ظننتُ أنها كذبة أبريل ! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ظننتُ أنها كذبة أبريل !

  نشر في 29 أبريل 2019  وآخر تعديل بتاريخ 29 أبريل 2019 .

"الذي ظننتُه فارساً ، هوى قبل أن يركب الخيل ." يامن نوباني

في ظلمات تحت السرير ، أجد ورقة مطوية عفا عليها الغبار . أقرأ خطي الذي أجزم أنه كان أحسن مما آل إليه الآن .

"هو سيكون طويل ، حنون ، كريم ، محب لقراءة الروايات والأدب العالمي.

أنا سأعانقه كل يوم عندما يعود من عمله ، سأتعلم الطبخ ، سأتابع الأخبار ، وأشاهد مباريات كرة القدم."

أرمي الورقة ، و أغمض عيني. كم كنت ساذجة وغبية !

أرتمي على السرير وأغطي رأسي بوسادتي ، علني أهرب من تلك الذكريات التي تجتاح عقلي كل حين وآخر.

في سنتي الأخيرة في دراستي و قبل التخرج بشهرين ، علمت من والدتي أن عريساً تقدم لخطبتي. لم ترق لي الفكرة، أن أتزوج أو حتى أُخطب و لم أستعد مادياً، ومهنياً، وشخصياً ، ونفسياً ! أردتُ التخرج ثم أعمل بوظيفة ما ، أبني شخصيتي و فكري بعيداً عن رجل ما ! أردتُ أن أتم على الأقل الخامسة و العشرين ثم أقرر الارتباط حين أكون نضجت عاطفياً ، واختار بناء على عقلي و ليس على قلبي . لا أريد علاقة فاشلة أخرى في حياتي !

لم أرد التسرع في قراري بشأن الحب أو في إيجاد حبي الأول. أؤمن بالحب الأول. دائماً ما يقال؛ "ويبقى الأب هو الحب الأول لابنته". لم يكن لي حب أول من ذلك النوع. لذلك كان علي أن أختار حبي الأول بعناية ، علي أن أكون دقيقة و حريصة جداً في اختياري. علي أن أجد رجلاً فيه الأب و الوطن. قرأت مرة "الأنثى ملكة بأبيها"، لكني كنت ملكة بأمي، كانت هي المرأة و الرجل ! لذلك ؛ كانت مهمتي صعبة ، أن أثق في رجل غريب و لم أثق في والدي !

اقنعتني والدتي برؤية ذلك الفارس الذي تقدم إلى خُطبتي، عندما رأيته وافقت . كان يشبه إحدى الشخصيات الروائية التي أقرأها ! أعجبتُ به وكنت أختلس النظر إليه عندما كنا نمر بجانب بعضنا البعض في الحرم الجامعي. لم أكن أدري أنه لاحظني هو الآخر ! على أي حال ، اكتفينا بقراءة الفاتحة و تمت خطبتنا الرسمية بعد تخرجي .

لم أكن أتأثر بما يُقال عن الحب في الروايات . كنت واعية ومدركة تماماً أن الحب في الواقع يختلف عن الحب في الروايات . أؤمن بأننا يمكننا أن نتحكم في مشاعر الحب ، إنه ليس بالأمر الدرامي التي تظهره الروايات والأفلام . أن تحب شخصاً ما وما بالقلب حيلة ما هي إلا كذبة أبريل ! فأنا بإمكاني أنا أرى شخصاً ما ، أعجب به ، أتحدث معه ، وازداد تعلقاً به لكني لن أسمح لنفسي أن أقول أني أحببته . يمكنني أن أحبه حقاً بعد ما أتأكد أنه هو الشخص المنشود ، أي بعد فترة طويلة من استكشافه !

وعدت نفسي أني لن أتزوج إلا حبي الأول ، لذلك علي إغلاق قلبي حتى أجده. كما قرأت، فحب الأنثى الأول هو أبيها و أنه أعظم حب ! ربما أعظم حب لأنه الأول و ليس لأنه حب الأب ، أو ربما العكس ، لا أدري. و هكذا ؛ كان علي تعويضه بحب أول من نوع آخر ، الحب الذي وضعه الله فطرة في قلوبنا تجاه الجنس الآخر، هي سنة الحياة ! إن الحب - بين الرجل و المرأة - هو المودة و الرحمة اللتان ذكرهما الله في كتابه. أعتقدهما أقوى من أي حب آخر، حب الزوجان لبعضهما . خلق الله حواء لتكون زوجة آدم و ليست لتكون ابنته !

على كل حال، لم أكن متأكدة بعد أن ذلك الفارس هو من سينال شرف حبي الأول. الفرسان كُثُر لكن ليس جميعهم يجيدون ركوب الخيل بمهارة ، والأدهى أن هناك فرسان بلا جواد !

الآن . . .

أكره الانتظار، أكره الزحام و الأصوات العالية . لا أعلم لمَ وافقتُ أن أذهب للتبضع مع صديقتي . أخبرتني أنه سيكون مفيداً لي أن أخرج من قوقعتي ، و أن أقابل أُناس جديدة و أنسى الذاهبون الذين لن يعودوا أبداً ، وأحاول أن أستقبل علاقات جديدة . أمسك يده جيداً ، أخاف أن يضيع أو يتوه وسط الزحام . أنتظرها تخرج من ذلك المحل الذي قالت لي أنها ستستغرق خمس دقائق فقط لشراء حاجتها المعنية ، لكن مرت خمس عشرة دقيقة على انتظارها ، وابنها بدأ يمل و يتبرم هو الآخر .

وفجأة -بعد خمس عشرة دقيقة من الملل- أسمع صوته خلفي ، لابد أنه صوت مشابه له!

"إنه لا يشبهك كثيراً ."

التفتُ خلفي لأرى من يحدثني .

"ماذا؟ عم تتحدث ؟"

"أتحدث عن طفلك ."

"اوه.. هذا ! إنه ليس بطفلي ."

هل أرى علامات الفرحة على تقاطيع وجهه؟

يسألني: "إذاً... كيف حالك ؟ من الرائع رؤيتك . هل.. هل تزوجت او خُطبت بعدي ؟"

سؤاله جريء و مباشر، اترك يد ابن صديقتي لثواني لأرفع يداي الاثنتين في وجهه لأريه إن كنت أضع أي خواتم خطوبة أو زواج و أقول: " ليس بعد. وأنت ؟ "

"لقد تزوجت ابنة عمي و أنجبت طفلة رائعة سميتها فاطمة ."

"اوه... أعزها الله."

"إني أمزح." ثم يرفع يديه في وجهي كما فعلت و يقول: "ليس بعد."

يسألني: "إذاً هل تودين أن نذهب الى مكان ما لنحتسي القهوة و ربما نتحدث قليلاً ؟ "

"لكن لم يعد بيننا أي علاقة رسمية لنجلس سوياً و نتحدث."

يرد هو: " أتعنين أننا عدنا غرباء ؟"

أطرقُ رأسي في الأرض محاولة تفادي نظرات عينيه . ينفعل هو ويقول: "أتعلمين ؟ لمْ تتغيرين البتة ."

أغضب أنا و أقول: " حقاً ؟ و كيف ذلك ؟ "

"لم تعطي و لم تحاولين أصلاً إعطاء الأمر فرصة ."

أدعي الهدوء وأقول : " حدد أي أمر ."

ليقول هو بحدة: " أي أمر؟ أتسألين أي أمر؟ أنه (أنا و أنت).. هذا هو الأمر . تتصرفين دائماً و كأني دخيل في حياتك أو كأني مُجبر عليك. لمْ تتحدثين معي عما في نفسك . تحاولين دائماً إخفاء مشاعرك و كأن ما تشعرين به خارج حدود المنطق أو خارج المألوف ، لكن ما لا تعلمينه هو أن ذلك طبيعي جدا ً. هذا ما يفعله الأُناس الطبيعيون ، يلتقون صدفة أو عمداً ، يعجبون ببعضهم ، ثم يقررون الزواج. لكنك لا ترين الأمر هكذا . تواصلين النظر الى علاقات أو تجارب سابقة فاشلة و تقيسين عليها علاقتك. ليس بالضرورة أن يحدث معك كما حدث مع والديك !"

"ولمَ تعتقد أني أعجبت بك ؟ كم أنت مغرور!"

"لا يمكنك الكف عن الكذب على نفسك ! أرجوكِ اذهبي للتحدث مع والدك و حاولي أن تتصالحين معه ، سيفيدك هذا كثيراً ."

"لقد تحدثت إليه بالفعل ، لم تجدي نصيحتك نفعاً."

يهدأ هو قليلاً ثم يسأل: "لماذا ، ما الذي حدث ؟"

أردُ أنا: "لم يحدث شيئا مهماً و لم نتحدث كثيراً."

يبدو عليه الإحباط ويقول بكل صدق: " لماذا ؟ هل توترتِ ؟ ما الذي حدث ؟"

"لا شيء مهم ، أخبرته أن لدي مقابلة عمل وأن علي المغادرة سريعاً ."

"إذن كذبتِ عليه ؟ كانت تلك فرصتك للتحدث معه و تصفية ما في نفسك !"

أقول أنا بانفعال: "هو أيضاً كذب علي عندما أخبرني أنه افتقدني !"

"لا عليك! يكفيكِ شرف المحاولة . ربما ستتمكنين من التحدث معه في المرة الثانية . "

"ليست هناك مرة ثانية ."

ينفعلُ هو: "هذا ما تجيدين قوله دائماً . لا تعطين فرصة ثانية . تماماً كما حكمت على علاقتنا بالفشل من المحاولة الأولى !"

لا أرد ، أحاول أن أتفادى النظر إلى عينيه مباشرة حتى وإن مت شوقاً لرؤيتهما ! أستطيع سماع صوت أنفاسه المضطربة . ألقي نظرة خاطفة عليه ، كأني ألمحه يحاول أن يجعل أعيننا تتلاقى ! لا أدري . يتنهد ، يستسلم هو ويودعني !

أخبرني هو قبل رحيله أنه يتمنى لي أفضل التمنيات ، وأن تسير حياتي على أجمل وجه، وأن أجدَ الحب و الاستقرار والنجاح المهني والاجتماعي. لا أعلمُ ما الذي يعنيه بالاجتماعي تحديداً ؟ ربما يقصد الحياة الزوجية أو ربما علاقتي مع والدي ، لم أسأله. أخبرني أن علاقتنا كانت مميزة وقوية إلى أن خفتُ من الاستمرار في العلاقة عندما تطورت إلى حب و تعلق و تعود ، بل و إلى تحديد موعد كتب كتابنا و الزفاف ! . استمرت علاقتنا و خطبتنا لسنة واحدة ، كانت أجمل سنة بالنسبة له ، هذا ما أخبرني به. كنا كصديقين قبل أن نكون كحبيبين . كان ضحكنا أكثر من شجارنا ، هذا ما أخبرني به.

أخبرني أنه كان يعلم أني إذا أحببتُ فسأحب بكل ما أوتيت من قوة ، وكان يدرك أن هذا ما يخيفني لكنه تفهم الأمر ولم يرد أن يستعجلني . أخبرني أنه لم يكن يسأل إلا القليل من الحب حتى أعطيه أنا المقدار الذي يستحقه . أخبرني أنه لم يكن يردني أن أكون "واقعة في الحب بل واقفة في الحب" كما تقول غادة السمان .

أخبرني أنه توقع نجاح علاقتنا بعد الزواج ، لكني خفت - وهذا الطبيعي في علاقات الخطبة و الزواج - وانهرت بشكل مبالغ فيه حتى أن دمرتُ علاقتنا وأنهيتها بشكل لم يتوقعها مني .

أخبرني أنه اعتقدني شجاعة وقوية ، لكن في نهاية علاقتنا أبديت له العكس تماماً. أخبرني أني كنت وما زلت كتومة جداً حيال مشاعري ، و هذا ما أوصلنا الى شجارنا على أتفه الأسباب وظنينا أننا مختلفان ، لكننا لم نكن مختلفين يوماً !

قلتُ له أن الله يختارُ الخير لنا دائماً ، و أني أتمنى له بمثل ما تمنى لي. شكرني و سألني إن كنت أحتاجُ لأي شيء . شكرته أنا الأخرى و قلت له ليس أكثر مما فعل . لوّح بيده تلويحة الوداع ، ثم شاهدته يسير بين الجموع ، ورأيته يختفي عن ناظري ، تماماً كما فعل عندما سمحتُ لمخاوفي أن تطغى على حبي !

عدتُ إلى البيت متعبة، ومرهقة، ومحبطة. أشعر أني فقدت شيئا ما ، أبحث في حقيبتي لعلني أتذكر ، أرمي نفسي على السرير محملقة في السقف أحاول التذكر بشدة ، ما الذي قد أكون فقدته ؟ أنهضُ بسرعة ، أقبض على حقيبتي و أفتش عن هاتفي ، أجده ، أمسكه بسرعة بين أصابعي و أتفقده ، لا أجدُ أي رسالة أو اتصال منه. بالطبع ، ماذا أتوقع منه بعد هذا الحوار المجرد من المشاعر من ناحيتي !

كانت لدي الفرصة لإصلاح ما أفسدته لكني أضعتها . يا لي من غبية ! كنت مخطئة فيما يخص التحكم في مشاعر الحب !  لقد أحببته لكني ظننتُ أني أذكى من أن أقع في فخ كذبة أبريل ! أصبحتُ أنا الآن أضحوكة أبريل . لم يكن هو من هوى قبل أن يركب الخيل ، أنا التي هويت ! 

أحضر ورقة وقلم وأكتب : "هو سيكون طويل، حنون، كريم، ومحب لقراءة الروايات والأدب العالمي .

أنا سأعانقه كل يوم عندما يعود من عمله ، سأتعلم الطبخ ، سأتابع الأخبار ، وأشاهد مبارايات كرة القدم . أنا سأنسى الماضي وسأتعلم كيف أحب !"

 


  • 1

   نشر في 29 أبريل 2019  وآخر تعديل بتاريخ 29 أبريل 2019 .

التعليقات

Alaa Bobaly منذ 3 شهر
(الفرسان كُثُر لكن ليس جميعهم يجيدون ركوب الخيل بمهارة ، والأدهى أن هناك فرسان بلا جواد ! )
نعم الله يختار لنا الخير دائماً ، أحببت القراءة لكِ ، بالتوفيق .
0
Nada Tarek
شكرا جزيلا :)

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا