استدراك حول الاسم الحقيقي لملكة سبأ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

استدراك حول الاسم الحقيقي لملكة سبأ

  نشر في 22 فبراير 2020  وآخر تعديل بتاريخ 22 فبراير 2020 .

في مقالتي السابقة "الاسم الحقيقي لملكة سبأ"؛ لاحظت أن أكثر التعليقات، تقول هذا افتراض، ويحتاج الى أدلة أثرية، والبعض الآخر يقول لم تقدم المقالة دليلاً مقنعاً، وغير ذلك من التعليقات التي نهضت على واحد من سببين، أو على كلاهما معاً، السبب الأول؛ إن من علقوا على هذا النحو لم يقرأوا المقالة بشكل متمعن، ولم يلتفتوا الى دقة المصطلحات العلمية المستخدمة فيها، وبالتالي الى معانيها على نحو ما تتضح معه لهم قيمة ما عرضناه في المقالة.

أما السبب الثاني؛ فهو أن الغالبية هنا ربما يجهلون الكثير عن علم الأنثروبولوجيا والبحث الاثنوجرافي، ولا يدركون مدى أهمية الدليل الأنثروبولوجي والاثنوجرافي، بالنسبة الى البحث التاريخي والأثري.

لذا، اعتقد أننا بحاجة الى تدعيم المقالة بتوضيح حول طبيعة الدليل الانثروبولوجي والاثنوجرافي وقيمته وقوته.

**

[1]

علم الأنثروبولوجيا- هو علم دراسة الطبيعة البشرية، أو علم الإناسة، أو علم الانسان، وقد تطور على مدى ثلاثة قرون، ويقوم على عدة حقائق ثابتة، أهمها أن البشر جميعا يشتركون بطبيعة اجتماعية واحدة جوهرية واصيلة منذ الأزل والى الأبد، لكن كل مجتمع ينزع الى أن تكون له خصوصية مميزة، وهو ما يعبر عنه اليوم بالهوية أو الثقافة، أي مجموعة من السمات التي يتفرد بها هذا المجتمع على مدى آلاف السنين، تشمل هذه الخصوصيات طرائق التفكير والممارسات الاجتماعية والمعتقدات والتعاملات القائمة على اساس اللغة، بما فيها التسميات، وقد اثبتت الدراسات في هذا الحقل ان للمجتمعات قدرة عجيبة على الاحتفاظ المعلن أو عبر الذاكرة الجمعية بكل القسمات التي ميزتها على مدى آلاف السنين.

[2]

عندما نتكلم عن الدليل الأنثروبولوجي، فنحن نتكلم عن قسمة جوهرية من قسمات المجتمع ميزته على مدى زمني طويل، بحيث اصبحت جزء لا يتجزأ من طبيعته الاجتماعية، التي لا يستطيع التخلي عنها، وأن اخفاها فهي أصيلة وكامنة في ذاكرته ولاوعيه الجمعي العميق ونسميها نحن كانثروبولوجيين بــ الظاهرة، وبالتالي فالدليل الأنثربولوجي هو ظاهرة اجتماعية ذات طابع أصيل وتمثل بحد ذاتها دليلاً حياً ومعمراً لما تعبر عنه، أي أنه دليل ظل يتنفس ويبرز وجوده دائماً طوال حقبة زمنية طويلة.

[3]

عندما نقوم بدراسة ظاهرة انثروبولوجية لها وجود تاريخي مثبت عبر سجل طويل ومتحقق فعلاً تاريخياً، ونحاول أن نرصدها في زمننا الحاضر، فهذا نسميه البحث الاثنوجرافي، أي دراسة القسمات الجوهرية الأصلية المرتبطة بمجتمع على نحو اثني، بمعنى أنها لا تتعدى هذا المجتمع الى غيره، فعندما نجد أن الظاهرة المدروسة انثروبولوجيا موجودة بالفعل في الزمن الحاضر، فإننا نسمي هذا بالدليل الاثنوجرافي، أي ان الظاهرة مازالت قائمة وحية وتعيش وتنبض بالحياة في قلوب أفراد المجتمع ووعيهم العميق ولاوعيهم وتعكسها ممارساتهم الجمعية على نحو جلي وظاهر يصعب انكاره.

**

على هذا الأساس، تعتبر الأدلة الأنثروبولوجية والاثنوجرافية أقوى بكثير من الأدلة الأثرية، لأنها أدلة حية وتنعم بالحياة والديمومة عبر مدى زمني طويل ومتسلسل، وهي فوق ذلك تجسد واحدة أو مجموعة من الخصائص الثابتة والأصيلة التي ميزت المجتمع ورسمت ملمحاً من ملامح هويته وخصوصيته المتفردة، عن سائر المجتمعات.

**

[4]

هذا بالضبط ما ينطبق على الاستدلال الرئيسي الذي صرحت به مقالتي المشار إليها، والمتعلق باستمرار تسمية الفتيات بأسماء معينة على سبيل الظاهرة اجتماعياً، وذلك تأسياً بكونها أسماء لملكات كان لهن مكانة سامية وعالية في نفوس أفراد المجتمع، وكان لهن- أي تينك الملكات- تأثير روحي وفكري وثقافي على المجتمع طوال التاريخ.

كما أن ارتباط هذه الأسماء بنطاقات زمنية وجغرافية متطابقة مع كانت عليه أزمنة وأماكن وجود تلك الملكات، هو بمثابة تقرير إثبات دامغ بأننا ملكنا دليلاً انثروبولوجيا-موجود اثنوجرافياً- في زمننا الحاضر على نحو متسق مع ما كانت عليه الظاهرة نفسها في سياقها الاجتماعي عبر الأحقاب والعصور الطويلة..!!

فكيف يكون الحجر الأصم أو النقش البيوغرافي المكتوب بلغة أو بلهجة وأسلوب ونمط ثقافي غير قائم وغير مألوف لدينا اليوم، أن يكون أقوى وأرسخ من دليل حي يجسده سلوك حقيقي وفعلي لأفراد المجتمع، وظاهرة نمارسها لليوم على نحو ما مارسها به أجدادنا من قبل عبر تاريخ طويل وممتد الى يومنا الحاضر، وما تزال ممارستنا له تتم بناءً على دوافع عميقة كامنة نحتفظ بها في ذاكراتنا ولاوعينا الجمعي منذ مئات وربما آلاف السنين؟!

في الحقيقة، أن الأدلة الأثرية لا تصبح أدلة ثابتة وراسخة، إلا عندما تدعمها أدلة انثروبولوجية واثنوجرافية، وإلا فإنها تعبر عن ظواهر سوسيوتاريخية بصورة مادية أو لغوية ميتة وربما منقرضة وعفا عليها الدهر منذ قرون، كما أنه يصعب الاستدلال بها على نحو شامل ومتسق، في حين أن العكس ليس صحيحاً، وهو أن الأدلة الأنثروبولوجية والاثنوجرافية لا تحتاج لإسناد أثري، كونها حية، والحي لا يحتاج الى دليل لإثبات وجوده..!!

..

أرجو أن يكون الأمر واضحاً الآن.. مع خالص تحياتي للجميع..



   نشر في 22 فبراير 2020  وآخر تعديل بتاريخ 22 فبراير 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا