الحوكمة : طريق الى النجاح - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الحوكمة : طريق الى النجاح

معوقات و آفاق حوكمة الشركات

  نشر في 22 مارس 2015  وآخر تعديل بتاريخ 22 ماي 2016 .

   

يؤسس الشركات في الغالب رواد أعمال متميزون، يستخدم الواحد فيهم الظروف المحيطة لينشئ نواة فكرة ريادية، ثم يرعاها و يسقيها حتى تكبر وتثمر، وربما عاونه في ذلك بعض الأصدقاء و المقربين. معظم هؤلاء الرواد ينطلقون قريبا من الصفر ، ويعملون بجد و نشاط دون كلل أو ملل حتى تثمر البذرة شجرة يانعة قوية تعطي ظلالا وارفة، ومن ثم هو يعول على الأجيال القادمة لتستفيد منها و تطورها.

بعد غياب رواد الأعمال المؤسسين ، يبرز جيل جديد للقيادة يظهر في بعضه عزم الرواد والبعض الآخر قد لا يكون متحمسا ، او أنه لا يملك قدرات تؤهله للقيادة والإدارة، وحينها لا بد من نهج واضح يساعد على استكمال النمو والتطور، وإلا فإن رياح التنازع قد تهب و بذور الفشل لن تجد من ينحيها جانبا.

يعدد هذا المقال بعض بذورالفشل التي قد تظهر في الشركات وبخاصة في الشرق الأوسط بعد غياب الرواد ، ثم يناقش كيف تساعد آليات الحوكمة على رسم منهج يساعد على النجاح.

المكانة و المكان: يعتقد جميع أفراد الجيل االصاعد ان لهم حقا في تحديد مسار الشركة و تعيين الموظفين و رسم الخطط و استغلال الموارد بالنظر الى مكانتهم الإجتماعية ، وبغض النظر عن وظيفتهم في الشركة أو مسؤولياتهم و إلتزاماتهم ، و يظهر من ذلك تعدد الرؤوس لأن مشارب الناس شتى ، فتتضارب المصالح ، و تتعدد مسارات العمل. وحيثما تتشعب الوجهات ، تسود الأجندات الخفية حتى تضعف آليات الرقابة ، و يحاول كل فريق الإستئثار بالمعلومات الهامة ، بهدف استغلالها كأوراق للضغط ، و يتوقع الناس ستارا خلف كل ستار، وينعدم الحزم و العزم فتتعدد وجهات التشغيل حتى تتناقص الموارد ويصير السقوط قريبا.

الابتزاز اللذيذ : عند غياب فارس الحفل، ينسى الكثيرون أو يتناسون جهد الرواد و دأبهم ، فينظرون الى كعكة الشكولاتة المزينة في شغف، و يرغب كل منهم في التهام جزء منها كلما سنحت الفرصة ، و لأن المتنافسون كثرفلا بد أن يجد كل منهم طريقة التفافية يبتز بها الآخرين ليحصل على حصته ، تكتمل دائرة المصالح ، ويصبح الجميع أعضاء في دائرة ابتزاز لذيذ فإما آكل و إما مأكول ،ولكن بعلمهم و إرادتهم ، وتتشعب آليات المكاسب شخصية، وهم يطلبون مكافأة لخدماتهم ، ويلتفون حفاظا على مصالحهم ، وينشؤون ضغوطا متعددة على الإدارة و الشركة تعيق كل خطوة ، وتعرقل كل قرار، وفي قصة لطيفة كان أحدهم يبتز مديره بظهوره في سيارة قديمة ، كلما حان الوقت ، فيمتن عليه المدير بسيارة جديدة ، ويفرح كلاهما بألإبتزاز و المنة  ثم يبيعها و يعاود الكرة.

التمدد في الفراغ : عندما تقصر الوظائف الحقيقية عن تلبية طموحات المتنفذين و المتسلقين، يتم إنشاء مناصب جديدة لإرضاء غرور الرؤوس المختلفة ، ويرغب كل رئيس في إضافة أقسام و موظفين الى إدارته، حتى تنشأ البطالة المقنعة ، وتتضارب المهام فيما بينهم ، ويعلو النقاش و الجدال حتى يصدق فيهم قول القائل إني أسمع ضجيجا و لا أرى طحنا ، و يستعمل الموظفون آليات التخندق و التوازن ليكسبوا أرضا بالتوازن بين مراكز القوى المختلفة ما أمكن ، غير انهم قد يتحولون للتخندق في نقاط معينة ، مما ينجم عنه تشتتا في الطريق وتيها في العمل.

الحجّاب المتنفعون : في بعض الحضارات القديمة ينصب المنتفعون أنفسهم حجابا أمام الإمبراطور ، فلا يرى إلا بعيونهم ، ولا يسمع إلا بآذانهم ، فيحرمون من شاؤوا بزعمهم ، و يصبح للحجّاب حجّابا تقرب لهم القرابين ، وأتباعا يهتفون بأسمائهم ، ويستغل الحجاب نفوذهم ويطلبون الأتاوات وعندها ينتشر النفاق ، و يصير من السهل تقمص عدة وجوه، لإرضاء الأهواء المختلفة و تدعيم المواقف المتناقضة ، و يصير ركوب الموجات المتعددة عمل من لا عمل له ، فيزول الخير والصدق ويعم الشك والحقد.

سلسلة ألأغبياء  : يحرص الرواد دوما على تعيين كفاءات حقيقية صقلتهم الخبرة وغلفتهم الأمانة ، وهم يميزونهم بفراستهم القوية ، فإذا ذهب الفرسان ضاع الزمام ، وبدء تزايد عديمي الكفاءة الذين يتصارعون في حلبات الجهل، فيتدافع المتسلقون ، وتكثر الشهادات الوهمية، ويحتاج كل متسلق الى معاونيين منافقين يستطيع أن يتميز عليهم ، وهم يؤمّنون على ما يقول جهلا أو تكسبا،  وتتوالى السلسلة حتى يصير انفجار الأغبياء ضرورة حتمية ولو بعد حين ، و لهذا يلجأ المتسلقون للحصول على مكاسبهم بالسرعة القصوى خوفا من انهيار البناء ، أو تخلخل مراكز القوى ، فيتدافعون دون اهتمام أو مسؤولية وينسون أن الشجرة إما أن تنمو و تنضج ثمارها أو أن تؤكل و يفنى أساسها.

ويبرز المثال الأوضح لهذه السلبيات منفردة أو مجتمعة في الشركات العائلية ، وينسحب الحال نفسه على الشركات القبلية التي يكون جزء كبير من موظفيها من قبيلة واحدة أو منطقة جغرافية وحدهم رائد أعمال قد يكون من أعلى أفخاذ القبلية ، فإذا إنفرط العقد تحاول كل مجموعة الحفاظ على مصالحها بشتى الوسائل ، ومثلها الشركات الحكومية التي يحسب كل جزء منها على منظومة مختلفة تريد أن تحقق مكاسب متباينة عند غياب الإدارة الفاعلة.

و من أجل مساعدة الشركات على البقاء، بمواجهة  تعدد الوجهات وتضارب المصالح و تسلق المنتفعين، يبرزاليوم مفهوم الحوكمة كأساس متين ، يجعله الرواد ضمن بنائهم ، أو تفرضه الضرورة أو الحكومات لمنع انهيار الشركات بعد غياب روادها ، و تشكل الحوكمة منهجا واضحا يحكم العلاقة بين أصحاب المصالح المختلفة ، ويضبط إيقاعها و آلياتها للتأكد من أن الشركة تعمل على تحقيق أهدافها واستراتيجياتها طويلة الأمد ، و تجدد شبابها و نضارتها باستمرار.

تحاول الحوكمة إيجاد منهج واضح يحدد المسار و يقضي على السلبيات و التناقضات ويقلل مساحة المناورة ، عبر مجموعة من القواعد والنظم والإجراءات التي تحكم العلاقات بين الأطراف الأساسية في الشركة ، وتحقق أفضل حماية وتوازن بين مختلف أصحاب المصالح ، متضمنة أربعة مبادئ أساسية هي العدالة ومنح حق المساءلة والشفافية والمسؤولية ،  للتأكد من أن الشركة تعمل على تحقيق أهدافها و استراتيجياتها. وتحقق الحوكمة خطوات محددة منها :

العدالة : وهي أحد مبادئ الحوكمة الأربع ، إذ يخطئ من يصنع لنفسه كل يوم مقياسا ، ولكل شخص مقياسا ؛ حتى ينطبق عليه قول الله عز وجل " ويل للمطففين ، الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون ، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون" ، ذلك أن المقاييس الموحدة طمأنينة لجميع الموظفين والملاك ، و تعالج مشاكل الابتزاز والتخندق ، وتقلل من النفاق لكسب المصالح، وهي بالتالي تحقق توازن المكانة و المكان.

المساءلة  : لضمان تحديد الوجهة تضمن الحوكمة آليات مختلفة لمساءلة أصحاب القرار ، مما يخضع الإدارة لتحمل نتائج قراراتها ويطالبها بشرحها و تفصيلها ، حتى تنضبط ضمن دائرة المخاطر المقبولة ، وتقع ضمن اتجاهات متناسبة و دراسات علمية ترصد الفوائد المتحصلة من كل قرار بعيدا عن الهوى و المكابرة ، مما يقلل دائرة المناورة ويحد من إمكانية تبرير السلبيات.

ومع تواتر التجارب البشرية،  فإن الإدارة الواعية المسؤولة لا تحاول اختراع العجلة الدائرة، و إنما تتلمس تحسينها بخطوات مدروسة و متناسقة مع الخبرات البشرية الموثوقة ، حتى يستمر العزم وتكبر البذرة، بخلاف الرواد الذين يطلقون أفكارا جديدة، ويستطيعون قفز المنحنيات بثقة وتحمل.  وبالمساءلة يقل الحجّاب المنتفعون و تتقلص سلسلة الأغبياء قبل أن تلتف على الشركة و تلتهمها.

الشفافية و تبادل المعلومات: بالرغم من انتشار ظاهرة العولمة، والتصاعد الخوارزمي للمعلومات ، فإن البعض ما زال يرهن نفسه بادعاء أسرار العمل ، ويرى أنه عمود الخيمة الذي يستطيع إسقاطها ، بل وقد يعمد إلى إثارة الفوضى ، وفي قصة طريفة يقوم بائع أحذية في أحد المعارض بإعادة مناقلة الأحذية عند كل مساء بطريقة لا يفهمها أحد سواه، حتى إذا فتح المعرض أبوابه في الصباح كان أفضل الباعة في الدلالة عليها ليصير مرجع الآخرين ، حتى انكشفت حيلته وسقط القناع ، ويضمن مبدئ الشفافية إتاحة المعلومات ضمن هيكل صلاحيات واضحة يوازن بين المصالح والمسؤووليات ، ولا يترك مكانا لمن يتستر حول إنجازات وهمية أو يريد التمدد في الفراغ.

المسؤولية والأخلاقيات : تعرف أخلاقيات المهنة بأنها المعايير المثالية ، لتعيين الموظفين و تحميلهم مسؤولياتهم ،  وتضمن هذه المعايير القدرة على أداء ألأعمال والوفاء بالعقود والأمانة وعدم الغش ، مما يخفف من مخاطر الإخلال بالمصالح و يقضي على عدم الاستقرار و يتيح إقامة قاعدة هيكلية وتنمية البنية الأساسية ، وعندها يعرف كل موظف إمكاناته و يتبين مسؤولياته دون ازدراء أو تنطع ، و يقوم كل عامل بواجبه إذا قدر عليه أو يطلب مشورة الناصحين الأمناء ، وهو لا يعتبر ذلك منة ولا يطلب على صدقه ثوابا ، وبهذا تختفي ظاهرة الابتزاز اللذيذ و يتلاشى الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا.

ومع كل ماسبق فإن الحوكمة لا تعتبر حلا سحريا ، بالرغم من إمكاناتها في ضبط الإيقاع و تحقيق مكاسب جمة ، إذ إن نتائجها مرتبطة بمقاربتها للواقع الفعلي، وحسن التطبيق ، ودرجة الامتثال ، إذ لا نفع لمنهج مليء بالثغرات أو غير فعال، كما أنه لا نفع لمنهج عظيم ، لا يؤمن به أصحابه ، وقد قال عبد الله بن عمر(رضي الله عنه) كلمته الخالدة "تعلمنا الإيمان قبل القرآن" ، فما كان القرآن العظيم ليصنع المعجزة لو لم تتلقاه قلوب مؤمنة ، راضية مستعدة للتطبيق ، وحينما كانت الآيات تزيد المؤمنين إيمانا و عملا و توكلا ، كان البعض يزداد شكا وريبة وتيها.

 وفي عالم اليوم تقف التكنولوجيا محفزا مساعدا لتطبيق الحوكمة ،عبر توفير وسائل للترابط والتواصل والمقارنة وتبادل المعلومات مثل الشبكات السحابية، ثم هي تمزج الخبرات البشرية في البرامج التكاملية التي تصنع قوالب عمل ساهم في نحتها عاملون من شتى البلدان والوظائف ، ومن ثم هي تمرر النتائج بدقة وفعالية لبرامج الذكاء التحليلي التي تنتج تقارير متعددة ومنسقة، وعندما يتم استخدام برامج التدقيق والامتثال بشكل مناسب تتبين الفوارق بين النتائج والمتطلبات والقوانين والأسس .

و في الختام ، لا بد من الإشارة الى أن الحوكمة تعمل على توصيل النقاط ، وهي بالتالي تتداخل مع مجموعة إضافية من الضوابط الخارجية والداخلية التي تميز الشركات المعاصرة و تحكم  العلاقة بين ملكية الشركة وإدارتها ، وتضبط النفوذ الذي يتمتع به الكبار على حساب الصغار ، فالضوابط الخارجية تضمن تنفيذ  بعض القوانين والقواعد التي تحقق الصالح العام، و تقلل من التعارض بين العائد الاجتماعي والعائد الخاص ، فيما تحدد الضوابط الداخلية كيفية اتخاذ القرارات وتوزيع السلطات داخل الشركة ، فيما تضمن الحوكمة حسن ألإدارة وشفافية الأداء ، وهكذا فإن غياب أي من هذه المجموعات يزيد الضغط على الأخرى لمعالجة القصور، وتصحيح المسار.

ملاحظة : من باب نسبة الفضل إلى أهله فإن بعض التعريفات و المفاهيم في هذا المقال تعود الى أحد أصدقائي الأعزاء 




  • 4

  • محمد علي شعلان
    خير الناس يحفزهم الإيمان، بينما الآخرون يحفزهم المال او الحلم
   نشر في 22 مارس 2015  وآخر تعديل بتاريخ 22 ماي 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا