل يمكن أن يكون الإنسان تاريخيا مجموعة من الرغبات المتعاقبة حتى يدركه الفناء ؟

هل نبالغ لو قلنا أن تغير حياة ابونا آدم من العيش في نعيم جنة الخلد واستبدالها بالهبوط للأرض وما نتج تاريخيا عن ذلك التغيير من أحداث إنسانية اتصفت بالمآسي غالبا ليس إلا نتيجة لرغبته في أكل ثمار الشجرة المحرمة ؟

هل قتل قابيل هابيل إلا رغبة قابيل في إطفاء حقده وحسده على هابيل ؟

هل كان وراء كل كوارث البشر من حروب وقتل وتطهير عرقي واستعمار واستعباد ورهن حياة الشعوب لقدرة الأقوى إلا نتيجة لرغبات آثمة من بعض الطغاة فجاءت باسم السياسة تارة , وباسم القوة أخرى , وباسم الحرية والعدالة ومحاربة الديكتاتوريات و الإرهاب أحيانا أخرى , , هل باع الخونة أوطانهم ورهنوا مقدراتها وثرواتها وأفقروا شعوبهم إلا تحقيقا لرغبات أولئك الخونة في المال القذر والسلطة النجسة ؟

ومن جهة أخرى نستطيع أن نقول أن عمر الإنسان لحظات زمنية تاريخية متتابعة , تبدأ من لحظة الولادة وانتهاء بلحظة الوفاة , (ومن وجهة نظر خاصة) , أراها مجموعة رغبات متعاقبة , ففي لحظة الولادة تبدأ رغبته في استكشاف العالم الجديد الذي وجد نفسه فيه , ووجد رغبة فطرية في التواصل مع أمه من خلال حضنها الآمن , ومن خلال رغبته الفطرية في التقام صدرها لإشباع جوعه وتحقيق رغبة البقاء والنمو , وتبدأ رغباته في النمو كما ينمو جسده وعقله ومداركه , فتتملكه رغبة في اكتشاف محيطه الأسري وما يحتويه من أب وإخوة وأقارب , ثم تظهر رغبته في التواصل شيئا فشيئا معهم , فتتطور رغباته من المشاركة في تفاصيل المعيشة ثم رغباته في فرض ما يريد على من حوله , وهكذا حتى يصل لأولى رغباته المتمردة , فتظهر بوادر الاحتجاج والاعتراض عن طريق البكاء ورفض بعض السلوكيات المختلفة من البعض أو من الجميع , وكذلك يخضع لرغبته في لفت انتباه من حوله وافتراض الحب والسعادة بوجوده وطلب الدلال والاهتمام , قد تبدو هذه الرغبات خفية علينا أو فطرية تلقائية من الطفل , وقد تكون ردة فعل طبيعية لخوفه من هذا العالم الجديد الكبير والمخيف , وربما تظهر تلك الرغبات بشكل أوضح في مراهقته وشبابه , تلك الرغبات قد ترسم ملامح مستقبله من حيث لا يعلم , فيبدأ برسم شخصيته المستقلة من خلال تلك الرغبات , فمن الطبيعي ضمن أي مجتمع متمدن وحديث أن يعيش في سلسلة من الرغبات الطبيعية من ملبس حسن ومأكل لذيذ وسكن فاخر , وحتى ألعاب متميزة , وفي المجتمع الحديث قد ترسم رغباته في تقليد المشاهير في سلوكياتهم (وحتى السلبية منها) , ظلا قاتما أو سلبيا على مستقبل حياته وبالتالي تاريخه الشخصي , ولن نغفل عن ذات الرغبات التي تلبس وجها آثما عبر تاريخه البسيط , فيتلقى التاريخ في سجله حروفا تلبس ثوبا مرقعا برغبات الجنس والمال والتسلط , ويستمر التاريخ الشخصي له في التقلب بين مختلف الرغبات التي تتغير وتقوى وتضعف حسب الحالة العمرية والنفسية والاجتماعية , يشوبها الرضا حينا والرفض أحيانا , وتظل لبعض الرغبات الأثر الأكبر في تاريخ الإنسان الشخصي , فقرار الزواج والذي ينقل الإنسان من حياة إلى أخرى مختلفة تماما ليس إلا نتيجة لرغبته في إنشاء أسرة وحياة خاصة متكاملة الأركان , وأحيانا قد ينتقل الإنسان من حالة مادية معدمة لينتقل لمصاف الأثرياء والمؤثرين لمجرد سعيه لتحقيق رغبته في المال أو السلطة والجاه , وقد تلعب الرغبات دورا خفيا في دمار الإنسان وسحق أمانيه وأحلامه .

قد نجد رغبات شخصية في تاريخ بعض الأفراد ساعدتهم في تحقيق أحلامهم في السيطرة وقيادة أمة وأدى ذلك لدمار العمران والحضارة وموت ملايين البشر ويراها الناس كتاريخ كارثي سياسي واجتماعي واقتصادي وعسكري حل بتلك الأمة بسبب ذلك القائد , وفي الجهة المظلمة لتلك الأحداث مجرد رغبة ولدت في عقل إنسان ما , ذات يوم , ومن النقيض عن ذلك , ربما أدت رغبة ما ذات يوم ولدت في عقل إنسان ما لانتشار الخير والفرح والنماء والسعادة في مجتمعه .

أحيانا يكون وراء كل نجاح لطبيب أو مهندس أو عبقري أو طالب متميز رغبة وإصرار من اب أو أم أو شخص ما ساهم في شحذ همته ورسم الخطوط الخفية لذلك النجاح ؟

هل نبالغ لو قلنا أن التاريخ هو مجموعة رغبات مختلفة لبعض البشر ساهمت في الرخاء والازدهار وانتشار الثقافة والفنون , وصنعت الموسيقى والشعر والفلسفة والفيزياء والطب والصناعة والهندسة والتكنولوجيا والرقي الفكري للبشر ؟

وهل نبالغ لو قلنا أن التاريخ أيضا هو مجموعة رغبات مختلفة لبعض البشر رسمت المآسي والحزن والدمار والجوع والحروب والقتل ؟

قد يكون كل ما قلناه مجرد رغبة في لحظة تاريخية خاصة لرجل مجهول ينقل أصابعه على لوحة مفاتيح جهازه ليثرثر عبر الفضاء الأثيري لأصدقاء لا يعرفهم .


  • 1

   نشر في 21 مارس 2022  وآخر تعديل بتاريخ 03 أبريل 2022 .

التعليقات

Dallash منذ 1 شهر
رائع اخ عادل
0
adelmoleh
مرورك هو الأروع

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا