قراءة نقدية في تطبيقات الحكم الرشيد في المنظمات الاهلية الفلسطينية - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

قراءة نقدية في تطبيقات الحكم الرشيد في المنظمات الاهلية الفلسطينية

معضلة تحقيق الحكم الرشيد في المنظمات الأهلية الفلسطينية

  نشر في 02 مارس 2016 .

تتمتع المنظمات الأهلية الفلسطينية بتجربة غنية فريدة وإرث كبير ، قد لا تتوفر لمثيلاتها في محيطها الإقليمي، وهذه الفرادة نابعة من خصوصية الحالة الفلسطينية وتعقيدات واقعها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، والإنساني، والتي ساهمت بالضرورة في اكساب هذه المنظمات والعاملين فيها قدراً كبيراً من الخبرة المتنوعة في المجالات التي تغطي أنشطتها، أضف إلى ذلك دخول عامل التمويل الدولي على أجندة هذه المنظمات والذي أصبح تقريباً المصدر الأول والرئيس لتغطية أنشطتها وبرامجها.

هذا العامل الذي حمل في مكوناته قيم المانح وأفكاره وتوجهاته والتي انعكست على المنظمات الأهلية الفلسطينية وساهمت في تحولها التدريجي مفاهيمياً وقيمياً من كيانات ثورية مرتبطة بقيم أحزابها وفصائلها التي أنشأتها أو ينتمي إليها العاملون في هذه المنظمات، إلى كيانات أكثر استقلالية ببناء مؤسسي يحاكي الى حد كبير قيم المانحين.

ولعل أبرز هذه التحولات؛ تلك التي شهدها عقد التسعينات من القرن الماضي والتي ترافقت مع انتشار العولمة والنيوليبرالية، وهذا التحول وإن أثر بشكل واضح على البنية المؤسسية لهذه المنظمات إلا أنه لم يخرجها بالكلية من ساحة الفعل الفلسطيني المقاوم، وإن غير من شكل وأدوات هذه المنظمات، والتي باتت مضطرة له لضمان الاستمرارية.

إن أهم ما وفد على المنظمات الأهلية الفلسطينية من مفاهيم حداثية وقيم أثرت فيها؛ مفهوم الحكم الرشيد، أو الحكم الصالح كما يسميه البعض، وهو مصطلح ما بعد حداثي لكلمة Governance Good يعني في جوهره نزع سطوة السلطة وإرجاع الحكم إلى الشعب، ما يذكرنا بالمفهوم الأول للتعاقد بين الحاكم والمحكوم في العقد الاجتماعي الذي اجترحه جان بول سارتر، لكن هذه المرة بمقاييس حداثية تناسب آلية عمل مؤسسات المجتمع المدني.

والحكم الرشيد كأحد القيم التي تبنتها هذه المنظمات راغبة أو راهبة، وأدمجتها في أجندة عملها، شقت طريقها نحو تطبيقات مختلفة في كيانات هذه المنظمات سواء على صعيد تطوير أنظمتها الداخلية بناءً أو تحديثاً أو على صعيد خططها الاستراتيجية وبرامج عملها ومشاريعها، بعد أن مرت بمراحل متعددة من النقاش والتدريب.

لكن النقاش والتدريب لا يمكن أن يوائما بين مفهوم حداثي ديمقراطي ومجتمع متغير، ويعاني من أزمات متراكبة كـ"الضفة وغزة"، فهناك ثلاثة إعتبارات كان يجب أن تأخذ في الحسبان حين استخدمنا هذا المفهوم وحاولنا تطبيقه: تكون البيئة المحيطة عبارة عن مجتمع ديمقراطي غير قبلي، هناك سلطة تقبل مشاركة المجتمع في حكمها، والأهم وجود مؤسسات خالية من الفساد، لكن دون ذلك فإننا نزرع وردة في تربة مالحة. ولنلقي نظرة عن تكاليف زرع هذه الوردة:

ساهم التمويل الأجنبي بقسط وافر من الدعم المالي والفني فقد بلغ مجموع ما خُصص من تمويل في الفترة من عام 1999 إلى العام 2008 لقطاع الديمقراطية والحكم الرشيد في محافظات قضاء غزة ما يزيد عن الـ 50 مليون دولار بحسب دراسة بعنوان "تتبع الدعم الخارجي للمنظمات غير الحكومية الفلسطينية" أعدها معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطينية " ماس" عام 2009 ، علماً أن هناك قطاعات أخرى في ذات الفترة حصلت على تمويل جيد كقطاع الأبحاث وقطاع حقوق الانسان، ساهمت بشكل غير مباشر في تناول قيم الديمقراطية والحكم الرشيد في برامج عملها وأنشطتها.

الآن وبعد عشرين عاماً من هذا الإنفاق الكبير، السؤال البديهي: الى أي حد استطاعت المنظمات الأهلية تحقيق هذه القيم وتطبيقها فعلياً وتحويلها إلى واقع ملموس وثقافة سائدة، سواء في بنيتها الذاتية أو في محيطها الاجتماعي؟.

والاجابة على هذا السؤال تفصيليا لا يتسع لها مقال محدود، إلا أننا نستطيع ان نقدم إجابات أولية، فيمكن الاستفادة من المعطيات المتوفرة للاستدلال الى المدى الذي وصلت اليه في تحقيق ذلك، سيما تلك المرتبطة بالجمعيات الخيرية والهيئات الاهلية كأحد أهم مكونات المجتمع المدني الفلسطيني وكذلك باعتبارها المستفيد والمتلقي الرئيس للتمويل الأجنبي وخاصة في قطاع الحكم الرشيد.

إن اجراء تحليل بسيط لبيانات الجمعيات التي نظمت انتخابات لمجالس ادارتها خلال الأعوام من 2012 الى 2015، سنجد ضعف الميل العام للعملية الديمقراطية في إدارة وحكم هذه المنظمات؛ فمن مجموع 750عملية انتخابية جرت، هناك 680 مجلساً تم تشكيلهم بالتزكية، فيما تم تشكيل 70 مجلساً عبر عملية انتخابية بالاقتراع بين متنافسين، أي أن 9% فقط من العمليات كان فيها مشاركة وتنافس بين المترشحين، وهذا يعكس الغياب الحقيقي للممارسات الديمقراطية الفعلية في أروقة المنظمات الاهلية.

وإذا أخذنا مكوناً آخر من مكونات المجتمع المدني وهي الشركات غير الربحية فإننا سنرى بوضوح أنه لم تتم أي عملية انتخابية تقريباً فيها منذ نشأتها وحتى الان، إذ أن عمليات التغيير أو التبديل والاحلال التي جرت في الهيئات القيادية داخل هذه المنظمات تتم عبر الاختيار المباشر من قبل القائمين عليها، وليس عبر انتخابات تنافسية وحرة من قبل جمهور هذه المنظمات.

إن غياب تشريعات منظمة لآليات عمل هذه المؤسسات يساهم في ذلك، فإن عدم تبني هذه المنظمات لمنهج التداول الديمقراطي في اختبار مجالس إداراتها يعكس بالضرورة غياب هذه القيمة من الممارسات الفعلية، أضف الى ذلك أنه يقلص من مبدأ المساءلة الذي يعد ركناً هاماً من الأركان التي يقوم عليها الحكم الرشيد.

كذلك من خلال استقراء محاضر جلسات إقرار التقارير المالية والإدارية للجمعيات الخيرية والهيئات الاهلية، تظهر عدة مؤشرات على ضعف قيم الحكم الرشيد في هذه المنظمات وبالذات المساءلة والمحاسبة والشفافية، فلا تخضع هذه التقارير لنقاش حقيقي جدي ومؤثر من قبل الجمعيات العمومية، وفي أغلب الأحيان يتم تمرير هذه التقارير بقراءة عامة في الجلسة دون اطلاع أعضاء الجمعيات العمومية بدقة عبر تزويدهم -إما بشكل مسبق أو في جلسة النقاش- بنسخ من هذه التقارير تمكنهم من الوقوف على تفاصيلها ومحاسبة مجلس الإدارة على أعماله فيها. ما يرسخ الهيمنة لمجلس الإدارة أو الإدارة التنفيذية على الجمعية وأعمالها دون رقابة ذاتية حقيقية من كيان المنظمة نفسها .

إن معضلة تحقيق الحكم الرشيد في المنظمات الأهلية ليست بمعزل عن محيطها الثقافي والاجتماعي والسياسي ـ سيما وأن هذه المنظمات هي انعكاس لمجتمعها وقيمه، إلا أن ذلك لا يعفيها من مسؤولية العمل الفعال وبجد نحو تحقيقه وترسيخ مبادئه في كيانها اولاً وفي بيئتها المحيطة ثانياً سعياً نحو تحويله لثقافة سائدة وسلوك عام يتبناه المجتمع بكل مكوناته.

يقول المفكر السياسي جون رولز في كتابه "قانون الشعوب" (عندما يوجد اتجاه قوي وواسع الانتشار بين المواطنين بأن يروا أنفسهم كمشرعيين مثاليين، وأن يوجهوا اللوم للمسؤولين الحكوميين والمرشحين للمناصب العامة الذين ينتهكون العقل العام، يشكل هذا الاتجاه جزءاً من الأساس الاجتماعي والسياسي للديمقراطية الليبرالية، ويكون حيوياً لقوتها ونشاطها المستمرّين).

إذن فإن المواطن هو أساس الحكم الرشيد وهو المشرع المثالي طالما أنه من يختار ثم يسائل، في حين أن المؤسسات هي الوسيط الذي قد يحمل الرسالة فقط، لكن في حالتنا نجد أن اللهاث وراء المانحين، لم يفقد هذه المؤسسات فقط دورها في الرقابة على الحكم لضمان رشده، بل نسيت الاتجاه الذي يتحدث عنه رولز لتأسيس عملية ديمقراطية متراكمة، فهي تطالب بالحكم الرشيد لكنها لا تقوم به داخلها! 


  • 2

  • ايمن عايش
    باحث في اكاديمية الادارة والسياسة لللدارسات العليا
   نشر في 02 مارس 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا