سياسيو الصدفة وإفشال الدولة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

سياسيو الصدفة وإفشال الدولة

الجزء الأول - للكاتب عبدالرحيم التومي

  نشر في 27 ديسمبر 2020 .


مع اقتراب حلول الذكرى العاشرة لانتفاضة السابع عشر من فبراير 2011م ربما يستغرب البعض كيف أن ليبيا، بعد عشر سنوات من الاطاحة بنظام معمر القدافي، لم تنجح في أن تكون بلداً مستقرّاً ينعم سكانه بثرواته الطائلة حال نظرائه من الدول النفطية.

في لحظة انهيار النظام بالكامل في 20 اغسطس 2011، ظنّ الكثير من الليبين، المقيمين في البلاد أو الفارّين منها هرباً من القمع وسوء الحرية، أن ساعة النحس الليبية الطويلة قد ولّت لتبدأ ساعة السعد. حتى بعدما انفكت تحالفات الناتو بقيادة الولايات المتحدة التي أسقطت هيكل الدولة بالكامل، ظلّ الليبيون يأملون في أن معارضي القذافي العائدين من الخارج سيتمكّنون من إعادة بناء الدولة على أسس مختلفة بسرعة قياسية، بتصوّر أن الكثير من المعارضين الذين سيتولّون إدارة الدولة هم ذوو كفاءات وخبرات عالية المستوى، وبخاصة أولئك الذين عاشوا وتعلّموا وعملوا في البلدان الأوروبية والولايات المتحدة، لكنْ لم يمض الكثير من الوقت ليكتشف الليبين أنهم إنّما بنوا في أذهانهم قصوراً من رمل وقشّ،فليبيا الخارجة من نفق لم يكن يلوح ضوء في نهايته، قد حُشرت من جديد في نفق شديد الظلمة هو الآخر.

لم يكن العنف والإرهاب والحرب الأهلية الجهوية هي العناوين الوحيدة للمرحلة الجديدة. الفساد الإداري والمالي صار، عام بعد عام، هو الروتين اليومي لهذه المرحلة. والآن وبعد عشرة اعوام يتبيّن أن نحو اغلب عائدات النفط المقدرة بنصف ترليون (500 مليار) قد تبدّدت منتهيا في جيوب الأغلبية من متولّي الوظائف العليا في الدولة الجديدة وشركاء لهم سهّلوا عمليات الاعتمادات الوهمية والنهب وتحويل تلك الأموال المنهوبة إلى خارج الحدود عبر السوق السوداء .

متولو الوظائف العليا هؤلاء (مجلس إدارة المركزي واعضاء مجلس الرئاسي ووزراء ووكلاءَ وزارات ومديري هيئات وحتى نواباً في البرلمان ومجالس البلديات) هم بأغلبيتهم الساحقة من أعضاء وأنصار أحزاب الصدفة، المهيمنة على العملية السياسية، وقد أُنيطت المناصب والوظائف العليا بهم وفق نظام يتعارض مع الاعلان الدستوري هو نظام المحاصصة الجهوية والحزبية، فهذه الوظائف والمناصب وُزّعت على الأحزاب التي وهبتها قياداتها بدورها للموالين والأقارب والمحازبين، من دون مراعاة لمعايير الكفاءة والخبرة والنزاهة والوطنية. النتيجة أنهم فشلوا فشلاً ذريعاً في إدارة الدولة، ما أثار نوبات من السخط الشعبي المحتدم بسبب انهيار نظام الخدمات العامة وتردّي الأحوال المعيشية وارتفاع مستويات البطالة والفقر برغم عوائد النفط الوفيرة.

شعبياً شاع تعبير «المستوردين» لوصف الذين عادو من الخارج وتولوا إدارة الدولة في العهد الجديد . هو تعبير لا يجانب الحقيقة، فالطبقة السياسية الجديدة بأغلبيتها الساحقة جاءت إلى الحكم من دون تجربة في الإدارة... تجربتهم تنحصر في العمل الحزبي السرّي خارج ليبيا متل الجبهة الوطنية لانقاذ ليبيا. وإذا استعدنا الآن أسماء أعضاء المجلس الوطني الانتقالي الذي أدار البلاد في السنة الأولى بعد إسقاط نظام القذافي، فإننا لن نجد بينهم عضواً الا القلي له من قبل تجربة إدارية، هم الراحل محمود جبريل خبير التخطيط ورئيس وزراء المجلس الانتقالي و العيساوي عضو المجلس الانتقالي ووزير الاقتصاد في حكومة البغدادي وعبدالرحمن شلقم وزير الخارجية الأسبق وممثل ليبيا في الأمم المتحدة لسنوات عدة، لكن هؤلاء الثلاثة لم يُمَكَّنوا من أن تكون لهم أدوار فعّالة في النظام الجديد بالمقارنة مع الآخرين، سياسيي الصدفة الخارجين من الأقبية السرية.

كان الراحل محمود جبريل مرشحاً قويّاً ليكون  رئيس الحكومة الليبية المؤقتة في العهد الجديد، لكنّ أحزاب الصدفة عارضت ذلك لأنه علماني ليبرالي حسب زعمهم .

بينما أُسنِدت الحكومة الانتقالية للراحل عبدالرحيم الكيب، وكانت مهمتها إعداد البلاد لانتخاب المؤتمر الوطني العام وهو ما حصل فعلاً، وعلى أساسه كان لا بدّ أن يكون رئيس الوزراء من الحزب الفائز بالانتخابات . لكنّ وصف حزبه (تحالف القوى الوطنية) بأنه علمانياً، فأبعدوه، بل عملوا ايضا على عدم تمكينه من ترؤس الحكومة حتى عندما احتلت قائمته (التحالف) المركز الأول في انتخابات 2012، محتلة اغلب المقعد في المؤتمر الوطني، وكان يتعيّن تكليفه بتشكيل الحكومة بوصفه زعيم الكتلة الأكبر الفائزة في الانتخابات، بيد أن منافسة حزب العدالة والبناء برئاسة السجين السياسي عديم الخبرة محمد صوان، اعترض على إمكانية التكليف وشكّل تحالفاً مع المستقلين سمي بكتلة الوفاء وقال اعضاء الحزب في المؤتمر الوطني العام بأن فوز الحزب لا يعني ترأس الحكومة، وإنما يترأس الحكومة المرشح الحاصل علي نسبة الاصوات الاكبر داخل المؤتمر الوطني العام بعد الانتخابات! ليصبح ابوشاقور الفائز بالحكومة! ولكن لم يحالفه الحظ بعدها في اعتماد حكومتة بسبب عدم تاييد الاحزاب له، ليصبح بالنهاية علي زيدان رئيس الحكومة الليبية المؤقتة "المستورد عديم الخبرة" ، وهاكذا استمرت الأدوار المرسومة لسياسيي الصدفة.

وترتّب على تولّي «سياسي الصدفة» مقاليد الحكم في ليبيا إستقطاب حاد للاحزاب السياسية وادخل المجموعات المسلحة في الاجندة الحزبية مما ادخل البلاد في أعمال عنف مسلحة وحصار للوزارات انتج لاحقا اعمال إرهابية دامية وحروب مدمّرة، وانقصم ظهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتسبب في فساد إداري ومالي غير مسبوق، في كارثة لن تمّحي آثارها قبل مرور عقود من الزمن.

المحنة الكبرى أن «سياسيي الصدفة» هؤلاء ما انفكّوا يتمسّكون بقوة بتجربتهم الفاشلة المدمّرة، فما يجرى الان في جولة الحوار في تونس ، يُظهر أنهم متشبثون بنظام المحاصصة بالأسنان والأظافر، وهذا ما ينذر بكارثة مضاعفة في الواقع! #يتبع 


  • 1

   نشر في 27 ديسمبر 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا