وهم التفردية ... هل نحن حقا من نتخذ قراراتنا؟ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

وهم التفردية ... هل نحن حقا من نتخذ قراراتنا؟

  نشر في 22 نونبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 22 نونبر 2016 .

"إننا فخورون بأننا لسنا خاضعين لأية قوة خارجية, وأننا أحرار في التعبير عن أفكارنا ومشاعرنا ونحن نأخذ بثقة أن هذه الحرية تكاد تضمن على نحو تلقائي تفردنا. وعلى أي حال, فإن حق التعبير عن أفكارنا لا يعني شيئا إلا إذا كنا قادرين على أن تكون لنا أفكار من أنفسنا"
إريك فروم

في البداية أود قبل أن أتطرق إلى خضم الحديث أن أشير إلى عدة نقاط هامة قد تزيل بعض الضبابية عما نحن بصدده الآن, وتوضح العديد من الأشياء التي قد تسبب الالتباس لكم :

• أولا وقبل البدء بأي شيء علينا التفرقة بين الحرية والتحرر, ومع أن الأولى تتطلب الثانية فهناك شتان بينهما. ليس بالضرورة عندما تتحرر من قيد ما أن تصبح حرا في معتقداتك وأفكارك حينها, فقد يكون ذلك مجرد تحرر وقتي يختفي عندما تظهر قيود جديدة تمنعك عن المضي قدما نحو الحرية التي ابتغيتها من البداية, أو تحررا من سجن أصغر نسجته بيديك إلى سجن أكبر لا تكون قضبانه واضحة أمامك لكنها موجودة رغم كل شيء, وبرأي هذا السجن أخطر عليك من ذي قبله.

• جميعنا يظن أن أفكاره وقراراته دائما ما يكون منبعها هو عقله وحده فقط, حسنا هل هذا صحيح؟ في الواقع إن الإجابة على هذا السؤال قد تختلف من بيئة لأخرى, فنحن فعلا لا نتخذ قراراتنا بأنفسنا حتى وإن كان الأمر ظاهريا أمام الناس هكذا, بل على النقيض نحن فقط نستنسخ ما أستتب في عقولنا من معتقدات توارثناها عن مجتمعنا الذي نشئنا به ونميط عنها اللثام لكن بصيغ أخرى, قد تبدو أحيانا مختلفة والأرجح أن ذلك لا يكون سوى اختلاف سطحي فقط أم الجوهر فهو مستمد من الأصل الذي انبثق منه. حتى أولئك الذين لا يتخذون أرائهم إلا بعد تروي وتمهل ويخضعونها للعديد من أنماط الفكر فهم أيضا لا يسلمون من ذلك الشرك, إذ أن تعمقهم ما هو إلا انغماس في دوائر العادات الاجتماعية أكثر من الخروج عن المألوف.

• إن الكون لا يسير على معتقدات قبيلتك ! بعض منا عندما تقابله أفعال شاذة عما هذبه وعلمه مجتمعه يقابلها بالرفض والتجريح لأنها ببساطة تتنافى مع ما نمى عقله عليه في الصغر, فنجد أنفسنا في النهاية في صراع مجتمعي بغيض حول عادات وتقاليد توارثناها من مئات السنين.



الآن وبعد أن سردت لكم تلك النقاط لننتقل إلى صلب الموضوع إذا, ولتبسيط الأمر سأطرح عدة أسئلة على الأغلب أنها تدور ذهنك الآن وسأجيب عليها واحدة تلو الأخرى :

"لن تكون حرا مادمت لم تحرر نفسك من سجن أفكارك الخاطئة"
فيليب أرنولد

هل انتاب أحد منا شك في يوم من الأيام أننا مساقون في أفعالنا وأفكارنا؟

لا أظن أن ذلك الهاجس قد طرأ لأحدنا أو لوث سماء أفكاره الصافية يوما. هناك دائما نزعة خفية في أعماقنا تخبرنا أننا أحرار ومتفردون في تصرفاتنا, وهذا بالطبع وهم كبير نرزح جميعا تحت وطأته. والحقيقة أن معظم الناس مقتنعون بأنه طالما أنهم ليسوا مضطرين صراحة إلى عمل شيء بسبب قوة خارجة عن إرادتهم فإن قراراتهم هي قراراتهم, وأنهم إذا أرادوا شيئا فهم الذين يريدونه, ولكن هذه أحد الأوهام الكبرى التي نعتقدها عن أنفسنا. إن عدد كبير من قراراتنا أوحي لنا بها من الخارج, لقد نجحنا في إقناع أنفسنا بأننا نحن الذين نصنع القرار بينما نحن في الحقيقة نتطابق مع أراء الآخرين, مساقين بالخوف من العزلة ومضحيين بحياتنا وحريتنا وراحتنا.

"سامحه.. فهو يعتقد أن عادات قبيلته هي قوانين الطبيعة"
جورج برنارد شو

ما هي أثر هذه الاعتقادات على حياتنا؟

في الواقع إن ذلك هو سبب الصراعات التي نعيش بين رحاها كل يوم, كل شخص متمسك بعاداته التي نشئ عليها ويعتقد أنها هي قوانين الطبيعة التي يجب على الكل إتباعها, أو بالأحرى هو لا يرى العالم كما هو عليه بل يراه كما تم تهيئته وتهذيبه إليه, فيصبح العالم حوله ضبابيا مشوبا بالأوهام التي دست له, وتغدو مواقفه الاجتماعية والفكرية والإنسانية مجرد مواقف قبلية وعائلية تصوغ في النهاية منطقه وتعاليمه ومذهبه لصالح البيئة التي ترعرع فيها.

"إذا ما تم تلقين أذكي عقل في العالم منذ الطفولة على أي نوع من الخرافات, فإنه لن يكون من الممكن بالنسبة لهذا العقل حينما ينضج أن يدرس بصدق, وبشكل غير عاطفي ويفحص بشكل علمي أي دليل أو ظرف من الظروف التي تستوجب الشك, وذلك لارتباطها بتلك الخرافات, حتى أنا أشك بأنني كنت سأستطيع فعل ذلك"
مارك توين

كيف تنأو بنفسك عن كل ذلك؟

في البداية عليا أن أوضح أنني بالتأكيد لا أقصد هنا أن جميع الأفكار التي انتقلت إلينا منذ الصبا هي خاطئة بالضرورة, فمسألة صحتها من بطلانها هو أمر عائد لك ومتوقف عليك تماما, لا يستطيع احد مهما كان أن يفرض عليك ذلك, أنت وحدك من تقرر هل تتبعها كالأعمى الذي يسير بلا هداية أو تقشع الضباب عنها وتكتشف مدى صوابها بدلا من أن يملي عليك احد ذلك. لكن علي أن أقول لك أن الأمم التي يعتري أفرادها الجمود وتثبط حركتها وفكرها على نمط معين يعود لعشرات السنين, هي التي تتأخر في ركب الحضارات والدول وينخر اليأس عظامها حتى تغدو واهنة ويخبو بريقها. أما الأمم التي تسعى إلى تطوير ذاتها ونثر غبار الماضي عنها, عبر إعادة صياغة نفسها وتجديد دمائها بالشباب ذوي العقول المبدعة والمنفتحة هي التي تتقدم ويعلو شأنها.

لقد خلقنا لنتعلم ونغير, لنغرد خارج السرب, ونترك القطيع, ونحلق فوق الثوابت التي تكبلنا وتمنعنا من الحركة والتفكير. ولن أكون مبالغا عندما أقول أنه لولا أولئك العباقرة الذين خرجوا عن المألوف لما استطاع البشر أن يحظوا بتلك القفزات الحضارية المتتابعة ولظللنا في عصور من الركود واللامبالاة.

إن الإنسان الذي يبحث عن الحقيقة الغير مستترة بالأعراف والتقاليد هو الذي يقف مشككا ومتجردا لكل ما غلف به عقله منذ المولد, فيعلم حينها الصواب فيزداد يقينا به ويعلم الخطأ فيتجنبه ويبتعد عنه. أما أولئك الذين يقدسون الماضي بآفاته ويتمسكون به دون أن يرهقوا أنفسهم قليلا ويفكروا لمستقبلهم فهم في إتباع دائم لما سبقهم إليه عشيرتهم ويرحلون عن الدنيا كأنهم لم يخطوها قد.  


  • 13

   نشر في 22 نونبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 22 نونبر 2016 .

التعليقات

حين قرأت مقالك قلت في نفسي، أخيراً قرأت شيئا يستحقّ أن تشعر بحريتك من خلاله، فبعض المرّات تكاد تجزم أنّك تطير لوحدك فسرعان ما تجد سربا آخر يطير معك...نحو الحرية، لا أحد يستطيع أن يصف البحر لضفدع عاش طوال حياته في بئر... ربما هي النظرة الى الحياة يراها العباقرة مهما كانت بيئتهم يستطيعون أن يغيّروا أو يتحدّوا أفكار غيرهم من أجل تغيير أفضل، و لهذا الأفكار لها أجنحة لا أحد يستطيع أن يمنعها أن تطير.
2
Omar Helal
عندك كل الحق أخي, شكرا لمرورك.

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا