التلميذ الجزائري..والحلّ اللغوي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

التلميذ الجزائري..والحلّ اللغوي

  نشر في 08 شتنبر 2015 .

صار قطاع التربية والتعليم ميدانا مناسبا للتنافس بين أذكياء الساسة في الكشف عن إبداعاتهم الموصوفة بالراقية، وااقتراحاتهم المنعوتة بالنوعية والمتميّزة؛ من أجل إصلاح مدرستنا المريضة، غير أن هذه الإصلاحات أو هكذا تُسمى؛ غالبا ما تبوء بالفشل الذريع على صعيدٍ واحد أو على أصعدة متعددة..

لا ندري هل الخلل في برامج الإصلاح نفسها ؟، أم أن الخلل راجع إلى المصلحين الذين يقترحون مشاريع الإصلاح المدرسي ؟، أم أن الجهات المخوّلة بتنفيذ مضامين الإصلاح ينقصها الصلاح لتجسّد ما أُنيط بها من تنفيذٍ لبرامج الإصلاح المدرسي التعليمي والتربوي ؟.

ونحن إذ نطرح هذه الإشكالية، نرى أن قطاع التربية والتعليم منذ عقود قريبة وعهود ليست ببعيدة صار مرتعا خصبا لإصلاحات لا تُعمّر طويلا، تكشف إما عن سطحية هذه الإصلاحات وعدم فاعليتها وقدرتها على تحسين المستوى التعليمي للتلاميذ الذي يُفتضح أمره في المراحل التعليمية اللاحقة، أو عن صراع خفي بين نخب لم تتفق يوما حول هويتها اللغوية.

اليوم يتحدث الجميع عن مقترح جديد يدخل في إطار الإصلاحات التي جادت بها قريحة الوزارة الوصية على تربية نشئنا وتعليم أبنائنا، مقترح لم يمرّ بسلام دون أن يُخلّف زوبعة من الإنتقادات، على اعتبار أن هذا المقترح يمسّ أحد أهم ثوابت هوية الأمة ذات البعد الديني والإجتماعي والتاريخي؛ وهي اللغة العربية؛ اللغة الرسمية للدولة الجزائرية بنص الدستور.

ومع أن الوزير الأول قلّل من تأثيرات مقترحات وزارة التربية والتعليم باعتماد العامية الدارجة في تدريس تلاميذ السنتين الأولى والثانية من المرحلة الإبتدائية؛ باعتبار أن الدولة الجزائرية تبقى سيّدة في قراراتها، وترى مثل هذه المقترحات غير رسمية، إلا أنني أجد مجرد التفكير في مقترح كهذا، وطرحه للعلن، له غاية معلومة، علمها من علمها وجهلها من جهلها. فمن القراءات المطروحة بخصوص هذا المقترح: أنه مجرّد فقاعات لاختبار عروبة الشعب الجزائري، وامتحان مدى تشبثّه بهويته اللغوية.

من القراءات الجديرة بالاهتمام: الصراع النخبوي بين أصحاب الاتجاه الفرونكوفوني المتعلق بلغة فولتير وموليير، وبين أصحاب الاتجاه الذي يرى أن لغته جزء لا يتجزّأ من هويته، دون أن يقف موقف العداء من الانفتاح على أيّة لغة أخرى. وأنا هنا لا أشكك في جزائرية أحد، كما لا أتّهم أحدا بالعمالة لصالح أجندات التغريب التي تحارب سياسة التعريب، لكني أسرد ما أراه واقعا ومُشاهدا.

للتنبيه فقط، لا أعني بسياسة التعريب: مفهومها السلبي المنغلق على اللغة العربية، الذي يُحجم عن تعليم التلاميذ لغة أخرى غيرها من لغات العالم الشهيرة. يا ليت الأمر توقف عند التعريب حتى بمفهومه السلبي، إنه امتهان العربية وتقليل قيمتها في بناء التواصل وتمرير المعلومة بين المعلم والتلميذ؛ من خلال استبدالها بلغة هجينة ليست بلغة بالمعنى الفني والاصطلاحي الدقيق، ولكنها لهجة درجنا على التواصل بها داخل أسرنا ومع أفراد مجتمعنا..

واليوم يريدونها لغة لتدريس أبنائنا عجزهم عن تعلم لغة قحة لا مثيل لها، أو الإقرار بتفوقها على غيرها من حيث الثراء في الألفاظ والإعجاز في معانيها، بعيدا عن الأرقام التي تُقصي العربية عن الريادة؛ لعجزها - بزعمهم - عن منافسة غيرها من لغات العالم في مجالات العلم والتكنولوجيا، نعيب لغتنا والعيب فينا إذ لم نرتق بلغتنا الإرتقاء العلمي الحضاري والعالمي الذي يليق بها.

ما زال التلميذ الجزائري يتحمل تبعات حلول لغوية عرجاء بعنوان إصلاح المدرسة، وتحسين أدائها البداغوجي والتربوي، ورفع المستوى التعليمي للتلميذ، هو ينتظر حلولا لانشغالات مدرسته، في الوقت الذي يُحاول فيه طرف من الأذكياء التربويين شغل المجتمع وحتى التلميذ بإثارة نعرات لغوية لا طائل منها، غير تسميم المدرسة بأفكار التغريب والتخريب.

أن يصطدم التلميذ في أولى خطواته بحلّ لغوي خداج، فهذا هو الإفساد بعينه الذي لن ترتقي به مدارسنا أبدا.

لنتقي الله تعالى في نشئنا، ونرتقي بحال مدرستنا.

د/ عبد المنعم نعيمي.

كلية الحقوق- جامعة الجزائر 1.



  • 1

   نشر في 08 شتنبر 2015 .

التعليقات

samia منذ 8 شهر
تحياتي لكم استادنا الفاضل .مقال رائع ليت كل الشعب الجزائري يعرف قيمة لغة القران الكريم.
لكن هده مخلفات الاستعمار الغاشم و وسائل الاعلام الحديثة بما جاء معها من غزو فكري.
جزاكم اللله خيرا استادنا الفاضل.
سامية من الجزائر
0
عبد المنعم نعيمي
شكرا أختي على تفاعلك ومرورك...نحن مع الحفاظ على اللغة العربية والإنفتاخ على الآخر اللغوي الذي يسمح لنا بالتواصل معه والتجاوب والتفاعل والتعاطي مع أطروحاته إنْ بالموافقة أو بالرفض، ونحن ضد التخندق اللغوي أيّا كان..

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا