المسيح لن يأتي الليلة..! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

المسيح لن يأتي الليلة..!

هل تقبل دعوتي يا سيدي لتقضي معنا ليلة العيد، سوف تكون سعادة أهل البيت بلا حدود إن باركتنا بالزيارة..! قال المسيح: بكل سرور، فليس أجمل من تَجَمُع الأسرة في العيد وتبادل المشاعر الدافئة مع من هم صافية نفوسهم وعامرة قلوبهم بالإيمان..!

  نشر في 06 أبريل 2020  وآخر تعديل بتاريخ 08 أبريل 2020 .

المسيح لن يأتي الليلة..! "قصة قصيرة"   بقلم/ محمد أحمد فؤاد

إنها ليلة العيد.. ليلة ينتظرها الجميع بالرغم من الخوف الحذر، وحظر التحرك بسبب هذا الفيروس اللعين، وتعليمات الحكومة بالحد من التجمعات وقطع العلاقة بالكنائس للمرة الأولى في تاريخ هذا الحي الهادئ حي مصر عتيقة.. إرتدى الأستاذ/ جرجس ملابسه وإستعد للخروج، وأخذ بنصيحة زوجته السيدة/ تريزا وإرتدى المعطف الصوف الثقيل إتقاء لتغيرات الجو وتقلباته المفاجئة...

ألقى بنظرة حانية على الست/ حنة أم زوجته وسيدة الدار الأولى التي توزع بركاتها على كل من يطالع وجهها البشوش وهي جالسة في صالة المنزل وأمامها طبلية إسطنبولي متوسطة الإرتفاع تقوم بعمل القربان المقدس وأمامها صحن العجين وخاتم القربان الخاص بالأسرة وكذلك مجموعة من الصيجان متوسطة الحجم، لأنها مع الأسف ستقوم بأعمال الخبيز في المنزل وليس في الفرن الإفرنجي كما إعتادت حيث أن الظروف لن تسمح..

جلس جرجس إلي جوار الست حنة وبادرها مبتسماً: صباحك زي الفُل يا قمر يا بركة البيت.. عامله أيه النهاردة..؟ تبتسم الست حنة وتقهقه بصوت خافت لكنه مسموع، وتنظر بإبتسامة حانية وعينان صافيتان إلى جرجس وعلى وجهها قسمات السعادة والرضا كاشفة عن أسنان متهالكة، وهي تسوي بجانب كفها خصلات شعر فضية برزت من أسفل منديل الرأس الأبيض الناصع وقد لوحها لون الحناء البرتقالي.. وتقول: يجعل صباحك زي الشهد يا ابني.. يا واد يا بكاش، مش تخلي شوية الكلام الحلو ده لتريزا مراتك بدل ما تقعد تعاكسني كده في الرايحة والجاية..؟ متشيك كده ورايح على فين..! أجاب جرجس.. أنا رايح أدفع فاتورة التليفون والإنترنت، وأحلق شعري وأشتري لحمة وأرجع على طول.. تعوزي حاجة أجيبها لك..؟ قالت: عايزاك سالم يا ابني.. أوعى تنسى تعدي على الكنيسة علشان تعيد على عدلي وتدي له العيدية.. أجاب: ما تخافيش، عامل حسابي.. شايفة أيه يا ستي.. الدنيا رايحة بينا فين..! وإزاي يبقى عيد من غير ما نصلي في الكنيسة..؟ قالت ولا تزال على وجهها الإبتسامة.. يا إبني ربنا موجود في كل حتة.. يعني تصلي في البيت أو في اي مكان، هو شايف ومطلع وعالم بالأحوال.. ده أنا قلبي حاسس إن المسيح الحي جاي يزورنا النهاردة.. تصدق..؟ ضحك جرجس وقال لها: طبعاً أصدق.. إنتي عمرك ما قولتي حاجة وما حصلتش.. أنا نازل بقى.. تتمتم وهي تقتطع جزء من العجين: يسوع معاك ويحرسك..!

يسير جرجس في الحارة الضيقة حتى يبلغ الدرج الحجري ويصعد في إتجاه محطة المترو، الجو لطيف، ثمة برودة خفيفة تتخلل أشعة الشمس التي تخترق السحب المارقة فتبددها.. الساعة قاربت على الحادية عشرة.. إشترى تذكرتين للذهاب والعودة ليوفر الوقت، وإتجه في رحلته إلى حي شبرا حيث سيقوم بإنجاز كل ما يريد من أعمال هناك.. وصل إلى مشارف شارع الترعة البولاقية حيث محل رمسيس للحوم المحفوظة المملوك لأحد أقارب تريزا، ولج جرجس للمحل وكان العمل يجري على قدم وساق.. لمح الخواجة ميخائيل خلف ثلاجة اللحوم فأشار له بالتحية، فإبتسم ميخائيل ورد التحية قائلاً: تقعد معايا شوية والا مستعجل..؟ قال جرجس: أنا رايح أحلق عند عبد الله وممكن أعدي عليك وأنا راجع.. قال ميخائيل وهو منهمك في تحضير بعض الطلبات لزبائن المحل: زي كل سنة..؟ قال جرجس.. طبعاً.. إنت عارف أنا بأودي وأجيب وآكل بس..! ضحك ميخائيل قائلاً: كل سنة وأنت طيب، ينعاد عليكم بالبركة والخير.. خرج جرجس وإتجه سيراً إلى حارة الجارموني حيث صالون الحلاقة الذي يملكه صديق الطفولة عبد الله.. لحسن الحظ لم يكن هناك زبائن وكان عبد الله يجلس كعادته يتصفح أخر ما وصلت إليه الأخبار على هاتفه الجوال.. بعد التحيات، بادر عبد الله صديقه قائلاً: فينك من زمن يا حاج..؟ وإزي الست تريزا وخالتي حنة..؟ جلس جرجس إلى كرسي الحلاقة وإستسلم لعبد الله قائلاً: بيسلموا عليك ولو زوغت النهاردة وما جتش تتعشى معانا، خالتك حنة هتحطك في دماغها.. قال عبد الله ضاحكاً: وعاملين أيه على العشا يا ترى..؟ رد جرجس: مالكش دعوة، لو هاتيجي أكيد هاتنبسط.. أومأ عبد الله بالإيجاب وقال: يالا نشتغل وحأكد عليك قبل ما تمشي.. يا ترى أخبار شغلك أيه..؟ عارف تشتغل من البيت..! قال جرجس: بأحاول، لكن جو مختلف تماماً.. ربك يعدلها وترجع الأمور لطبيعتها بسرعة...

قال عبد الله: أيه رأيك في موضوع الطيارة بتاعة واشنطن دي..؟ تفتكر الحكومة عاملاها فعلاً علشان الناس اللي إتزنقت هناك، والا الموضوع علشان رعايا السفارة هنا وأولاد الأكابر اللي هناك..؟ يرد جرجس: مش عارف والله يا عبد الله، أنا بجد مش فاهم أي حاجة من اللي بيحصل.. وكمان أعرف ناس مش عارفين يرجعوا من ألمانيا وفرنسا.. وبعدين يجيي موضوع الحجر الإجباري والناس لازم تدفع ثمن الإقامة.. حاجة غريبة..! لكن رئيس الحكومة قال أنه مش هيدفع الناس حاجة بعد توجيهات الرئيس.. رد عبد الله وهو يعمل مقصه في شعر جرجس..! فيجيب جرجس وهو يحني رأسه للأمام بناء على حركة من يد عبد الله: هو قال كده.. لكن صدقني، لو المسيح نفسه جاي على الطيارة مش بعيد ياخدوا منه فلوس وتبرعات...

إنتهى جرجس من الحلاقة، ودس يده في جيب صديقه عبد الله وبها قيمة حلاقة العيد فرفض عبد الله تماماً تقاضي اي مال من صديقه قائلاً: بعدين يا جرجس، مستورة والحمد لله والحساب يجمع لما ربنا يفرجها، شعر جرجس بدفئ كلمات صديقه، وأكد عليه بأن يحضر للعشاء، لكن الأخير تذرع بأن حظر التجوال سيعيق حركته، فتفهم جرجس الموقف وحيا صديقه على وعد بلقاء قريب.. سار جرجس إلى كشك أم حنان على ناصية الحارة ليدفع فواتير التليفون والإنترنت عبر خدمة فوري.. بادرته أم حنان بالتحية قائلة: كل سنة وإنت طيب يا أستاذ جرجس.. والنبي السلام أمانة للست حنة والست تريزا، دول واحشني قوي.. قال لها جرجس: وأنتي بكل صحة وسعادة يا أم حنان تعيشي يا غالية وربنا يبارك لك.. دفع قيمة الفواتير وإشترى قطع من شيكولاتة روكيت التي تعشقها تريزا وبعض الحلويات للمنزل كي يساعد السيدة التي تعمل وتكد لتربية إبنتها الطالبة بالسنة النهائية بمعهد الحاسب الألي بعد وفاة زوجها في حادث عبارة السلام.. ودع جرجس المكان الذي قضى فيه جزء كبير من طفولته قبل أن ينتقل هو وزوجته للإقامة في بيت جده بحي مصر عتيقة.. توجه صوب محل رمسيس للحوم المحفوظة، وكان طلبه جاهزاً، شكر جرجس الخواجة ميخائيل الذي رفض تقاضي قيمة المشتروات قائلاً: بعدين يا عم، هي الدنيا هاتطير.. شكره جرجس وواصل طريقه إلى محطة المترو للعودة إلي البيت.. جلس جرجس بجوار النافذة في المترو شبه الفارغ.. شرد ذهنه مع حركة المترو، وبدأت أفكاره في التحليق بعيداً.. إنه الأن في الطائرة المصرية العائدة من واشنطن.. باقي من الزمن ثلاثون دقيقة قبل الهبوط في مطار القاهرة.. يجلس جرجس في مقعد على الممر ويرى على نفس الصف على الجانب الأخر شخص فارع الطول ذو لحية مهذبة يرتدي جلباب من الكتان بني داكن وحول رقبته وشاح أبيض اللون تتدلى اطرافه على صدر الرجل.. يظن جرجس أنه رآه من قبل، لكن لا يعرف أين..! الرجل يجلس في هدوء إلى جوار شاب قوي البنيان تبدو عليه ملامح الثراء وعدم الإكتراث، لكنه يسعل بشدة وتكرار ملحوظ.. قام الرجل بسؤال الشاب إن كان يحتاج للمساعدة..؟ فلم يرد الشاب عليه وتجاهله، ثم ضغط الشاب على زر إستدعاء طاقم الضيافة، فأتت المضيفة وسألته عن كيفية أن تقدم له المساعدة، فطلب بعض الماء ومناشف ورقية.. لاحظت المضيفة السعال المستمر وقالت له أنه طبقاً للتعليمات الوقائية، لابد لها من قياس درجة حرارته وطلبت من الرجل ذو الجلباب البني أن يغير مقعده للجانب الأخر.. ذهبت المضيفة وعادت مرتدية كمامة طبية وبيدها ميزان الحرارة الذي يعمل بأشعة الليزر، وجهت ميزان الحرارة لجبهة الراكب لتكتشف أن درجة حرارته تتخطى 39 درجة بقليل، فبادرته إن كان يشعر بأي صداع فرد بالإيجاب.. إرتبكت المضيفة وقررت التعامل معه كحالة مشتبه بها.. وسالته عن بياناته الشخصية.. فأجابها بأن جده لأمه هو شخص مهم جداً، وهناك ترتيبات في مطار القاهرة لنقله إلى منزله لتلقي العلاج.. أخبرت المضيفة قائد الطائرة بالواقعة لإتخاذ التدابير اللازمة، فأشار لها بالعودة لقياس حرارة كل الركاب المحيطين بالفتى المصاب، فعادت فلم تجد إلا الرجل ذو الجلباب البني فطلبت منه أن تقوم بقياس حرارته فإستجاب مبتسماً، وما أن وجهت ميزان الحرارة إلى جبهته فإذا بالجهاز يصدر صفيراً عجيباً ويذوب في يد المضيفة وكأنه قطعة من الحلوى المثلجة تعرضت مباشرة للهب شديد..! تراجعت المضيفة مرتعبة، وإذا بالرجل يجلس في ثبات وتعلو وجهه إبتسامة واثقة.. قام جرجس وتوجه إلى حيث يجلس الرجل ووضع كفه على جبهة الرجل فشعر بأنه لا يكاد يلمس شيئاً.. فقال: من أنت وماذا يحدث هنا..؟ رد عليه الرجل في هدوء، إسمي عيسى بن مريم وتعرفوني أنتم بالمسيح الحي.. أنا ذاهب إلى مصر لأحتفل معكم بالعيد وأشارككم شئ من السعادة في تلك الأوقات العصيبة.. وأنا أستطيع أن أبرئ هذا الفتى من مرضه، لكنه كما قال للمضيفة يعتمد على معارف جده لمساعدته، لذا سأوفر قدراتي لمساعدة شخص أخر محتاج.. لمعت عينا جرجس وإبتسم، وقال للمسيح: هل تقبل دعوتي يا سيدي لتقضي معنا ليلة العيد، سوف تكون سعادة أهل البيت بلا حدود إن باركتنا بالزيارة..! قال المسيح: بكل سرور، فليس أجمل من تجمع الأسرة في العيد وتبادل المشاعر الدافئة مع من هم صافية نفوسهم وعامرة قلوبهم بالإيمان.. لم يتمالك جرجس نفسه من السعادة وراح يقبل جبهة المسيح ويشكره على هذا الكرم الإلهي الغامر، بينما بدأ صوت قائد الطائرة ينادي بعودة الركاب إلى مقاعدهم إستعداداً للهبوط..

زال الشرود عنه فجأة مع وصوله إلى محطة مار جرجس.. ترجل من المترو حاملاً حقيبة اللحم وأكياس الحلوى، وسار كالمسحور في طريقه إلى الكنيسة، وجد عم عدلي يحمل مقشته المصنوعة من جريد النخيل ويقوم بتنظيف مدخل الكنيسة وكأنه يستعد لإستقبال الزوار في قداس المساء.. توجه إليه ودس في جيبه بعض المال كما أوصته الست حنة، ثم لثم يده بقبلة كما إعتاد أن يفعل وقال: كل سنة وإنت طيب يا عم عدلي.. إدعي لي ربنا يبارك لي وتنزاح الغمة دي..!

وصل جرجس للمنزل، فبادرته الست حنة بصوت حنون ضاحك.. حلقت شعرك وشكلك صغر ييجي عشرين سنة، كده لما المسيح ييجي يزورنا الليلة دي ينبسط منك.. فأجابها ضاحكاً: ماتخافيش، مش هاييجي..! فنظرت له مندهشة: وإنت عرفت منين يا اخويا..؟ فقال ساخرا: أصل الطيارة هتنزل في مرسى علم مش في القاهرة..!

النهاية



  • mohamed A. Fouad
    محمد أحمد فؤاد.. كاتب حر مؤمن بحرية الفكر والمعتقد والتوجه دون أدنى إنتماء حزبي أو سياسي.. مهتم بشأن الإنسان المصري أولاً..!
   نشر في 06 أبريل 2020  وآخر تعديل بتاريخ 08 أبريل 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا