التفسير المذهبي للقرآن الكريم - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

التفسير المذهبي للقرآن الكريم

الزمخشري نموذجا من خلال كتابه الكشاف

  نشر في 16 فبراير 2018 .

لا يكاد يخفى على أحد من الباحثين في مجال العلوم الشرعية الأهمية البالغة لعلم التفسير، بكل أنواعه ومناهجه واتجاهاته التي تنوعت عصرا بعد عصر متماشية مع تطور العلوم المختلفة، ذلك التطور الذي كان له انعكاسه –إيجابا وسلبا- على التفسير، فهو علم جليل لأن كلام الله موضوعه، وتفسيره والكشف عن مراده غرضه وهدفه ، كما أنه علم شامل وإن كان أنه ينطلق من القرآن الكريم بالأساس إلا أنه يستند إلى علوم شتى تتظافر جميعها لتحقيق الغاية الأساس وهي الإبانة والكشف عن معاني الذكر الحكيم.

إن علم التفسير لم يكن بمعزل عن التطورات التي شهدها المجتمع الإسلامي، والتي تمخض عنها نشأة الفرق والمذاهب الكلامية حيث اصطبغ بصبغتها وجاء معبرا عن تلك المرحلة الحرجة من التاريخ الإسلامي بكل الصراعات والخلافات المذهبية والسياسية التي شهدتها والتي كان لها تأثير بالغ على الفكر الإسلامي عموما وعلى علم التفسير خصوصا.

وتعد فرقة المعتزلة أحد أهم الفرق الكلامية التي أثرت الثقافة الإسلامية – رغم كل المؤاخذات عليها- فإلى جانب اهتمامهم بالقضايا العقدية والحجاج عنها بالأدلة العقلية كانت لهم بصمات واضحة في علم التفسير، ويتجلى هذا في تفسير "الكشاف" لصاحبه "جار الله الزمخشري" الذي يعد بحق خير ممثل للاتجاه الكلامي في التفسير أو ما يعرف كذلك بالتفسير المذهبي.

ونستطيع من خلال قراءتنا للكشاف أن نلحظ بوضوح النزعة الكلامية المذهبية لدى جار الله الزمخشري الذي خدم مذهبه الاعتزالي بحق في تفسيره للقرآن الكريم مستخدما مقدرته الفائقة في التأويل وكذا اعتماده مختلف الأساليب اللغوية تحقيقا لهدفه الأساس شأنه شأن هدف كل مفسر يقدم على تفسير القرآن بخلفية مذهبية كلامية إذ يصعب عليه التخلص من خلفيته أو الخروج من عباءة مذهبه.

فنجد الزمخشري في تفسيره الكشاف يولي الاهتمام البالغ بالمسائل الاعتقادية التي تصب في خانة الأصول الخمسة للمعتزلة فيضعها في المقام الأول ويعمد إلى الآيات ويأتي بالحجج المبرهنة على صحة معتقده تارة من اللغة وقواعدها، وتارة من الأدلة النقلية وتارة أخرى من الأدلة العقلية ويستفرغ وسعه في التأويل حد التعسف والتكلف ليتماشى تفسيره مع هواه الإعتزالي وهذا ما جعل تفسيره الكشاف ذا طابع كلامي بامتياز إذ لم تغب لمحة الإعتزال في عرضه لتفسيراته على طول الآيات الكريمة.

فيظهر الزمخشري في تفسيره كذلك المقاتل أو المجاهد الذي يجاهد بكل ما أوتي من قوة لنصرة عقيدته وإثبات دعائمها من جهة وإلى إفحام و إبطال دعاوي معارضيه و مناوئيه من جهة أخرى ، ويمكن القول أنه يسلك في ذلك منهجا حجاجيا حتى في طريقة عرضه الدلائل ومناقشتها على شكل مناظرة مفترضة (إن قلتَ...قلتُ).

وهذا الأسلوب ذكي جدا لما فيه من التشويق و لفت وجذب الانتباه باستقراء الأدلة و اعتماد الحجاج للوصول إلى النتيجة التي يروم إثباتها وتأكيدها نهاية بعدما يكون قد فند حجج خصومه الذين لا يتورع عن نعثهم بألفاظ من قبيل المبطلة، المشبهة، المجسمة...

وهؤلاء الخصوم ليسوا في الواقع إلا أهل السنة والجماعة لأنهم يخالفون بشكل صريح أصول المعتزلة وينالون منهم كلما سنحت لهم فرصة ذلك.

ويمكننا تلخيص أهم ملامح منهج الزمخشري في تفسيره "الكشاف" في :

1- تسخير اللغة وعلومها والاسراف في التذرع بالنحو والصرف والبلاغة خدمة لمذهبه ومعتقده الاعتزالي.

2- تغيير التأويل اللغوي تبعا للمعنى العقائدي الذي يروم تأكيده

3- التلاعب بالمحكم والمتشابه، إذ يلجأ كثيرا إلى حمل الأول على الثاني والعكس حسب ما يمليه عليه توجهه الاعتزالي .

4- التعصب الشديد لمذهبه والانتصار له والسعي إلى تفنيد حجج خصومه

5- المسائل الاعتقادية عند الزمخشري في المقام الأول وما يسوقه من أدلة وحجج من اللغة يسعى من خلالها إلى البرهنة على صحتها وهنا يظهر التعسف والتكلف المكروهين.

6- إخضاعه القرآن لآرائه ومعتقداته في حين أنه حري به جعل الآراء مسايرة للقرآن لا العكس

7- تأثير عقيدته كمعتزلي وطغيانها على شخصيته كمفسر

أخيرا لا يمكن إنكار قيمة الزمخشري -بعيدا عن مذهبه- كعالم وعلم من العلماء والأعلام الذين يشار إليهم بالبنان في علوم اللغة بشكل عام وفي البلاغة والنحو بشكل خاص.

كما أنه قد عمل طوال حياته على خدمة القرآن الكريم واللغة العربية وأثرى المكتبة الإسلامية بمؤلفاته ومصنفاته القيمة في شتى المجالات العلمية والأدبية ويعد كتابه "الكشاف" أحد أشهر هذه المصنفات الغنية والتي تفتح شهية القارئ والباحث على حد سواء إلى تناول ما جاء فيه بالتحليل والمناقشة والبحث... ولعل الطابع الاعتزالي الذي طبعه هو ما منحه كل هذه الشهرة والمكانة إضافة إلى ما جاء فيه من نواحي بلاغية ونحوية وإبرازه للإعجاز اللغوي وبراعة نظم القرآن وهذا ما يحسب له ويجعل الباحث المنصف يغض الطرف عن ما فيه من جوانب غير مقبولة فيما يخص الأمور المذهبية العقدية.


  • 2

  • الشيماء سعدون
    باحثة في المركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية خريجة ماستر علوم التربية والدراسات الإسلامية بالمدرسة العليا للأساتذة بتطوان
   نشر في 16 فبراير 2018 .

التعليقات

شكرا لك الأخت الشيماء سعدون ،مقالة ثرية جدا عرفتي بعلم من أعلام امتنا "جار الله الزمخشري" وشوقتني لإكتشاف كتابه الكشاف ولأن اقرا اكثر عن فرقة المعتزلة .
1

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا