هل هذا نفسه الفتى المتعلثم ؟ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

هل هذا نفسه الفتى المتعلثم ؟

رحلتي مع الكلام.

  نشر في 03 مارس 2017 .

لا اذكر تحديدا متى بدأت بالتعلثم,لربما منذ ان تعرضت للتنمر من معلمة اللغة العربية في الصف الثالث

الابتدائي,ست هدى وكيف سأنسى وجهها الشاحب المرسوم بملامح وتجاعيد حادة يجعلها تشبه التنانين,خاصة انها كانت امرأة خمسينية ترتدي الحجاب,لم اكن استطيع تخيلها دون الحجاب,لم استطع تخيل ان لهذه المخلوقة شعر او اي صفات انثوية,على اية حال كانت ست هدى اكثر امرأة شرسة قابلتها في حياتي , كم كنت اتمنى موتها وصراحة ما ازال اتمنى ان تموت بطريقة بشعة جدا , ببشاعة عصاها المليء بالمسامير الحديدية ببشاعة الحانوت المظلم التي كانت تحبس فيهم الطلبة لساعات طويلة , اتذكر ظهيرة ذلك اليوم عندما كانت "تصحح دفاتر الواجب البيتي"قدمت لها دفتري وانا ارتجف , لا اعلم ما حصل حتى شعرت بصفعات متتالية تقطع خدي الايمن وقامت بجر اذني حتى كادت ان تنسلخ من مكانها,بعد ان تم نقلي لصف اخر هربا من بطش هذه المعلمة الشريرة لشعبة المعلمة الاخرى الطويلة الطيبة التي لا اذكر حتى اسمها , فنحن غالبا ننسى الاناس الطيبين اللذين مروا علينا ونذكر الاشرار بكل تفاصيلهم.

بالفعل لقد استطعت الهروب اخيرا من جحيم هذه العاهرة المسنة,لكن بجروح وكدمات على قلبي الصغير سببت لي اعاقة لحياتي الاجتماعية,اه لو اني استطيع ان اشرح لك لحظات المعاناة التي كنت اخوضها لكي ابدأ في نطق كلمة,لقد كان قلبي يصعد الى حنجرتي قبل الكلام,كيف استطيع لك شرح دمدمة وضحك زملائي عندما كان المدرس يطلب مني ان اقوم لاشرح الدرس,المدرس نفسه كان يعلق بحقارة ويضحك على ماساتي , فهذا فخرالدين مدرس التربية الاسلامية التي لطالما كرهتها لم يوافق على طلبي بجعل امتحان حفظ الايات تحريريا وليس شفهيا ,كنت قد اعدت مراجعة الايات لعشرين مرة اثناء ما كان يسأل الطلاب فرادا حتى وصل الي ونادى باسمي وقمت بنطق الكلمات الاولى بنجاح وكانني عصفور قد نجح بالهروب من مخالب صقر العقاب,حتى قام الاخرق بمقاطعتي.

عصمت!(وهو اسم ابي)لماذا لم تبدأ بالبسملة ! وقمت بقول "بسم الله الرحمن الرحيم" وعندما طلب مني الاكمال ارتجفت وقمت باعادة تلك السمفونية المؤلمة"أأأأأأأأأأ"فما كان لذلك الذي يسمى بالرجل التربوي والذي يضرب به امثال الرحمة والابوة الا ان يعلق ساخرا "قد طلبت منك ان تكمل السورة وليس ان تشغل لي سيارة تركتر (سيارة حراثة) " وقد تبعت ضحكته المستفزة قهقهات الطلبة كانها صدى ودوي عيارات نارية تخترق صدري .

لقد استمرت هذه المعاناة الثانوية,كنت دائما افكر فيما كنت سأقوله لو كان لدي لسان كلسانهم او حنجرة كحناجرهم او قلب كقلوبهم لم اعلم الجزء المعطوب عندي, لم اكن اعلم ما كسرته ست هدى, حالتي هذه اجبرتني ان استمع بقدر اضعاف اضعاف الذي اتكلمه وبالتالي كنت متحدثا بليغا في اعماقي.

في ذلك اليوم الذي كنت قد كلفت كممثل لاتحاد طلبة تركمان في مدرستي بتحضير خطابة وايجاد من يلقيها في مهرجان الشعر والخطابة التركماني اصطحبت طلبة المرحلة الاخيرة والتي كنت اصغرهم بمرحلتين ,عندماوصلنا الى المهرجان ذهلنا بعدد الجمهور الضخم في القاعة حتى اضطروا الى ملئ الممشى لعدم كفاية المقاعد , عدة الوف من طلبة ثانويات وكاميرات قنوات تلفزيونية والعديد من الشخصيات المهمة قد حضروا للاستماع الى المواهب الشابة , بعد انخراطنا في حشد الجمهور في الممشى اتى الي مصطفى "الذي كان من المفرتض ان يلقي القصيدة ممثلا مدرستنا"وبيده ورقة النثر التي كتبتها وهي مطوية وقال لي انه لا يستطيع فعلها, اجبته :وماذا سنفعل الان؟ قام صديقه بالتدخل :محمد انت الذي بحثت عن النص وبالتاكيد انك ستكون خطيبا جيدا يجب ان تصعد انت للمنصة.

بالطبع لم يكونوا يعرفون بانني متعلثم لانهم ليسوافي صفي , نظرت الى المشاركين وهم يلقون قصائدهم بشكل مجرد من الاحساس وباصوات بشعة لكن الجمهور كان يصفق لهم بحرارة,قلت متحدثا لنفسي,مذا تنتظر؟ هذه هي فرصتك الذهبية ,بم يمتاز عنك هؤلاء الحمقى؟ هيا يا محمد فانت كنت تحلم بهذه اللحظة لسنوات ! تستطيع فعلها!

لا اعلم كيف حصل هذا لكنني وافقت ان اصعد المنصة لالقي الخطابة بديلا عن مصطفى,قمت بمراجعة القصيدة مرتين فقط قبل ان تنادي عريفة المهرجان باسمي وباسم عنوان الخطابة لامشي في اطول طريق سرته في حياتي! صوت التصفيق كان يزلزل الارض تحتي,وانا امشي ضاغطا بقدمي على الارض حتى اشعر بانني فعلا لا اخطوا على الهواء , كم كان الامر صعبا وانا احارب حتى وصلت المنصة ومسكت بجانبها الخشبي وقمت بطرح نفسي الذي شهقته حينما نادو باسمي, كمن مسك بطرف الزورق عندما كاد ان .يغرق

حاولت ان اخرج الورقة من جيب سترتي الداخلية وقد استطعت فعل ذلك بصعوبة مسكت المايكروفون بقوة وقرأت العنوان دون ان اتعلثم! وقمت بعدها بقراءة الخطابة بنفس واحد حتى وصلت لمنتصفها ! لم اقف فيها! كان شعورا رائعا , لم استطع تذكر اخر مرة تكلمت فيها هكذا ! قد احببت الامر وقررت ان ارفع برأسي قليلا واعمل تواصلا نظريا مع اعين الجمهور رفعت راسي,لارى جمهورا صامتا ياكلني بعينه بلعت لعابي وكانت يدي الحاملة للمايكروفون ترجف كنادل بار يقوم بخلط كوكتيل المشروب .

سيطرت على نفسي واكملت الخطابة بسلام وقد نزلت من على المنصة وكأنني طائر فوق الغيوم,في عيناي بريق رضا عن الذي فعلته صوت التصفيق والصفارات قد استطاعت لحد ما ان تعالج الكدمات التي سببتها قهقهة الشامتين على تأتأتي في الصف ,قررنا ان نغادر المهرجان باكرا حتى نصل الى المدرسة قبل ان يرحلو للمنزل.

ونحن في الباب الخارجي كان "محمد تحسين كوكقيا"نائب رئيس اتحاد الطلبة ومنظم الحفل انذاك ينادينا قائلا باننا فزنا بالمركز الثالث في المهرجان.

ومنذ ذلك الحين وانا لم افكر ان اتوقف عن الكلام ...لا في صف ولا قاعة ولا في منصة

-اعلاه صورة بعد المهرجان




  • محمد عصمت اوجي
    محمد عصمت فائق اوجي طالب جامعي / جامعة الموصل /كلية الطب صدري رحب للنقد البناء
   نشر في 03 مارس 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا