إسلام محمد يكتب عن:- خميس المقابر. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

إسلام محمد يكتب عن:- خميس المقابر.

من البلكونة.

  نشر في 21 غشت 2015 .

تشكل الطقوس المتبعة عند التعبير عن الفرح أو الحزن لدى أى شعب من الشعوب،نسقا حضاريا فكريا وسلوكيا تتردد عبره أصداء لعادات وتقاليد مجتمعية تراثية،بعضها ألبسه الناس عن غير حق  ولا بينة ثوب القداسة،وتمسكوا بممارسته والحفاظ عليه،رغم الدعاوى المطالبة بالإقلاع عنه بشكل كلى أو جزئى وعلى نحو متدرج،فيم انضوت ممارسات أخرى تحت عباءة التعاليم الدينية متسقة معها بقدر مايسمح به وعى الممارس ومدى معرفته بصحيح الدين على مستوى الأفراد أو الجماعات،،،

تمهيد ربما يبدو ملغزا،لكنه فى رأيى له قدر من الضرورة لمحاولة تفسير ظاهرة من ظواهر كثيرة تتسيد مشهدنا الإجتماعى المصرى،دون أن يبالى معظمنا بمحاولة تأملها فضلا عن البحث عن جذورها،والخروج بأجوبة شافية لما يحيط بها من أسئلة،،،

اليوم كنت عائدا من مهمة عمل بالمركز القريب من قريتى الريفية حيث نشأت ومازلت أقيم،وما أن اقتربت من شارع المقابر المشهور فى هذه الناحية بشارع"الرحمة"،حتى هالتنى جموع النسوة المتشحات بالسواد وهن عائدات من داخل الشارع،البعض منهن عجائز،الغالبية سيدات تتعلق بأذيال جلابيبهن الأطفال،والقلة بنات فى عمر الصبا وربما المراهقة،،،

المشهد ليس جديدا على بالطبع،لكننى لا أقيم فى المدينة  إلا لضرورة، ولا أشاهده إلا على فترات متباعدة قد تطول،كما أن زيارة القبور فى قريتى لا تتسم بضخامة عدد الزائرين ولا تنوع فئاتهم العمرية،وإن كانت غالبا تقتصر أيضا على النساء دون الرجال؟! وهذا وحده تساؤل يستحق مقالا مستقلا،،،

اليوم هو الخميس المقدس،موعد الزيارة الأسبوعية التى لا مجال لتأخيرها أو إهمالها إلا لعذر قاهر،

لماذا الخميس تحديدا؟ سؤال بديهى لكن إجابته ليست ميسورة ولا قاطعة،دينيا لا يوجد فيم أعلم وأفهم نص يحث على زيارة القبور فى يوم معين،وإن كان لابد من يوم معين له فضل على باقى أيام الأسبوع فالمنطقى والمعروف أن يكون يوم الجمعة الذى كتب وعرف عن فضله الكثير،كما أن إحدى سور القرآن الكريم تسمت باسم سورة الجمعة لتناولها بعض أحكام او آداب تتعلق بصلاة الجمعة من كل أسبوع،،،

فيم يبدو يوم الخميس مرتبطا  فى الذهنية المجتمعية،بمظاهر الإحتفاء والإحتفال بالمناسبات الإجتماعية المختلفة وعلى رأسها عقد القرآن وحفلات الزفاف،إذن اليوم يرتبط عموما بالبهجة لا الأسى،الفرح لا الحزن،تحصيل اللذة لا التحسر على فقدها،فلم يكون هذا اليوم تحديدا هو يوم الفزع للمقابر؟ وهل يكون إختيار اليوم محاولة شعورية أو لاشعورية لدى من يتمسكون بواجب الزيارة فيه لإثبات أن حزنهم يجاور بهجتهم على الدوام،أن فرحتهم لا تنسيهم موتاهم،أن الموتى حاضرون رغم الغياب،وربما تسبق أولوية الترحم عليهم أولويات عملية وإنسانية أخرى؟،أسئلة مفيد وربما مهم تدبرها سواء حصلنا على إجابات  مقنعة لها أم لا،،،

العجيب فى الأمر أن ممارسات زوار القبور فى هذا اليوم،قد تنسف البعد الإنسانى الذى اجتهدت فى إضفائه على دوافع الكثيرين منهم-بعضهم لا شك حزنه ورهافة حسه وشعوره بالفقد تكون هى المحرك لما يفعل ولا شىء آخر-، فللموت قبل كل شىء هيبة،وزيارة مقابر الموتى أقرباء أكانوا أم غرباء لها أصول وآداب من لم يعلمها درسا أو فقها،له أن يدركها حسا وذوقا ووعيا فطريا من وحى ما يدور حوله،،،

لكن حالة الهرج والصياح وتبادل الهتافات والشتائم،فضلا عن الجلوس فرادى وجماعات بجوار أو أمام أو خلف قبور الراحلين، للتسامر أو التشاجر حول شؤون الدنيا ومتاعبها وسخافاتها اللانهائية،تحيل واقع موسم الزيارة الأسبوعى إلى كرنفال عبثى بامتياز،بالطبع كنت شاهدا على بعض من تفاصيله المضحكة المبكية المخزية،والتى لن يفيد بحال إعادة سردها فى هذه المساحة،كونها لن تعدو تفصيل بعد إجمال،،،

إذن هل المسألة عادة تحولت بمرور الوقت وتكرار الممارسة لطقس أجوف؟،هل مجرد الإرتحال الأسبوعى لزيارة ديار الراحلين هو تعبير كاف عن الحزن على فقدهم،وتقدير لا مزيد عليه لما خلفوه وراءهم من آلام وفراغ لن يسده أحد؟، هل صار السلوك آليا بمعزل عن دوافعه؟،وإن كان بالفعل ففى هذه الحالة تكون الكارثة أن جموع المساقين\المنساقين وراء دافع مبهم لأداء واجب أو سنة يظن البعض أن جدواها تلحق بمن رحل،على حين أن عظتها الأساسية موجهة لمن ينتظر،لا تحتاج إلى مزيد من البراهين لبيان مدى البؤس الإنسانى والضحالة الفكرية والشعورية التى صرنا أسرى لها كبارا قبل الصغار،،،

الشواهد كلها ترجح أن فى مجتمعاتنا صارت العادة تجاور وتتجاوز العبادة فى تقديس الناس لها،وصارت السنن التى ابتدعها الأقدمون مقدمة على ما سواها إن جهلا، وإن إستكبارا،،،

زد على ذلك أن المقابر لم تعد تؤدى وظيفتها التقليدية المألوفة كمثوى لمن رحلوا،بل صارت تحت ضغوط الفقر والإحتياج وإهمال"ماتسمى الدولة" وعجزها عن الوفاء بمتطلبات مواطنيها،مقرات دائمة لأسر بأكملها،ومواضع لنزاعات مسلحة بين الراغبين فى بسط نفوذهم عليها كل بحسب سطوته ومقدار ما يمتلك من قوى باطشة ماديا ومعنويا،،،

ويظل  برغم هذا السؤال العبثى معلقا فى الأفق بلا بادرة لإضاءة مفسرة أو جواب منطقى من أى نوع،إذا كان عموم المصريين يتجاهلون تواجد الموت فى حيواتهم فكرا وسلوكا،ولا يستحضرون صورته ولا سيرته كواعظ لهم ومحذر من عواقب الإنغماس فى ملاهى الدنيا ومشاغلها،حتى وهم فى قلب عرينه ووسط مقابر من أظلهم بمظلته عبر السنون والأيام،،،

فلماذا يحرص الكثيرون منهم على طقس زيارة المقابر كل أسبوع بانضباط ومثابرة، تُشعر بالقياس لها من كانوا جنودا فى الرايخ الثالث أثناء الحرب العالمية الثانية  بالتخاذل والحرج!!

ولماذا يا هداكم الله لا يتخيرون من بين أيام الله سوى يوم الخميس؟؟!!




   نشر في 21 غشت 2015 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا