صراع النخب..وإشكالية اللغة في الجزائر - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

صراع النخب..وإشكالية اللغة في الجزائر

  نشر في 08 شتنبر 2015 .

تطرح اللغة في الجزائر إشكالا مُتشعبا غاية في الخطورة؛ لأنه ببساطة يكشف عن عمق الأزمة الآسنة التي تتخبّط فيها هويتنا، ونُدير لها أظهرنا بمقترحات عرجاء لا تكشف عن إحساسنا العميق بخطورة تركها دون حلول حقيقية، تكون أكثر فاعلية مما نسمعه ونراه اليوم.

الغرب "عدونا العقدي" دعا إلى مشروعه للحوار الديني والتقارب الحضاري (حوار الحضارات أو حوار الأديان)، وأخذ زمام المبادرة فيه، وقطع فيه أشواطا ومراحل معتبرة؛ حتى يتجاوز – بزعمه - المجتمع الإنساني صراعه باسم الدين وصدامه باسم الحضارة، والغرب بذلك يطمح لتحقيق أهدافه الإستراتيجية في إدامة تميّز دوله وتفرّد مجتمعاته بعوامل الإرتقاء الحضاري، على حساب ديننا وهويتنا وثقافتنا.

ونحن العرب والمسلمون مازلنا نقبع في غياهب جبّ الصراع الفكري الذي انتقل للعلن، وصار – للأسف - صراعا نخبويا يكشف عن عور بعض نخبنا التي تُخطّط وتُسيّر، وصراعهم حول الهوية بمقوماتها وثوابتها المختلفة.

إن اللغة في الجزائر كمقوم من مقومات الهوية الوطنية، تطرح عديد الإشكالات التي يُمكن احتواؤها تشريعيا وأكاديميا دون أن تُخلف لنا أزمة مُفتعلة، لكن أن نختلق أزمة لا داعي لها، ونفتعلها لحاجة في نفوس أصحابها، فنُروج مثلا للعامية كأداة تواصلية بغرض التعليم والتلقين المعرفي والتربوي، مع ما يخلقه ذلك مستقبلا من تأثيرات سلبية على المستوى اللغوي للتلاميذ فضلا عن مستوى تحصيلهم العلمي؛ فهذا أمر يحتاج إلى إعادة نظر، وترك التسرّع غير المدروس لإعلان أيّ قرار رسمي قد لا يخدم قطاع التربية والتعليم لا حقا، وقطعا لن يخدمه.

قَمِنٌ بهؤلاء أن يرعوي عن شُغل المجتمع بإصلاحات لا طائل منها ولا مُبرّر لها، حقيق بهم أن يشتغلوا بإيجاد الحلول للأزمات الحقيقية التي يُعاني منها التلميذ الجزائري الذي صار مرتعا لتفريخ ما خفي من صراعات أيديولوجية لمن يُوصف بالنخبة طليعة الأمة وأنتلجانسيا الدولة.

من وجهة نظري، أرى أن إثارة ملف تدريس العامية وثيق الصلة بصراع نخبوي حول الهوية، يعكسه صراع من اعتاد لسان الدارجة العامية وأتقن لغة "فرنسا" أو كاد يُتقنها، لكن على حساب لغته العربية الرسمية، مع من يُتقن جميعها دون أن ينسى لغة دينه التي نزل بها القرآن وحَكَمَ بها النبي عليه الصلاة والسلام.

للأسف عندما نفتح ملف الهوية في الجزائر ونطرح إشكالات اللغة كأحد مقومات هويتنا؛ نكتشف هذا الصراع المقيت، نعم من حق كل طرف أن يطرح رأيه ويُبدي وجهة نظره، لكن دون مبالغة نضعها في خانة الأزمة المفتعلة التي تُظهر تردّي الإصلاح التربوي والتعليمي في بلد العلماء وأرباب السلوك والتربية.

هنا نطرح سؤالا: كنا نتلقى الدروس باللغة العربية أيام الزمن الجميل للمدرسة الجزائرية، فماذا جرى الآن لنستبدلها بلغة العوام التي أجدها تستوعب لغة الأسرة ولغة الشارع بمفهومه الإيجابي ؟. ثم هل الجزائر في حاجة إلى خلق أزمة هي في غنى عنها في ظلّ التحديات التي تنتظرها زمن التقشّف ؟. بل هل التلميذ الجزائري معني بصراع نخبوي لا ناقة له فيه ولا جمل ؟.

وللتوضيح، لست أعني هنا إشكالية اللغة الأمازيغية فهذا موضوع آخر، ومطلب آخر من المطالب الرسمية التي لا تُلغي اللغة العربية أو تُحاصرها..إلا بافتعال ذلك وتَقَصُّدِهِ. إن محاولة التيار الفرنكوفوني تهميش اللغة العربية ومحاصرتها في المشهد الرسمي التربوي والتعليمي وغيره ليس بالجديد، غايته معلومة، ورؤوسه معروفة، وخلفياته غير مجهولة.

نحن لسنا ضد تشجيع الإنفتاح على اللغة الفرنسية أو غيرها، لكن نحن ضدّ أن يتمّ ذلك على حساب هويتنا اللغوية، خاصة وأن أهل الإختصاص قد ذكروا سلبيات التدريس باللغة العامية الدارجة. والسؤال: أليس تدريب الطفل المتمدرس على تعلم اللغة العربية أحد الأهداف الرئيسية من وراء العملية التعليمية الموجهة لتلميذ الإبتدائي في سنواته الأولى داخل الموقف التعليمي والتربوي (المدرسة) ؟.

فما ذا يضرّ إذن أن يتعلّم التلميذ لغة قرآنه ودينه، مع الاشتغال بتعلّم لغات عالمية أخرى يتفتّح بها عقله وتتسع بها مداركه ؟. وهنا أفتح قوسا لأقول لمن يخجل بعربيته اللغوية، شرف لك أن تتعلم اللغة التي نطق بها أشرف خلق الله تعالى، ونزل بها أشرف كتاب على وجه هذه البسيطة، بل هي لغة مع قداستها وحرمتها الشرعية، لغة محترمة جدا، لا تبعث على الخجل.

للأسف أجد أن طرفا من دعوات التمدّن والتحضّر المؤسّس على فكر النخب الفرونكفونية لا يتجاوز ثوابت المجتمع ذات الصلة بهويته الدينية واللغوية إلا ونجد هذه الدعوات لا تتحرّج من التشكيك أو الطعن في هذه الثوابت، في صورةٍ تكشف اللثام عن صراع بين النخب الفكرية، وإن حاول بعضهم تكذيب مثل هذا الصراع أو التشكيك في وجوده.

منتهى الكلام، أنْ رفقا بأبنائنا، أبعدوهم عن صراعاتكم الآسِنَة وأطروحاتكم اللّقسة، مرحبا بإصلاح المدرسة الجزائرية الذي لا يُشاكس المجتمع في ثوابته ويصارعه في هويته. إنّ أمة لا تُحسن صناعة أجيالِ مُستقبلها صناعةً تعليميةً وتربويةً؛ فرصها في اعتلاء مراقي التميّز الحضاري تظلّ ضئيلة، ومن صارع أمة في ثوابتها وهويتها صُرِع.

د/ عبد المنعم نعيمي

كلية الحقوق- جامعة الجزائر 1


  • 3

   نشر في 08 شتنبر 2015 .

التعليقات

kkilo36 منذ 1 سنة
لا تسى ان الجزائر هي البلد الوحيد في العالم ....اقول في العالم...الدي يوجد فيه الكتير من اللهجات...و ان بقينا الى حد الان .بلد واحد رغم النفاق و الفتنة الموجدة داخل الوطن وووووووو خارجه نقول الحمد لله و ليس من السهل ان نتكلم اللغة العربية .ولا يوجد بلد عربي يتكلمها مئة بالمئة.السلام عليكم.

1

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا