اللغة العربية، حب من طرف واحد! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

اللغة العربية، حب من طرف واحد!

لغتنا التي لا تخدمنا، كيف؟

  نشر في 01 فبراير 2019  وآخر تعديل بتاريخ 04 فبراير 2019 .

نشأتُ في أسرة تحب العربية وفي بيئة تحب العربية، ووسط معلمات فاضلات كان لهنّ الفضل في ذلك أيضاً. بالرغم من أنني لست متمكنة من اللغة بشكل احترافي عميق، إلا أنني أبذل مافي وسعي لتبقى العربية في دمي، لدرجة أن بعض الزميلات يشتكين لي من كثرة إقحامي للفصحى أثناء الكلام، والسبب الحقيقي في ذلك أن المعنى الفصيح يتراود إلى ذهني قبل المعنى الدارج بالعامية ولأخفف من التوقف والفوضى داخل رأسي، تنساب المفردات من بين شقوق دماغي لأشعر بالارتياح التدريجي لأن المعنى حينها يصبح كالعجينة بين يدي، أُشكّله كيفما أشاء.

وكأن للمعاني أرواح تشعر بالاسم وتتحسس ذلك الرابط العجيب أو بالأحرى الألفة الخفية بين الإسم والمسمى من جهة وبين الشعور المنبثق من جهة أخرى . تحت هذا الرابط العجيب تبنى العادات في الأكل واللباس واللهو والاجتماع  وتتخذ الأماكن أسماء وعناوين، لتمسح اللغة على كل شيء وتصبغه بفرادتها ونمطها الخاص، حتى تصوُّرنا للأشياء وفهمنا لها وشعورنا المنبثق عن هذا التصوّر ( قبح، جمال، مرح، سخرية.. الخ) مرهون باللغة التي نعرّف بها هذه الأشياء من البداية.

المكدنة(ماكدونالدز) -كماسمّاها أحدهم - نمط حياة والبرغرة (برغر) نمط حياة، البناطيل الممزقة نمط حياة والحجاب التجاري الاستهلاكي نمط حياة، القاسم المشترك بين كل ذلك هو أنها لا تشبهنا، ليست نحن، هي تسهيلات من شأنها فتح الباب أكثر نحو التطبع بعادات الغالب وتشرّب ثقافته وبالتالي رؤية الكون من منظاره هو، هذا مايفعله تراجع حضور اللغة في الحياة.

اللغة نمط حياة بشكل عام والعربية نمط حياة من نوع خاص لارتباطها بالدين بالدرجة الأولى، دون العربية يصبح الدين مجموعة من النسك والطقوس والروحانيات الخفيفة، مفرغاً من معناه وزخَمِه، بل تصبح الإجابة عن سؤال الوجود والغاية أصعب وتستغرق زمناً وتستهلك صبراً لا أضمن وجوده في زمن التنقل السريع والاقتناص العابر للمعلومة الهادم للعلم. بانسلاخ اللغة من الحياة يتبقى لنا فتات تراث هنا وهناك نتوّهم أنه يشبهنا، لكنه في الحقيقة صك براءة من الخصوصية و جمال التفرد و بطاقة عبور نحو اللاحواجز، نحو انعدام المميزات، نحو الاختلاف البارد الأجوف الذي تصفر فيه ريح العولمة خاوياً.

بالأمس أجلس مستمعة لإحدى الطالبات وهي تحفظ الدرس وتقول " رأيت عدداً كبير ٍمن السكان.." التفت إليها وكأن الكلمات لآلئ في عقد، ما إن تشوه اللفظ حتى سقطت لؤلؤة معلنة حالة من الاستنفار السمعي، قلت لها : أي اللفظين يأتي منساباً متناغماً مغ أذنك " رأيت عدداً كبيرٍ ، أم عدداً كبيراً؟" ، فكانت إجابتها بأن الجملة الأولى هي الأصح لفظاً، أُحبطت وشعرتُ بكم الحرمان اللغوي الذي يعيشه كثير من أبناءنا، ماذا تعلم هذه الطالبة عن العربية، الإجابة لاشيء للأسف، فلا الحياة تحتضن العربية، ولا الجامعات تحتويها، أين ترى تجليات العربية؟

أسمع همسات تأتي من بعيد : وهل تريدين منا أن نتكلم العربية في الحياة العملية( وجه ساخر)؟

ليس المهم إن كنت أريد ذلك أم لا، الأهم هو أين ستتكلم العربية وكيف ولماذا؟

هل ستراها في الوظائف التي لم تعد تعترف باللغة العربية؟ لحظة! ولماذا تعيرها اهتماماً طالما المدخلات لاتحمل هذه الصفة، والمخرجات متناسبة شئنا أم أبينا مع نظام أجنبي عنا! 

هل ستراها في الأسواق الرأسمالية التي أصبح من مهامها تثبيت دعائم اغتراب الإنسان عن نفسه وأرضه وتاريخه،  أم في المدارس الأجنبية التي يتكلم فيها المعلمون باللغة الأجنبية!؟

لغةٌ لا تسمعها إلا في المسلسلات التاريخية أو الأفلام الوثائقية وفي الغالب فكرة التحدث بالعربية مقترنة بالصحراء والبداوة في ذهن هذا الجيل الذي يستخرج صفة جامعة للصورتين وهي التخلف.

من المؤلم أن تكون صورتنا عن لغتنا وديننا وتاريخنا مستنسخة من نظرة عدونا لنا، كيف لا ونحن محكومون في عالم يدّعي حكّامه أنه قد أصبح قرية صغيرة، لكنه في الواقع ليس إلا سجن كبير يتشابه سجناؤه بشكل تراتبي ممل  .

اسلبْ مني ملامحي التي بها أكون أنا دون غيري، واجعل مهمتك على مدى الزمن أن تثبت لي أن هذا المسخ الذي أراه هو " أنا " الأصيل المتميز، سأفترض أنك نجحت في ذلك، كيف أُوفِق بين ما أتوهمه وبين ما أحياه واقعاً، إيماني بي سيكون هشاً، وغالباً سأُترَك إلى صراع غير متكافئ، الخاسر الأكبر فيه أنا فقط !

تسألني أختي اليوم عن معنى كلمة نجيبة، وكعادتي لا أجيب بشكل مباشر، بل أضع الكلمة في جملة أو أحاول إعطائها مرادفاً آخر في جملة أخرى كي أساعدها على تحصيل المعنى بنفسها، لكن للحظة أحسست أنها تمزح أو تسأل سؤال العالم، فلم أجِب. ثوانٍ معدودة واكتشفت أني مخطئة للأسف!

عندما كنت في مثل سن أختي كانت حصيلتي اللغوية أكثر اتساعاً وتنوعاً وغزارة، وكانت كلمة " نجيبة" من البديهيات  المخجِل السؤال عنها في تلك الفترة. أحاول اليوم إقناع أختي الصغيرة بأن العربية تهذب النفس وترقق الطبع وتحفظ الدين، لكن أقول في نفسي : هذا الكلام المعسول يبقى خطبة جميلة عن شيء مثالي، غير متمثل في الواقع الذي نعيشه، لابد أن تستشعر أهمية ذلك من خلال استشعارها أهمية وعيها بدينها وترتيب أولوياتها، عندها ستبدأ في البحث عن الأداة بجدية، وستقع في حب العربية لامحالة.

مالذي يجب علينا فعله؟

بل هل الحل بأيدينا فعلاً؟

هل مازال هناك أمل!؟ 


  • 8

   نشر في 01 فبراير 2019  وآخر تعديل بتاريخ 04 فبراير 2019 .

التعليقات

Ahmed Tolba منذ 2 أسبوع
بالرغم من أنني لست متمكنة من اللغة بشكل احترافي عميق، إلا أنني أبذل مافي وسعي لتبقى العربية في دمي، لدرجة أن بعض الزميلات يشتكين لي من كثرة إقحامي للفصحى أثناء الكلام
هكذا أنا أحسنتى
1

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا