الحنين ابن الذكرى الوردية .. لكنه الفقد!! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الحنين ابن الذكرى الوردية .. لكنه الفقد!!

شىء ما بداخل كل منا .. يتداعى البوح

  نشر في 22 غشت 2016 .

في البداية أعترف بأن الموت هو الشىء الوحيد الحقيقي هنا، ومدين أكثر لمكيافيلي لأنه أخبرنا بما يفعل الناس لا ما ينبغي أن يفعلوه.

الحياة تمنحنا تفاصيل مدهشة وتدبر الشىء في الشىء والظل في الظل، كقطعة ارابيسك محكمة الصنع "نجمة شابكة في دائرة في مربع في متمم"، وتأخذ منا الكثير براءة الطفولة والمعاني الأصيلة والجمال والأمل والنقاء وتقتل داخلنا كل يوم ثورة.

أكاد أن أجزم تماماً بأن القوة الوحيدة التي تنتصر للنهاية على الإطلاق هي قوة الزمن، وأن الحياة مهما أعطتنا أو أخذت منا فسينتهي كل شيء تحت رحايا الزمن.

سأحكي عن الفقد وسيحكي كلاً منا عن جراحه في تفاصيل الحزن، كنت قد بدأت أصدق أن الشىء نفسه يقتصر علىّ _انا_تحديداً ولاسيما الموت الذي ينتشر بقربي ويسرق مني كل يوم شىء ما جميل، الفقد شىء مرير جداً!!

لا أعرف أن كنت سأجيد التعبير عن شعوري في الفقد أم سأفشل كالعادة، لكنني على كل حال أكتب مستنداً على مقولة لدوستويفسكي "إن من المستحيل على المرء أن يصف عواطفه دون أن يذكر وقائع"، سأكتب واقعتي ولك أن تصيغ مفهوم للفقد.

كنا خمسة أخوة كل ما نهتم به هو العلم، ورغم أن نشأتنا كانت في قرية تنتمي لصعيد مصر إلا أننا لم نمارس الزراعة بشكل عام ماعدا أيام قليل في زراعة جدي لا أتذكر أنني عملت هناك سوى خمسة أيام من عمري الصغير فقط، بدأ حب المعرفة يرتبط بالأخ الكبير فاعتاد القراءة باستمرار ومن خلفه إندرجت السبحة حرفياً، ما عدا الذي يسبقني لكنه على أي حال يود أن يعرف الآن أكثر.

انتهى تعليم أخوتي الأكبر سناً مني، وكان لأخي الثاني تجربته في الجيش التي أنهاها بمرض، وحدث ما يجعلنا نستوقف عنده جميعاً، بعد ثلاث سنوات من مرضه يصعد أخي ويذهب كل شىء ممكن فتصير كل الأمكنة سواء، لم يتبقى من أخي سوى كومة ذكريات رمادية تؤلمني كلما تذكرتها ، أعتدت التدخين كلما شعرت بهذا الفراغ بداخلي يزداد ويحتد، وكأنني أريد أن املأ هذا الفراغ عبثاً بدخان سيجارتي، أمرر الذكرى تلو الذكرى من ثقب النافذة ويبلل جفني بدَمعة على كل واحدة.

وكان لدنقل النصيب الأكبر مني في ترديد شعره ولاسيما الجنوبي:

"ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك

حسكما فجأةً بالرجولةِ،

هذا الحياء الذي يكبت الشوق .. حين تعانقهُ،

الصمت مبتسمين لتأنيب أمكما.. 

وكأنكما ما تزالان طفلين

تلك الطمأنينة الأبدية بينكما"

كثيراً ما كنت أقف فوق كوبري ما وأحدّق النظر إلى ماء النيل تارة وإلى السماء تارة أخرى، أشعل لفافة التبغ، أضرب قدماي بشدة على الجسر، راجياً المستحيل والحنين للشىء الذي كان .. شجرة العائلة والحمام المحلق أعالي رؤسنا ولمّ شملنا لمشاهدة أجزاء ليالي الحلمية يومياً معاً، والتناغم مع ألحان حلقات أرابيسك والضحك بصوت لا يعرف للخوف طريق حينما نشاهد "صعيدي في الجامعة الأمريكية"، حينما نبلل دموعنا ونتذوق الشهد ونستمتع بسؤال الهوية ومظاهرات الطلبة ومنشورات الطوبجي في زنانيري.

حنين لما قبل الفقد، كما قال درويش: 

"لكن لا أحد يحن إلى جرحه

لا أحد يحن إلى وجعٍ أو كابوس

بل يحن إلى ما قبله

إلى زمن لا ألم فيه سوى ألم الملذات الأولى 

التي تذوب كقطعة السكر في فنجان شاي

إلى زمن فردوسي الصورة"

أعلم أنني أبدو غبي جداً في بوحي هنا تحديداً بجرحي القديم، لكن في الحقيقة انا أبوح هنا كي أكون جديراً بالتعبير عن الفقد بالتجربة.

أنا أؤمن للغاية بأنه لا مفر من الفقد أو من الحزن، فقط قوة الزمن قادرة على أن تقتل كل شىء جميل أو قبيح معاً، لكنني أرَ أيضاً أن الحب هو دليل المرور من كل شىء، هو المذاق الذي يجعلنا نتذوق معنى الحياة وتفاصيلها السعيدة، الحب نور التائه دائماً، يضيف المعنى للعابثين ويبث الوجود في اللاوجود والعدم، ويخلقنا من جديد انقياء.

أود الحب وأصدقه وأصدق قدرته على الإنطلاق، جربت الشىء وضده ورأيت الفقد مرّ والفراق مرّ وكل يوم أكبر فيه يزداد جرحي وتضيع ذاتي بلا قارب نجاة، أصبح غارقاً في العدم وأعبث بكل شىء بلا استثناء، جربت أيضاً الحب وأعتقد أنني فشلت في هذا عن جدارة، لأنني لم أفلح في الإصطناع وخلق الشىء المألوف كسلعة بيع وأعتقد انني الآن مازلت على لقاء مع مساء يوم آخر.







  • 4

   نشر في 22 غشت 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا