أ قلبٌ هتف شذوا .. أم حب جار حذوا - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أ قلبٌ هتف شذوا .. أم حب جار حذوا

أكذوبة الحب

  نشر في 19 مارس 2016 .

إنهما حرفان على ترتيب الضاد جيران، تجد في منطقهما مشقة الساعي اللهفان، دونهما قالوا أن الإنسان يغدو كالحيوان، تغني بهما شكسبير و رواد كل الأفنان، جنى أقوام منهما سواداً و أحزان، و عاش أقوام في كنفهما من السعادة ألوان، تعجب من حرفين لهما في السياق عدة معان، وردا في غير موضع من آي القرآن، حاء و باء لكل عابر في الحياة معهما نظم و ديوان، الكلم واحد و المتحابان جنسان، عدوني لست متحدثا عن شرف حب الرحمان، أو عن جميل حب المبعوث العدنان، أو عن زكي حب الحبيبين الوالدان، و لا حتى عن حديث المحبة بين الإخوان، إنما هو حكيِي عن شراب شاربه كل إنسان، و عن طَعمٍ ذائقه كل اِمرئ و لو بعد آن، فتُرانا نأخذ منه مع أصحاب الأيمان، أم نُجهض لذته بأيادي الشيطان.

تضاربت الأنظار في سبر كنه هذا المكنون، فقالوا أن محركه و باعثه إرادة خالصة و رغبة صافية لا تُبرر إلا باطمئنان داخلي و ارتياح عاطفي و إنجذاب سحري لما قالوا عنه نصفك الآخر، فلا تراك إلا و قد بدت عليك بشائر الرضى لأُنسك به، تتسارع النبضات لرؤيته و تتثاقل للبعد عنه، تتسلسل الكلمات في غيبته و تتلعثم بالحروف في حضرته، الساعات معه ثوان و الدقائق دونه أعوام، ثم قالوا في هذا الباب ألواناً من الأوصاف و ضروباً الأخبار ... و من حب الأدباء إلى حب الأطباء، نفسيا قالوا عنه غريزة محضة، و مكبوت ينضبط بقوانين الذات، محرك جنسي جلي المعالم، و بواطن حيوانية لو خلي بينها و بين المحبوب لرأيت صنيعة الأنعام، و علميا زعموا أنه هرمون ماكر، و معادلات كميائية ناتجها قرارات فيزيائية مادية في التزاوج و حسب، شبكة من التواصلات الهرمونية و العصبية لفك شفرة السعادة و الإستقرار الداخلي. و عجبت من طائفة أخرى لم تر للحب وجوداً، و إرتأت منطق العدم، فكل ما قيل في الحب إنما هو أوهام تُرسم، و أحلام تُزعم، تخيلات تروى و تمثلات تحكى، وسط كل متغيرات الحياة للإنسان أن يحيى كائناً منفرداً لا حاجة له في نسل يكثر أو إنس يعمُر، و أما أرباب الأديان، فقالوا في الحب بقول الديَّان، شعور فطري يلقيه الله في صدر العبد، لا سلطان له عليه إلا أن يكون في ميله عدلاً، و في سيره عدلاً فلا يكون الحب حباً مباحاً إلا إذا كان وفق أمر الشارع و هو الزواج، فما دون الزواج عبث ...

دلالات جُمعت وفق منظور طبقي، أعلاه أرقى المشاعر و أدناه ميل غرائزي، إلا أن إستفهامات عديدة و إسقاطات بعيدة تحول دون وضوح المشهد، أي حب نريد ؟ إن واقع ما نعيش يجيب ببيان عن بسيط هذا السؤال، و يصنف سلوكنا مع الحب في أسفل السافلين، فلا يخلو إثنان مجتمعان على أكذوبة الحب إلا الدافع الدفين في إجتماعهما غرائزي محض، لكن ألست قد قلت أن الغريزة محرك فطري في الإنسان، فما مكمن الخلل في ذلك؟ إن الغريزة من حيث هي مدفع الإنسان إلى السعي وراء تحقيق الحب في ذاته دونها أمر مشروع، أن تحب إنساناً لخُلقه أو خَلقه، لذاته و روحه ثم عرضت عليك الرغبة الجنسية فيه من حيث أنك بشر و لست ملاكاً، فكنت كما أُمرت قاضيا لرغبتك وفق منطق الدين كان الحب في حقك مكتملاً، و ذقت حقاً حلاوة الحب، أما أن يكون مسمى الحب معبراً لدسائسك الخبيثة و نزواتك المنحطة، فالحب ليس قبلات قذرة أو ضمات خَمِرة، فهذا والله ما لا نرضى، و هذا هو حب السواد الأعظم من شبابنا، فأيما حب كان متسللاً عن خطوط الزواج فهو مردود و إن كان شريفاً أو عفيفاً أو ظريفاً.

إن ميل الذكر للأنثى و ميلها إليه، و حاجة بعضهما للبعض أمور عليم بها من خلقهما، فإن هما سارا وفق صراط خالقهما نالا شرف أن يكونا متحابين حقاً، إننا نريد حب الجوهر لا حب المظهر، علة ما يدفعنا إلى وهم الحب هو الإفتتان بقامات العارضات الرخيصات، بوجوه الدمى المزيفات، و العارض و المعروض له يشكوان فراغاً يشبعانه بتجميل المظهر و الإفتتان به، فلما كان الجوهر هو المقياس، كان الحب حباً للروح في خلقها و جمالها، فحب الأبدان يزول و حب الأرواح يطول، و لن ننعم بحب البدن إلا إذا قدمنا عليه حب الروح.


  • 3

   نشر في 19 مارس 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا