حكايتي مع اندفاعتي الأولى لكتابة المقالة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

حكايتي مع اندفاعتي الأولى لكتابة المقالة

حكايتي مع اندفاعتي الأولى لكتابة المقالة

  نشر في 16 يوليوز 2017  وآخر تعديل بتاريخ 21 يوليوز 2017 .

حكايتي مع اندفاعتي الأولى لكتابة المقالة..

هيام ضمرة..


ذات مساء صيفي من عام 1992م عادت فيه ابنتي من عملها كمصممة الكترونية على جهاز الكمبيوتر في مطبعة تخص قريب لي هو صاحب ابداعات عديدة ومبادرات ريادية انتهى بالوقت الحديث كمخترع يجوب عمليات التجريب وينجح في عدد من الاختراعات.. كان بين يدي ابنتي جزء من جريدة الرأي الرسمية مدت يدها بها إليّ وأشارت إلى مقال يتخذ زاويتها اليمنى تسألني رأيي به وتخبرني أن ابن خالي يسألني بماذا يمكن الرد على هذه المقالة، تناولت الجريدة ووضعتها فوق فرن المايكرويف كوني كنت أعد الطعام للعائدين من أعمالهم في نهاية الدوام

تذكرت في وقت لاحق من نهاية السهرة أمر الصحيفة والمقالة التي أشارت إليها ابنتي مثار الاهتمام، كانت الصحيفة تحمل مقالة لأحد الكتاب حول موضوع عدم قناعاته بمسألة صدقية الأنساب التي يتداولها الناس من ناحية انتسابهم لأحد الصحابة أو أحد التابعين أو أي من الشخصيات التاريخية، لِما دخل على مسألة الأنساب من تحولات متعددة وحروب واحتلالات أوقفت أمر التسجيل وأضاعت الأسماء وتسلسلاتها وأحدثت فجوة بالمعلومة مع انقطاع التوثيق، ودخلت الأنساب في تداخل مع الجنسيات الأخرى كما توقفت بعض الألقاب عند مراحل ما لتحل محلها ألقاب أخرى طغت عليها، أو تغيرت طريقة نطق الألقاب بحكم استخدامات اللغة في غير موطنها،  أو  حسب تحولات استخدام الإسم بالمفرد أو الجمع كناية عن نسب الشخص لجماعته بإسم الجمع وليس الفرد، أو لاستخدام مسميات جديدة بحكم إبعاد الثارات فمسحت الاسم الأصلي حتى تناساه أهله.. ووجدت فيما يقوله شيء من التجني كون انقطاع التوثيق لم يعطل الذاكرة في تناول المعلومة وتوريثها للأجيال وكنت لاحظت أن الكبار اعتادوا أن يسردوا للصغار كل كبيرة وصغيرة عن أصولهم والأسماء الشهيرة فيهم والأحداث التي تمر بهم وتلك التي ارتبطت بالأحداث التاريخية على مناطقهم وأوطانهم، وأن بعض العائلات احتفظت لنفسها بتسجيلات مخطوطة تؤرخ لها

فوجدتني أندفع لأستل قلمي وأتناول المقالة لأفند معلوماتها نقطة فنقطة بالطريقة البحثية المعتمدة على الاثباتات التاريخية المقنعة حتى نهايتها، وفي الصباح طلبت من ابنتي أن تأخذ المقالة المحررة خطياً معها وتطبعها على كمبيوترها ومن ثم تعيدها إليّ لأراجعها، وتطلب بعدها من ابن خالي توصيلها للصحيفة مشترطاً على ادارة الجريدة أن تنزل مقالتي في نفس موقع المقالة السابقة.

فقرأ ابن خالي المقالة بعد طباعتها ليفاجأ بقوة اللغة وأسلوب العرض والتناول والاعتماد على قناعات العقل والمنطق فسألها مستغربا: من كتب المقالة..؟ فكانت أجابتها دون تردد: (ماما) فعاد وسألها:

هل ساعد بكتابتها والدك؟..

نفت ذلك بقوة، وحين مرّ زوجي في نهاية الدوام على المطبعة لإعادة ابنتي إلى البيت، دعاه ابن خالي لتناول فنجان قهوة، وعرض عليه المقالة قائلا: انظر ما أروعها من مقالة!.. فأخذ زوجي الأوراق وراح يتابع القراءة ويبدي إعجابه بما يمر عليه من نقاط ظانا أن كاتب المقالة أحد أصدقاء ابن خالي من الأكاديميين المفوهين أو الصحفيين العتاة لتفاجئه الصفحة الرابعة بحملها التوقيع باسم زوجته المصون وهنا ارتبك زوجي لكنه أكمل القراءة وبينه وبين نفسه يثور عتاب، أبدى إعجابًا وعجبًا مُتسائلا: متى وكيف أعدتها ولم يتسنى له شخصيا رؤيتها، فأجابت ابنتي أنها سهرت الليل وكتبتها، فعاد زوجي إلى البيت وابتسامة جميلة تملأ شدقيه، وكان رد فعله الذي لم أتوقعه بأن قال وهو يعانقني: سامحيني أمانة عليك، أعرف أني خيبت أملك مرات عديدة حين كنت تطلبين مني قراءة ما تكتبين وكنت أتجاهل ورقك وكتاباتك وأترفع عن قراءتها.. أنت انسانة عظيمة وأنا فخور بك!!

كنت نسيت أمر المقالة ولم أفهم المغزى من الموقف برمته وسبب تصرفه وما قام به، وتساءلت بكل براءة.. ماذا هناك..؟

ترحلت المقالة إلى إدارة الجريدة وابن خالي ينفش صدره كالطائر الرومي الغرور، وتم اعتماد نشر المقالة كاملة دون نقص أو قص، بل ربما دارت على عدة أيادي وعرضت على ذات الكاتب كإجراء اعتيادي قبل النشر، وفي اليوم التالي كانت المقالة تأخذ موقعها على مساحة كبيرة من صفحة الجريدة، لأني كنت أجهل قانون الصحافة وأن المقالة لا يجب أن تتجاوز الصفحة الواحدة مطبوعة بالحجم 14 ومقالتي يومها تجاوزت الثلاث صفحات ونصف مطبوعة أو الأربع صفحات ونصف فقد تغبش جزء من الذاكرة، فغطت المقالة مساحة ثلاثة أعمدة من صفحة الجريدة من أعلاها حتى أدناها.. طبعا غمرني فرح ظافر فرد ملامح وجهي بالابتسام على مدى ذلك اليوم، فنشر المقالة كاملة كان بالنسبة لي انتصارا واختبارا لمدى تقبل الصحيفة لأسلوبي وطريقة عرض فكري، ونشر مقالة دون القص واللصق التي كنا نسمع عنها يعني الكثير

أخذني الحماس بنتيجة الخطوة الأولى، وانتفض بي القلم مُنسكبا بمواضيع أخرى ومقالات أخرى على التتابع، فألحقتها بالمقالة الثانية والثالثة، ومن بعدها انفرط عقد مقالاتي وتأكد لي قدرتي على التعبير والتزامي بحدود السلامة في وقت كانت فيه أبواب السجن تنفتح على مصراعيها لكتاب تجاوزوا الخط الأحر من حدود المسموح، فحل عليهم الغضب وكاد لا يسلم إلا قلة من الكتاب، وظلت مقالاتي بعيدة عن تدخل المتدخلين تنال حق النشر كاملة دون أن يمسها مشرط قص ولا مواد لزق، ومضت الأيام تتبعها السنوات وبدأت مقالاتي تطير عبر الحدود إلى مجلات اسبوعية وشهرية سعودية وقطرية وكويتية، وساعدني بتوصيل مقالاتي إليها الشاعر الزميل المقيم بالسعودية الأستاذ محمد الختاتنة، وبدأت أعرف لأول مرة معنى التربح المالي من كتاباتي، ومضت سنوات نافت على الخمسة عشرة عاما، ونسيت أمر المقالة الأولى وإسم الكاتب الذي حفزني للكتابة إلى الصحف الورقية وكان له فضل ولادة الجرأة على النشر في حمأة الانتشاء بالنصر على ترددي، ورحت أكتب لجميع صحف البلد وكلها استقبلت مقالاتي بكل ترحاب وتجاوب وسارت على نفس الأسلوب بعدم التدخل فيما كنت أعرض من رأي

 وحدث أن دُعيت ذات مساء إلى أمسية نقدية للناقد محمد سليمان الجمعاني كأديبة أصبح لها اسم يتردد، قدم المحاضر دراسة نقدية رائعة أثارتني لتقديم مداخلة، وما أن ذكرت اسمي في محضر التعريف حتى انتفض الكاتب والتمعت عيناه وتوهجت، وافتر فمه عن ابتسامة فرح كأنه عثر على ضالة غائبة منذ أمد بعيد، وما أن انتهت الأمسية حتى تقدم مني وأبدى شكره على ما عبرت عنه وأثنيت إليه بالإضافة إلى سعادته على أنه أخيرا التقي بي وكان يتمنى بقوة هذا اللقاء، كنت أتابع تفاصيل وجهه بدهشة لأفهم ماذا يعني ذلك، فقد بدا لي الأمر غريبا، فقال مستدركا:

ألا تذكرين؟.. أنا وأنت دخلنا في سجال صحفي قبل خمسة عشرة أو ستة عشرة عاما  على صفحات جريدة الرأي الرسمية!

ففتحت فمي وعيناي ببلاهة التائهة في واحات دنيا من العجائب

فقال بإحراج بالغ وقد أحس أنه ينبش بالمنسي من الخبر: لقد تناولنا في سجالنا موضوع الأنساب بإسهاب

فقفزت على الفور الحادثة على ذهني، وقابلته بالايجاب كمن عثر هو الآخر على ضالته أخيرا، وقلت له متداركة: ياه كان ذلك منذ زمن طويل.. طويل.. أهنئك على ذاكرتك القوية

قال: نعم منذ خمسة عشرة عاما تقريبا أو يزيد

قلت : ياه.. وما زلت تذكرني وتذكر مقالاتنا؟.. أنت إذن شخص محظوظ بذاكرتك

قال: نعم.. وإني احتفظ بهذه المقالة في حرز متين وبين فترة وأخرى ما زلت أخرج هذه المقالة وأعيد قراءتها حتى حفظت كثيرا من مقاطعها، ولأجل اكتمال الصدف أني استخرجتها اليوم وأعدت قراءتها

كنت سعيدًا أنَّ مقالتي حفزت كاتبة ومفكرة مثقفة وقديرة وقناعاتها قوية لترد على مقالتي فهذا ما يأمله أي كاتب يبغي أن يستقبل تأثير مقالته، كان عرضك فيها رائعا ومعلوماتك عميقة، وقدرتك على التأثير متمكنة، وتملكين ناصية اللغة باقتدار

كنت أستمع لعباراته وروحي تنتشي لهذا الأثر القوي الذي تركته مقالتي في نفس الكاتب الصحفي والأديب المتمرس ليحتفظ بها طوال هذا الوقت الطويل من الزمن على مدى خمسة عشرة عاما، وكل عام منها بإثنتي عشرة شهرا وثلاثة مائة وخمس وستون يوما ، وما زال مواظباً على إعادة قراءتها واسترجاع محتواها.. لكم أن تتخيلوا حجم الفرح الذي عبأ داخلي بشعور الانتصار وإن كان متأخرا جدا، إنّ الأهمية بالأمر تكمن بما تتركه من أثر في نفس أحد النخب المثقفة لتدرك حجم ما حقتته من نجاح، كلنا مهما ارتقينا وأبدعنا نحب أن نرى أثر نجاحنا في رد فعل المثقفين أنفسهم، ننتشل احساس النجاح دون تدخل، فيأتينا كاشتعال الضوء الكاشف

كثيرا ما نبدع في جوانب فلا نتلقى في حينه رد الفعل الايجابي ولا التغذية الراجعة على ما عرضناه بكل مصداقية وفكر عميق، لأنّ القراء الحقيقيين قلة قليلة والناس قلما تمنحك شعورها الحقيقي بما تحسه نحو نجاحك حتى لا تقلل من ذاتها البسيطة القدرات، وإما لكيد بها أو ضعف أو حسد، المواقف كثيرة من تلك التي منحتني اياها الظروف والمواقف من نوع هذا الفرح بملامحه الدافئة، وبإمكان جعبتي أنْ تملأ سطورا طوال من ملف الذاكرة العابق بالحكايا.. سيسعدني استعادتها وتسجيلها ورقيا، ولست آنس في هذه المهمة إلا الصدق والمصداقية في تسجيلاتي

وظلت الصدف النادرة وحدها تجمعني بالكاتب الحصيف محمد سلامة جميعان ليظل السلام بالابتسام رسالة ترحيب وتوقير بيننا، وانتعشت ذاكرة أول مقالة قادتني لصفحات الصحف والمجلات المحلية والعربية بثقة واقبال منقطع النظير ووجدت إحدى الصحف العربية توجهني لمقابلات شخصية بالمجله وعلى إحدى الفضائيات وصار ديدن الفضائية الاتصال الهاتفي بي لأخذ رأيي بالقضاياها المطروحة

وها هو الزمن والتقدم العلمي والتغييرات الألكترونية تتشارك في توفير الفرص وتدفق المعلومات ليصبح هذا العالم كموج المحيط الهادر يتدفق من كل صوب، وبدأت أنامل الأكثرية تتلاعب على أوتار الحروف ونتاجها يتكلم عنها إنْ بالجودة أو الخيبة، لكنها ساهمت في رفع السوية العامة للمعلومة وللغة نفسها في مجمل الأمر.. عالم الانترنت هو انفجار هائل للمعلومة قدم فرصاً مباشرة لعرض الابداع، ومهما كان هذا العرض عظيم في حجمه فإنه لن يخفي المبدعين المتميزين بل سيبرزهم بالحجم المناسب

أقول للمدى حين يتمدد على جسد الزمن، ويتلمس أحاسيس ما يملأ الحياة بدبيبها وأساليبها، وما تتركه على أوتار النبض من دغدغه وتأثير، ففي خضم البحث الدؤوب عن الذات الخلاقة ستدرك أنك تسير على رؤوس أصابع قدميك وأنت تخشى أن تلوث  سمع وأعين المتلقين بأثر لا يُرضيك أو لا يرضيهم، في هذا الإحساس المترهب كثيرا ما تفقد حجم نجاحك وجمال أثرك لتأتي مناسبة ما أو حادثة ما لتكشف لك الحقيقة وهي ترتدي أجمل حللها.. الزمن وحده من يمنحك حجم عطاءك وأثره البالغ والمشرف، ولهذا نعيش هوس الاسترجاع والحفر بالذاكرة للتنقيب عن جواهرها المدفونة بالعمق المظلل


  • 7

  • hiyam damra
    عضو هيئة إدارية في عدد من المنظمات المحلية والدولية
   نشر في 16 يوليوز 2017  وآخر تعديل بتاريخ 21 يوليوز 2017 .

التعليقات

عمرو يسري منذ 4 شهر
ذكرتيني بأول مقال لي , دائما ما تبقى البدايات في الذاكرة , و مهما كنا نراها بسيطة في حينها إلا أننا لا نعرف قيمة تلك البدايات إلا بعد مرور الوقت .
مقال جميل .
0
hiyam damra
فعلا أستاذ عمرو يسري لبداياتنا نكهة خاصة ولذاكرتها وهج دافئ لا ينتهي.. وما أكثر البدايات السعيدة في عالم المبدعين وكل منها تستحق أن نعاود استرجاعها وتسجيلها.. دمت مبدعا

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا