رب ضارة نافعة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

رب ضارة نافعة

في هذه المسرحية أحداث تتكرر و وجوه تتشابه

  نشر في 14 يوليوز 2018  وآخر تعديل بتاريخ 17 يوليوز 2018 .


عندما تقرأ  مقالي قد تحس أنك الراوي في مشهد ما أو ربما في كل المشاهد ، فاليوميات تتشابه ،و الأحداث تتكرر ، بدون زمان أو مكان محدد ،مسرحية أتعبت المشاهدين.


المشهد الأول

جاوزت الساعة منتصف الليل لما دخلت العمة الغرفة بهدوء ،دنت لقريبتها  مبتسمة وهي تراها منشغلة بهاتفها .

_لم تنامي بعد لوجي ؟

_كنت انتظر هديتي .

فتحت العمة الكيس الكبير و أخرجت موادا تجميلية كثيرة و بعض العطور .

_هذا كل ما طلبت .

_أشكرك جدا عمتي ،هذا أكثر مما طلبت .

_فعلا ما يكفي لإعادة دهان البيت، ألن ننام الليلة ؟ضحكتا بصوت منخفض لا أحد يريد إحداث ضوضاء في هذا الوقت المتأخر.

الهدوء الذي يخيم على المكان يوحي بأن الليلة ستكون هادئة .

تفاجأنا جدا  من رنين الهاتف ، أجابت شقيقتي و أخبرتني بأن إبنة الجارة مريضة جدا،تسارعت الخطى نحو المنزل المجاور و القلوب ترجو خيرا. 

يا نائم الليل مسرورا بأوله 📚📚 إن الحوادث قد يأتين أسحارا

المشهد الثاني

لما لمحتها ممددة على السرير لاحظت أنها جالت بنظرها لتعرف من القادم.

أخبرتنا الوالدة المرعوبة بأن ابنتها تحس بثقل في قدميها و بأنها تعاني من ألم شديد بالبطن،و مع غياب الزوج عن المنزل لم تعرف كيف تتصرف أبدا،ربت على كتفها و طمأنتها :ستكون بخير .

في بعض المواقف يحتار الإنسان بين المحافظة على هدوئه لتقديره بأن الأمر غير خطير فنقص الخبرة لا يمكنه من الجزم بصحة فرضيته وبين الخوف من اتخاذ قرار سيئ فسلامة الانسان  أمر مهم ،يبقى خير قرار هو التوجه إلى المختص حتى يحكم بنفسه و يعالج أو ينصح.

  جلست أختي إلى جانب الطفلة ومسحت برفق على جبهتها و سألتها عن موضع الألم ، ضغطت برفق عليه ثم قالت لها:

لا تخافي هدى أنت بخير.

_لا أستطيع تحريك قدمي.

مضى وقت طويل و هي تحاول تهدئتها ولكن الطفلة لم تهدأ و زاد قلق الوالدة .

_لننقلها إلى المستشفى كي نطمئن عليها. كنت متوترة جدا  رغم محاولتي لتمالك نفسي.

_لكنها بخير أختي لا تخافي  سأرافقها لتغسل وجهها.

_بل سأرافقها أنا ، أليس كذلك هدى فأنا صديقتك.

لم تكن الطفلة بخير أبدا  ، نظرتها إلينا و نحن نقترب منها ، محاولتها لتمالك نفسها ثم انهيارها من جديد ، مراقبتها لرد فعل والدتها ،ادعاؤها للألم الشديد .

في موقف مشابه ،هل  ستنتبه إلى تفاصيل صغيرة ؟

،هل مررت بهذا سابقا ؟هل تعاني الصغيرة  نوبة هلع؟ 

أو ربما تحاول إثارة الانتباه .

يا إلهي ماذا لو كانت مريضة جدا .

ما يجعل طفلة في العاشرة من عمرها تمر بهذه الحالة ؟

 ما أقسى قلوبا تدمر نفوسا بريئة ! 

 جلست في محاولة أخيرة قبل نقلها للمستشفى،أمسكت رأسها بين يدي بقوة، حاولت أن أوقظها من حلمها المرعب.

_ اسمعيني جيدا ،سأرافقك إلى الطبيب و سيخبرك بنفسه بأنك بخير .

_لكنني أتألم.

_رأسك المسكين من يتألم صغيرتي ، لقد أزعجتك والدتك بالتأكيد ،ربما انفعلت عن غير قصد ، تستطيعين البكاء ،أنت طفلة صغيرة ،صغيرة جدا ، و والدتك تحبك جدا، جدا صدقيني.

بكت أخيرا ، بكينا كلنا ، لم نكن نجهل ما مرت به هذه الأسرة الصغيرة من مشاكل كبيرة، ما يخفيه هذا القلب من أحزان؟ ما تحملته هدى من ضغوطات يومية آذاها جدا ، وتلك الأم المسكينة هل يشعر أحدهم بألمها ؟ هدأت،نامت بين يدي ، كانت تتحاشى النظر إلى عيني، و كأنها أحست بعمق نظرتي ،برغبتي في سبر أغوار عقلها ، وكأنني أردت اجتثاث كل ذكرى سيئة تركتها نفس شريرة في أفكارها . حدثتها بصوت داخلي أردته أن يتسرب إلى  روحها الطاهرة.

_هدى ،هدى ...نمت ، لا أعرف كيف أساعدك ولكن سأحاول بذل جهدي ،أنا في المنزل المجاور ،أخت وصديقة .

تخيلت كم تعاني هذه الأم لرؤية فلذة كبدها تنهار أمامها.

 وعدتني  بأنها سترافقها لعيادة نفسية قريبا جدا، ستجدنا معها بكل تأكيد،نشد على يدها . أذن الفجر ودعوت الله أن يشفيها .تساءلت في قرارة نفسي ، هل سيحس من تسبب بهذه المعاناة للأسرة الصغيرة بحجم ظلمه ؟ 

المشهد الثالث

نظرت إلى لجين و هي نائمة بجوار كيسها العزيز، محظوظ جدا خطيبها فقد حصل على جوهرة نادرة ،متأكدة من أنه يعلم ذلك تماما ، أمضت المساء و هي ترسم لوحات على وجوهنا ، ما أسعدها الآن بكل تلك الألوان ،لكن  هل هي سعيدة حقا ؟مازلت غير واثقة من تخطيها لما مرت به في حياتها ،همست :أنا بجانبك دائما صغيرتي،لا تعتقدي بأنني لا أشعر بمدى تعبك وأنت تحاولين تخطي العقبات ،عقبات كانت أكبر من سنك ،عقبات تركت بصمتها على تلك الإبتسامة العابسة ، آه لو تعلمين صغيرتي بأنك قطعة من قلبي.هل كنت لأشعر بحزنك لو عشت حياة مختلفة ؟ أشك .

في مشهد مختلف

 فتحت الستارة على جلسة شاي، متعب جدا أن تقرأ أفكار الآخرين ، متعب أن تتوقع ردات الأفعال و أن تتأكد توقعاتك في كل مرة .

_سأزورك قريبا أكدت لصديقتها التي تعرفت عليها منذ شهور .

للأسف تسرعت بالحكم عليها فبساطتها لا توحي بالكثير ، الآن تحاول تدارك موقفها فالمصالح و المراكز تغير المعاملات كثيرا .

_يا بنتي اقعدي ، ماشي هاربة هيا .

أعادني الصوت من شرودي، لم أكن أستطيع أن أقول هذه الجملة أبدا ،ابتسمت ،لم أكن الوحيدة التي انتبهت بأنها تحاول يائسة تحسين صورتها ، هل تحس صديقتنا ذات إحساسنا ، ربما فالوجوه تتشابه كثيرا.

 مازال الستار مرفوعا !

كم من مواقف تعرضت إليها وكادت تحطم معنوياتك لتجد أنها درس إستفدت منه و أنقذك في مواقف أخرى؟

كم من وجوه أتعبتك و لكنها تشابهت مع وجوه أخرى جعلتك لا تنخدع بالابتسامات و لا تتسرع بالحكم على الآخرين؟ 

هل استطاع أحدكم أن يحس بمعاناة شخص آخر لأنه مر  بذات التجربة؟

هل تحاول إخفاء وجهك كي لا ترى بقية مشاهد المسرحية ، المصالح و النفاق و الأنانية ، هل تتأنى في الحكم  على ظواهر الأمور  و تميز بين الوجوه ؟


 قل معي "رب ضارة نافعة ".








  • 15

   نشر في 14 يوليوز 2018  وآخر تعديل بتاريخ 17 يوليوز 2018 .

التعليقات

hiyam damra منذ 2 شهر
تمتلكين قدرة هائلة على سبر النفس الداخلية لشخصيات قصصك وهذه صفة تميز واضح في أسلوبك السردي، فألواضح أنك من أهل الفكر الواعي والمتمكن، فالسرد الناجح هو ذلك الذي يمنحك التأثير والتعاطف مع القضية وشخوصها وأنت تطالع القصة، وقد نجحت بهذه الخاصية الابداعية في القص.. دام الابداع
2
Salsabil Djaou
أرجو أن أكون عند حسن الظن أستاذتنا ، أسعدتني بقراءتك لمقالاتي و بكلماتك الطيبة و لا أجد ما أقول ،بارك الله فيك ،أقدر جدا تشجيعك لي ، كل التقدير و الاحترام سيدتي الفاضلة.
آيــة سمير منذ 3 شهر
هذا بالضبط ما يكتب من القلب يصل إلى القلب، أثرتي مشاعرنا
2
Salsabil Djaou
و ذلك من طيب قلبك اختي آية ، سررت بتعليقك الجميل كاتبتنا الرقيقة ، بانتظار كتاباتك ،تحياتي و تقديري .
Samah abd el kader منذ 3 شهر
كم من مواقف تعرضت لها وكادت تحطم من معنوياتك لتجد انها درس إستفدت منه ، وكم من وجوه أتعبتك ولكنها تشابهت مع وجوه آخرى جعلتك لاتنخدع بالإبتسامات ولا تتسرع بالحكم على الآخرين ... بالفعل وذلك مايحدث حولنا وفى حياتنا اليومية مقال رائع وصادق سلسبيل تعجبنى دائما قصصك المميزة وإستخراجك العبرة والحكمة منها ... دام قلمك المبدع ، بالتوفيق
2
Salsabil Djaou
تشرفت بقراءتك لمقالي اختي سماح ، اشكرك على تعليقك الطيب ،بانتظار كتاباتك القادمة ،تحياتي وتقديري.
أقباس فخري منذ 4 شهر
مشاهد حلوة .. تعجبني قصصك المستقاة من الحياة اليومية. كتاباتك بديعة وجذابة.
3
Salsabil Djaou
هي الحياة اليومية و المشاهد التي تتكرر حولنا من يكتبنا ، أشكرك جدا على مرورك الكريم وتشجعيك تشرفت بقراءتك لمقالي المتواضع ، بانتظار كتاباتك القادمة استاذنا القدير.
عمرو منذ 4 شهر
لن أبالغ إذا قلت أن الجميع تنطبق عليه هذه المشاهد. جميعنا نبكي في الخفاء ,نخفي سراً لا يعلمه إلا الله ,نحاول التماسك ,نحاول أن نشد من أزر الآخرين رغم أننا نحتاج لمن يشد من أزرنا. الجميع مُتعَب لذلك ينبغي أن نلتمس الأعذار لبعضنا البعض فالقلوب تتألم ولا تتكلم.
كلمات صادقة لمستني وأظن أنها لمست الجميع.
أبدعتِ كالعادة. بالتوفيق وفي إنتظار كتاباتك القادمة.
3
Salsabil Djaou
فعلا المشاهد تنطبق على الجميع و لكن قليلون من يلتمسون الأعذار للآخرين ، مجتمعاتنا بحاجة إلى بعض الإنسانية ، سعيدة لأن مقالي لاقى استحسانك أخي عمرو ، بانتظار مقالاتك ايضا ، وفقك الله و أسعدك ،تحياتي و تقديري.
قصة رائعة تضمنت الكثير من الأفكار ، سردك جدا جميل ، وتنقلك بين الأحداث ، رائعة تلك القصص أو المسرحيات التي تحمل في مضمونها رسالة ، بل صحيح القول رسالة هادفة ، الخاتمة كانت رائعة فعلاً ، استمري يا سلسبيل أتمنى لك كل خير ، بالتوفيق .
3
Salsabil Djaou
صباح مشرق بنور كلماتك صديقتي يسرى، صباح الورد ، سعيدةجدا بكلماتك الجميلة المشجعة ،أشكرك على مرورك العطر ،أنا بانتظار كتاباتك القادمة ، تقديري و مودتي .
تجول قلمك بين المشاهد في سلاسة..حروفك مقنعة،قلمك متمكن،يعجبني الحوار على لسان أبطالك..تصوغينه دائما في بساطة تشد القارئ،أسلوبك القصصي أطل علينا في كل المشاهد.. المشهد الثاني شدني كثيرا،فيه من الإبداع والجمال الكثير..أنظري معي إلى روعة التعبير هنا:نامت بين يدي ، كانت تتحاشى النظر إلى عيني، و كأنها أحست بعمق نظرتي ،برغبتي في سبر أغوار عقلها ، وكأنني أردت اجتثاث كل ذكرى سيئة تركتها نفس شريرة في أفكارها.تساؤلاتك في المشهد الأخير عميقة تجسدت في وضوح وجمال..وكانت لي شخصيا وقفة ومسك ختام.
جميلة وأنت تنتقلين بين الأسلوب المسرحي والقصصي..دائما وأبدا سأحب القراءة لك،فأنا من المعجبين بقلمك و...بحكمتك،دمت في حب غاليتي
3
Salsabil Djaou
صباح المودة و الكلام الطيب صديقتي الغالية فوزية، أشكرك جدا على تعليقك الإيجابي وعلى مرورك الرائع ،كيف سأرد على كلماتك الجميلة المشجعة، نرى حياتنا وقد صارت مسرحية غير أدبية أبدا ... تكتبنا ، سعادتي بك كاتبتي الرائعة لا توصف،بانتظار مقالاتك القادمة بشوق،تحياتي و تقديري و مودتي .
هل استطاع أحدكم أن يحس بمعاناة شخص آخر لأنه مر بذات التجربة؟ بالتأكيد ... فلا يعرف طعم الألم الا من تألم ... ولا يعرف قدر معاناة الأخرين الا من عانى ومازال يعانى هو الآخر... ( و هنا .يمكنني القول وتكرار .. "رب ضارة نافعة "... فالتعلم يأتي بعد الخطا ... والحكم الصحيح على الاشياء و الأشخاص الا بعد الخطأ والتسرع في الاحكام ..و يأتي النفع بعد ضر .. واليسر ... بعد عسر ..وهكذا .
لكى اسلوبك المميز و الجميل في كتاباتك سلسبيل





3
Salsabil Djaou
أشكرك أستاذ ابراهيم على كلماتك الطيبة و دعمك لي وللكتاب على المنصة ، فعلا تعود التجارب السلبية بالنفع على صاحبها العاقل طبعا ،" لا يعرف طعم الألم الا من تألم "أصبت ، تحياتي وتقديري سيدي الكريم.
Ramii Alkhawaldeh منذ 4 شهر
رُبَّ ضارّة نافعة.
3
Salsabil Djaou
هههه،حسنا كنت أرجو أن تترك رأيك ، وأنا أيضا أكررها مرارا ،"رب ضارة نافعة" ، تشرفت بقراءتك لمقالي أخي المتميز رامي،تحياتي وتقديري.
Ramii Alkhawaldeh
هل تحاول إخفاء وجهك كي لا ترى بقية مشاهد المسرحية >>>> نعم هذا صحيح ..تذكرت هذا القتباس من كتاب الإنسان المهدور : " لا يستطيع الإنسان المهدور تحمل هدره، وهو لذلك ينشطر ذاتيًا، يُقمَع، أو حتى يكبت ما لا يمكنه مواجهته من ذعر خواء الكيان وانعدامه،وفشل مشروع الوجود وخيباته، ويتخذ له قناعًا اجتماعيًا يتستر به على ذاته امام الآخرين.ويصل به الأمر إلى التستر على ذاته امام ذاته، في نوع من التجنب والهروب الذي يبلغ مستوى الكبت في درجاته الشديدة...."
Salsabil Djaou
"الانسان المهدور"، فقرة رائعة حقا ، كم من مهدور في عالمنا العربي؟ الكثيرون جدا ، أشكرك على تعقيبك تعرفت إلى كتاب، أفدتنا ،أشكرك على مرورك العطر ،بانتظار مقالاتك القادمة أخي الكريم.

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا