الإسلامُ قولٌ وعملٌ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الإسلامُ قولٌ وعملٌ

معالم في الطريق

  نشر في 04 أكتوبر 2020  وآخر تعديل بتاريخ 18 ديسمبر 2020 .

يقول سيد قطب : "نحن اليوم نعيش في الجاهلية، كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم. كل ما حولنا جاهلية، تصّورات النّاس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم"..

هذه الكلمات على قِدمها التي تجاوزت نصف قرنٍ من الزمن، إلا أنها لا زالت تعبر عن حال الأمة الإسلامية الذي تردى أكثر مما كانت عليه. اعتمدت على التشريعات الوضعية وتماهت مع النهج الغربي الذي يتعارض مع نهج الله. فالدين ليس حفظٌ في الصدور ونظرياتٌ تُردد في المنابر فحسب، بل هي عقيدةٌ تُطبق قولاً وعملاً.

وفي رحلتنا الإيمانية هذه نشق طريقنا بين رياحين "سيد قطب" نتلمس تلك المعاني من خلال فلسفته الفكرية التي أبدع فيها أيما إبداع. لم يكتفِ في كتابه "معالم في الطريق" أن الدين معتقدٌ لتأليه الله فحسب، بل اعتبره منظمٌ لتناسق الإنسان وتناغمه مع الكون وفق نواميس تُجانس طبيعته. فخالق الكون لم يرسل الرسل إلى الإنسان الذي خلقه فسواه تباعاً، إلاّ ليكلأه بحفظه ويصرف عنه مزالق الشيطان، الذي يسعى دائما وأبداً في تحريفه إلى نهج يخالف فطرته فيغدو في تخبط وتناقض نفسي.

إذ قال صاحب الظلال أحسن الله مثواه: "جاء الإسلام على يدِ محمد صلى الله عليه وسلم، كما جاء على أيدي الرسل الكرام قبله، جاء ليرد الناس كلهم إلى حاكمية الله كشأن الكون كله الذي يحتوي الناس، فيجب أن تكون السلطة التي تنظم حياتهم هي السلطة التي تنظم وجودهم، فلا يشذّوا هم أنفسهم في غير الجانب الإرادي من حياتهم. فالناس محكومون بقوانين فطرية من صنع الله".

هنا يأخذنا سيد قطب بإبداعيته الفكرية إلى بعدٍ أعمق. معتقداً أن بناء الإنسان الرباني الذي يأتمر بأمر الله، هو الأصلح لقيادة البشرية وإعمار ديارها كما أخبر الله في محكم آياته: {إني جاعلٌ في الأرض خليفة}. وما كان ذلك الترسيخ الذي أخذ في بناءه تلك الفترة الطويلة التي امتدت ثلاثة عشرة عام في الرسالة المكية، إلاَّ ليزيل شوائب الزمن، الذي علق به ما ينافي لطبيعته ويخالف نواميس الكون الذي خلقها الله في تناغمٍ عجيب، ويكون جاهزٌ لِتقبُّل أوامره ونواهيه دونما تردد، ولا اعتراض.

وثمة أمرٍ آخر في امتداد الرسالة المكية، هو حِرسُ سيدنا محمد بأن تكون رسالته سلمية والابتعاد عن الاقتتال الذي قد يمتد في البيوت، ويغدو الأمر اقتتالا في كل مكان، وخصوصا أن قريش كانت تردد بين أوساط الحجاج والتجار :" أن محمد يفرق بين الولد ووالده، فوق تفريقه لقومه وعشيرته، فكيف لو كان ذلك يأمر الولد يقتل والده، ويأمر المولى بقتل الولي ... في كل بيت وفي كل محلة".

ولا سيما أن أهل قريش كسائر القبائل من حولها كانوا أهل نخوة وإباء ولا ينسون الثأر مهما تقادم، ولو بدأت بعثته بالقوة والإثارة وكان باستطاعته أن يعتمد على صناديد قومه الذين تهابهم جل قبائل قريش، مثل حمزة وعمر وعلي وغيره من الصحابة، الذين اعتنقوا الاسلام في صدره، لمَ انتهت الحروب بل لالتصق الإرهاب والشدة به، ولقِيل عنه أنه دين قتل وسفك دماء.

ومن أهم ما ذكر صاحب الظلال تلك الشوائب التي علقت من فلسفات تم حشوها أخرجت الرسالة المحمدية عن صياغها الأصلي لغاية فئوية، جعلت الأجيال اللاحقة تغرد في غير سربها، وأصبحت الأمة واهنة وبدأت تضعف وتفقد سيادتها عبر الزمن، إلى أن وصل بها الحال إلى أمة متفككة متناحرة غدت تحت سيطرة عدو الله. وهنا كانت الحاجة في التنقيب عن تلك الكنوز التي جعلت عدد ضخم من الصحابة يقودون الأمم وينشرون مهابتهم في قلوب أعدائهم. ولم تكن المهابة تلك إلاّ مددٌ من الله حيث يجعل السكينة في نفوس المؤمنين، ويجعل المهابة في قلوب أعداء الله حماية لعباده. كلُ ما في الكون يخضع لأمرته سبحانه وتعالى، وكلُ شيء في هذه الدنيا يسبحُ بحمده آناء الليل والنهار، ولا يُدركُ ذلك إلا هو، إذ قال جل في علاه :{إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون}.

وقد تعمق صاحب الظلال في التركيبة الإنسانية التي ميز بها هذا الدين، المجتمع المسلم عن غيره من المجتمعات على مر العصور، سواء كانت حضارات ضاربة في عمق التاريخ، أو حضارات معاصرة تحاول أن تكون البديل، مناهضة للإسلام منذ بزوغ فجره. وقد أظهر تفاصيل تميزت بها العقيدة الإسلامية التي آخت بين المجتمع رافضة للتفرقة العرقية، خلاف ما ظهر عليه في المجتمعات والحضارات الأخرى جلياً، وبشكل مقززٍ ومؤسس للأحقاد الطبقية التي كانت شرارة للنزاعات بين الأمم.

والجدير بالذكر أن سيد قطب إعتمد في كتابه "معالم في الطريق" على بعض من نظريات ومقتطفات شيخ الإسلام بن تيمية طيب الله ثراه. فقد قسّم ابن تيمية الناس إلى ثلاث فئات، وهم المسلمون، والمنافقون، وأهل الذمة.

وأهل الذمة أو صى الله بحسن معاملتهم ولكن فرض عليهم الجزية، وأما المنافقون فكان يعاملهم بما يظهر من سلوكهم، وترك أمر سرائرهم لله سبحانه وتعالى.

وهذا يقودنا إلى أمرٍ هامٍ، وهو عدم مساواة من دخل الإسلام في فترة الرسالة المكية أو في فترة الرسالة المدنية من تلقاء نفسه مع من دخل في الإسلام بعد فتح مكة، فهما شتان، فالطلقاء لم يعايشوا المراحل التي مر عليها الأولون.

وقد أوصى الفاروق رضي الله عنه بالخلافة لستة من الصحابة الذين اعتنقوا الإسلام وكان لهم السبق بقلوب راضية مطمئنة، شورى بينهم في الاختيار، وتغاضى عمن جاء بعد فتح مكة، ولم يسمي أحدا منهم. وهذا الذي ميز وعضد عهد رسول الله وخلفاءه الراشدين من بعده. لم يكن الحكم محصوراً في فئة، أو كما يسمى حاليا بالحكم الارستقراطي. وأن الخليفة، كان خليفة لله في تطبيق شرائعه وأوامره متجردا من ذاته، حارساً على محارمه.

وقد اختلف الأمر من بعد ذلك بظهور عهد التسلط الفردي وهو ما عُرف بالحكم العضوض، والذي بدأ معه الإنحراف التدريجي عن أسس ومباديء الرسالة المحمدية، ولا سيما الخلافة التي تحولت إلى اسم لا يمت للفعل، مجردة من معناها الأصلي. فغدت الحاكمية للبشر فارغةٌ من محتواها التشريعي القويم. متغوّلة على مباديء الشورى، التي مدح الله بها المسلمين، إذ قال :{وأمرهم شورى بينهم}.

ويرى صاحب الظلال وجوب العودة إلى النبع الأصلي الذي استمد منه ذلك الجمع في بداية الإسلام، النبع الذي شكل صدر الإسلام وميزه عما جاء من بعده. ولن يتأت ذلك حسب اعتقاده إلا بتحرير الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، بشقيه عبادة البشر وعبادة أهواء النفس، ويغدو الدين لله وحده، ويغدو الإنسان عابداً له متجرداً من ذاته، متناغما مع قوله سبحانه :{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}.

وهنا جاءت الحاجة إلى الجهاد الذي أوجزه باسلوب منطقي يعكس حقيقة فتوحات النبوة المحمدية التي كان في باطنها الرحمة وظاهرها القوة، نزولاً عند قول الله تعالى :{ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل تُرهبون به عدو الله وعدوكم}. ولم يجهاد سيد الأنام لإرغام الناس على إعتناق الدين مطلقا، وإلاَّ خالف قول الله سبحانه {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي}، بل كان جهاده لتحرير الناس من استبداد الطغاة وتكسير أغلالهم، وخلق مساحة من حرية الخيار لهم. ونلمس ذلك في فتوحاته التي لم يتجاوز عدد قتلاها أكثر من أربعمائة نفس طيلة عشرين عاما من بعثته، خلاف الحروب العالمية الأولى والثانية التي تجاوزت الخمسين مليون نسمة في أقل زمن، أهلكت الحرث والنسل، ولم تفرق بين جندي ورضيع، ولا بين حاكم ونساء، إباده جماعية وحشية، أظهرت وجه الكفر القبيح.

هذا كل ما جادت به قريحتنا هذه المرة، وللحديث بقية فانتظروني في المقالة القادمة، لنغوص أكثر فأكثر في بحور إبداعات صاحب الظلال.



   نشر في 04 أكتوبر 2020  وآخر تعديل بتاريخ 18 ديسمبر 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا