الشباب التونسي و الهوية - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الشباب التونسي و الهوية

"و الهوية هي حلبة الصراع الحقيقية بيننا و بين العدو"

  نشر في 12 فبراير 2019  وآخر تعديل بتاريخ 14 فبراير 2019 .

"و الهوية هي حلبة الصراع الحقيقية بيننا و بين العدو"

لطالما طرحت مسألة الهوية في مناسبات عدة حضارية كانت أم تاريخية أو حتى أكاديمية علمية ... دأبنا على سماع أن المرء لا يحيا من دون هوية. و حسبنا أننا بالاعتراف يتحقق المراد و يتفعل على بساط الموجود لكن الذي غفل عن الهوية التي نعرف اسمها و لا نستشعر روحها بيننا فذاك لب القضية و أخطرها ...نحن لا نهول أمرا و لا نعطي المصطلحات أكثر من حجمها و لكن نكشف أرقا يتخبط فينا و ينخر أسباب الوجود .الكل يرجع أسباب العوز إلى التخلف التكنولوجي و للاقتصاد المنحدر و السياسات المفتقرة للديمقراطية و تدني المؤهلات العلمية للشعوب العربية و غيره من الأسباب التي لا تمس الجوهر و لكن تبقى على الهامش فيتحول الهامش مركزا و يتشتت أصل الأمور إلى أن تتضاعف أزماتنا و تتشابك مشاكلنا ..

الهوية اليوم عليها أن تزيح البرقع الذي تتخفى وراءه و تتجلى لنا عارية منالتزيين و الفضفضة و الدوائر المفرغة التي تتلحف بها ..

الهوية تبدأ من الكشف عن الإنسان و مكانه..فكلما انتمى المرء لمكان إلا و أضحى صاحب هوية ..فما الهوية كما يحددها تشارلز تيلور إلا انتماء و التزام .و هما حدي الهوية التي لا يمكن أن تخرج عنهما و إلا كان الوجود أعرجا

لست أدري من أكون اليوم هل أنا من هذا المكان و هذا الزمان أم أنني أنحدر من مكان غير هذا ؟ تساؤلات استفزت وعيي و أردت أن أجيب عنها فإذا بي أقف على عجز

كيف يمكن لي و أنا من هذا الموقع أن أفيد الوطن و العباد؟ ..أنا خارج عن هذا أم أنني فيه ؟..هل يرفضني هذا الكل لأنني لست منه و اختلف عنه أم أنه يقبلني لأنني رضخت له و أصبحت منه ؟..هكذا هو حال هويتنا إما رفض و إما اندثار و كلاهما يؤدي للاشيء

الهوية في حدها النفسي :

عند كل حديث عن المميزات الشخصية تجابهنا إجابة عدم التعميم فلكل خصوصيته و هذا صحيح من جهة و على الإنسان أن يعرف نفسه بنفسه كما يشير إلى ذلك سقراط لكن عند أي حد على المعرفة أن تتوقف لصالح الأخر ليستطيع الفرد فينا أن يعيش ضمن مجموعة ؟

تنتهي هذه المعرفة عندما يتفطن الوعي الباطني أن للإنسان أمور يشاركها مع غيره و هذه الأمور لا يشاركها إلا مع بني رقعته ..فالتكوين النفسي للتونسي بني على التناقض بين الأصالة و الحداثة , بين الأصول الشرقية التي حملتها عادات العرب إلينا و الأصول الغربية التي حملها المستعمر عندنا , بين الرفض و الخنوع ,بين العداوة و الاستسلام, بين الحرية و العبودية... كل ما أوردته ينخر داخل النفسية التونسية لأنها وليدة ظروف و لحظات تاريخية فارقة و حاسمة في الهوية التونسية و لهذا خلق هذا التناقض فرادة على بقية الشعوب لكن في عديد الأحايين سقطت بنا الفرادة في التخلف لأننا لازلنا نعاني من عتبة معرفة الذات و الوعي بما هي عليه و نعطي في هذا الصدد مثالا توضيحيا فالهوية بين الرجل و المرأة و إن طرحت قديما و مازالت تطرح حديثا " المساواة التامة بين الجنسين "و دعنا نقف على الموضوع وقفة المحايد فنلحظ تواجد وقفتين ; وقفة المناصر و وقفة المعارض, الأولى في التعميم و الأخيرة في التخصيص ..موقف رافض للتخصيص الأنثوي بمعنى أن معشر النساء لهن من الصفات ما يميزهن على الرجال و يدعون في ذلك إلى الخصوصية الفردية التي لا تميزهن على الذكور و بالتالي لا يمكن الحكم عليهن كجنس متميز عن الرجال و من ناحية أخرى يقف معشر المحافظين لتأكيد على الخصوصية الأنثوية التي تحملها كل النساء .

و كلا الوعيين يوقعان الهوية النفسية أو لنقل الماهية الإنسانية في إشكال الذوبان في الأخر من جهة و القطع و الفصل الكلي مع الأخر من جهة ثانية و الحل الأفضل الجامع بين النقيضين سيكون الخيار الحكيم و هذا الاعتراف بالهوية المتميزة لا يعني التمايز القيمي كقولنا الجنس الأفضل و الجنس الأضعف فذاك أمر سيحيد بنا إلى الهامش .

الهوية في حدها التاريخي :

لعل موقع شمال أفريقيا من المواقع الإستراتيجية التي لطالما اعتمدت في التجارة قديما و كانت محط صراع بين الإمبراطوريات و لعل هذا الصراع الذي قبع في ذاكرة الشعب هو الذي ادخل ريبة في الهوية فمرننا بالتأسيس القرطاجي إلى الغزو الروماني إلى الفتح الإسلامي استطاعت بذلك الأعراق أن تتضارب و تتداخل الحضارات و الثقافات و ينصهر الجزء في الكل...لكن بالعودة لتاريخ البلاد وسكانها لا بد أن نعترف بأن للأرض شعب يسكنها و لكن كذا هو حال الحضارات فبعد البناء يحل الهدم و ما الحضارة إلا هدم و بناء كما يشير إلى ذلك هيدغير ..هذا الأصل و إن اندثر فان معالمه واضحة في التونسيين ابتداء من اللكنة في اللغة التي تتلون بمفردات أمازيغية إلى العادات و التقاليد و النفحات التراثية..الأمازيغية ليست فقط جزء من الهوية التونسية إنما أصلها و بعدها ليس إلا تصاهر مع الهوية الأم ..التركيبة الفسيفسائية لتونسيين و أن كانت مصدر ثراء و دينامكية إلا أنها أيضا عرضة للتلاشي و الذوبان ...الهوية اليوم تشهد مسحا كليا ...ابتداء من العداء الجلي و الواضح لدعاة الاعتراف بالامازيغية كلغة إلى الزحف العلماني على شعب دينه الإسلام إلى ضرب واضح للغة العربية , اللغة الأم لشعبنا ..هذا الضرب وليد سياسيات التبعية منذ عهد الدولة الحديثة التي سعت إلى فرنسة التونسيين إلى عهد التبعية الاقتصادية التي تفرض املاءات ثقيلة على وزارات السيادة ...الهوية التونسية أضحت محل تشكيك و تصادم و نمى مرض التعصب داخل البنية العقلية و النفسية عندنا فالإسلامي على دين الإرهاب و العلماني كافر و الغربي منسلخ و الشيوعي استئصالي...هذا الانقسام داخل البنية الفكرية التونسية أخذ في السنوات الأخيرة يهدد اللحمة التونسية تجاه القضايا المركزية التي أضحت في مهب الهوامش لتحل محلها القضايا الهامشية التي تأصل الفرقة .

هناك عبثية مهولة في استقبالنا ومعالجتنا للأفكار والمعلومات يجب أن ننتبه لها ونقومها قدر المستطاع وإلا فحقا ستدفعنا للخلف حتى تجعلنا في أسفل سافلين تحترق صدورنا عصبية وتطرفا لأفكارنا مهما اشتملت من نقائص وأخطاء. فطريقة أخذنا اليوم للأفكار والمعلومات أصبحت فعليا لا تخضع لأي منطق تقريبا لدى غالبية فئات وأفراد المجتمع، إذ يصل بنا الحال أن نقبل كل ما هو تافه وبين الغلط ما دام صادرا من جهة نواليها أو نكن لها الاحترام وننهج نهجها، بينما الأفكار والمعلومات من أطراف أخرى نختلف معها في الطرح والرؤى أو في التاريخ والمبادئ فدون نظر ولا تحري يكون كل ما هو صادر منها إنما هو لغط وكلام لا يسمن ولا يغني من جوع، بل نراه تهديدا ومعارضة لأفكارنا "المقدسة" التي ربينا على تبنيها أو انضوينا تحت لوائها في وقت سابق. وبالتالي يصبح من الصعب أن نأخذ بفكر الآخر أو نلقح أذهاننا بما هو موجود عند أطراف أخرى حتى لو كنا معجبين مبدئيا بتلك الأفكار وبدت لنا أقرب إلى الحقيقة والواقع.. وهذا بالضبط ما يخلق لك هذا التطرف والانغلاق على الذات وبالتالي بمرور السنين والتجارب نجد أنفسنا نعود إلى الخلف بينما نحاول التقدم ولا نستطيع التقدم ولو خطوة أخرى، ذلك أن الاحتفاظ بنفس النهج لن ينتج شيئا جديدا بل يبقي الأمور في مكانها إن لم يهدمها بينما الآخرون الذين ينهلون من كل المناهل ويختارون أحسنها تراهم بهذا التراكم الفكري والخبراتي يسهل عليهم البلوغ حيث شاؤوا، إذ أن التزامهم الوحيد يكون للمبادئ الأخلاقية والانتماء المشترك، أما الأفكار والوسائل وكل ما يرتبط بمتغيرات الحياة فهو بدوره قابل للتغيير والتطوير والتحوير.



   نشر في 12 فبراير 2019  وآخر تعديل بتاريخ 14 فبراير 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا