الإرادة خير محض.. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الإرادة خير محض..

من أعظم أسرار النجاح

  نشر في 18 فبراير 2019  وآخر تعديل بتاريخ 25 غشت 2019 .


الهمّة هي قرينة الصبر الّتي لا تُنال المعالي إلّا بها، ولا يرتفع للإنسان شأن ولا يعلو له اسم أو يحسُن له ذكر بغيرها. وما سقطت همّة امرئ إلّا وتدانى قدره وتضاءل، فهوى إن كان في قمّة الجبل إلى حضيضه، ولم ينل من مبتغاه ولو نزراً.

الهمّة في اللّغة تعني ما يُهَمُّ به لفعله، واصطلاحاً تعني العزم. العزم على الرفيع السامي، ذي القيمة العالية من الأمور. فذو الهمّة العاليّة مترفّع عن سفاسف الأمور وعن الدناءات وعن كلّ ما يمكن أن يُصغّر من شأنه أو يقلّل من قدره، ويطمح إلى ما فيه رفعة له وإعلاء مرتبة. والصبر والمثابرة أهمّ ميزتين عند ذي الهمّة، فالهمّة مخلوق جسده الرغبة في شيء ما، وروحه الصبر والمثابرة، ومن امتزاج هذه العناصر تكون الهمّة. وهو ما اصطلح على تسميته أيضاً بـ (الإرادة)، وصدق إيمانويل كانت حين قال: (إن كان هنالك شيء هو خير محض فهو الإرادة).

فإذا رغب الهُمام في شيء مزج رغبته فيه بتلك الرّوح العظيمة روح الصبر والمثابرة وسعى إليه سعي النسر إلى فريسته. وما نواله من مبتغاه إلّا على قدر همّته. فمن عوّد نفسه علوّ الهمّة وصبر على ما يقتضيه التدرّب عليها من ألم وعزوف عن مشتهيات كثيرة والعمل الشاقّ ومجاهدة النفس في هذه السبيل حتّى علت همّته وصلبت، فقد أدرك كنزاً عظيماً. وما يكون إدراك الأمور العظيمة بالإخلاد إلى الراحة والرضا من الأمور بأدناها والاستسلام لمشتهيات النفس، حتى يغدو الإنسان أشبه شيء بالبهيمة، الّتي لا همّ لها إلّا إشباع شهواتها دون محاكمة لها أو مراجعة، وما هذا الإخلاد ولا هذا الاستسلام إلّا سببين رئيسين لسقوط الهمّة، كما أنّهما لا ينبثقان إلّا منها، فهي إذن حلقة مفرغة يجب كسر أحد مكوّناتها للخروج منها. وإنّما يكون بلوغ الأمور العظيمة والمراتب الرفيعة والمنازل الكريمة بالجدّ والجهد والسعي الّذي لا يلين ولا يستكين وبالطموح نحو الأفضل والأرفع والأكرم مكاناً ومنزلة.

ولا يتعارض أن يكون المرء هماماً مع كونه قانعاً راضياً بما قسمه الله له، فلا يضير القانع أن يطمح إلى تحسين حاله أو بلوغ آماله. وكفى بالإنسان قدراً عظيماً أن يكون هُماماً، وكفى بها خصلة نبيلة موجِبة للاعتزاز والمجد.

ما الّذي رفع عنترة من حضيض العبوديّة إلى قمّة الشرف والمجد والسؤدد والفخر؟ لا شيء غير همّته العالية. حين كبُر على عنترة وشقّ على نفسه أيّما شقاء أن يظلّ عبداً، عزم عزماً لا تثنيه الأعاصير ولا تصهره أعتى البراكين على أن ينال حرّيّته وأن يكون سيّد قومه وحاميهم وبطلهم، ثمّ سعى نحو مبتغاه بعزمه الّذي لا يلين حتّى أدركه.

وكان سائداً عند صناديد العرب أنّ الواحد منهم له همّة ينازل بها كفأه من الخصوم نهاراً كاملاً دون أن يضعف أيّ منهما أو يُسلم نفسه إلى الموت أو إلى ذلّ الاستسلام عجزاً عن احتمال العناء الشديد، رغم ما يقترن بذلك من تجشّم لوحشة مواجهة الموت ومقاربة له تخور لها قوى النفس الرخوة وتنهار.

وفي كلّ ميدان وحقل، وجود الهمّة العالية يعني وجود روح عظيمة تحقّق المعجزات. فالطالب الّذي طمح إلى أعلى العلامات ووضع نصب عينيه هدفاً لا يحيد عنه، وهو بلوغها، وسعى إلى هدفه هذا مكرّساً له الوقت والجهد والتّركيز، سينالها أو ينال ما يدانيها، ليس كذاك الذّي يدرس دون هدف واضح يسعى إليه، ولا يهمّه أن يكون في مصاف المتفوّقين، فلا يحصل من العلامات إلّا على أدناها.

والمتعلّم الذاتيّ الّذي صمّم وعزم على اكتساب علم جديد عليه بمفرده حتّى يبلغ إتقانه، سيحقّق هدفه إذا ما كان بين جنبيه قبس من هذه الروح العظيمة.

والجرّاح الّذي لا يرضخ ولا يخنع، يمضي الساعات الطوال باذلاً جهداً عسيراً يلاوي به ذراع الموت، حتّى ينتشل مريضه الّذي سلّم أمره إليه من قبضة هذه الذراع محقّقاً إرادة الله في أنّ النصر يكون في صفّ للحياة، إنّما وضع على رأسه إكليل الشرف وتاج المجد جديراً بهما، لما يُنير عقله ويسري في جوانحه من روح الهمّة العالية الصليبة. وكذا قس على جميع الأمور والمطالب العظيمة. يقول المفكّر الفرنسيّ بوفون:

إنّما هي تلك القدرة الخارقة على مثابرة العمل، هي التي تجعل منهم بشراً استثنائيين، وبهذا المعنى، العبقرية ليست شيئا آخر سوى قدرة هائلة على الصبر. المفكّر الفرنسي (بوفون).

ولمن يعاني من دناءة الهمّة والرضوخ للكسل والعجز، وتجنّب السعي نحو الكمال والأمور الرفيعة العظيمة بعض النصائح الّتي ترفع من شأنه وتغيّر من عجزه وتستفزّ إرادته، فإذا أفلح في العمل بها، ولزمها ولم يحد عنها قادته نحو مجده ورِفعته ومبتغاه:

1 أتقن ما تقوم به من الأعمال: ولا تتركه مطلقاً مهما ساورك من الملل أو التعب، حتّى تتمّه. وأحرص شديداً على أن تتمّه بإتقان. وإذا كان من الأعمال الّتي يتطلب إتمامها وقتاً طويلاً، جزّئه ووزّع على كلّ يوم جزءاً منه تتمّه فيه. مثلاً: إذا أردت قراءة كتاب من مئتي صفحة، وصمّمت على أن تتمّ قراءته في أربعة أيّام، فلا تحد عن أن تقرأ منه كلّ يوم خمسين صفحة، مع الحرص على الفهم لما فيه. فالمهم إذن ان تحفز نفسك باستمرار للعمل الدؤوب: أظهرت الدراسات التي أجريت عن الألعاب الاولمبية، وعن الموسيقيّين العالميّين، وأعظم أبطال الشطرنج، أنّهم جميعاً يشتركون في صفة واحدة هي: قدرتهم على تحفيز أنفسهم لمواصلة التدريبات المنتظمة بلا هوادة.

2 لا تهمل صوت عقلك مهما راودتك نفسك على ذلك: فكثيراً ما تقضي عقولنا أنّ القيام بأمر ما واجب. إلّا أنّنا نتجاهل صوت العقل ركوناً إلى الراحة وإلى ما تشتهيه النفس من لذّة، وهرباً ممّا في الانصياع إلى صوت العقل من جهد وتعب.

3 درّب نفسك على اجتناب ما تشتهيه نفسك: (إذا عرض لك أمران أنظر أيّهما أقرب إلى الهوى فاجتنبه). وغالباً ما يكون الأقرب إلى الهوى ألذّ، لكنّ في طيّات هذه اللّذة يكمن الضرر، بل والعطب. وغالباً ما تكمن الحكمة وينطوي الفلاح في ما على الضفّة المقابلة، على الجانب المعاكس لهوى النفس.

4 قلّ من تشبّه بقوم إلّا أوشك أن يصير منهم: إن لم تكن ذا همّة فحاول أن تستدعي هذه الرّوح من أعماقك، إنّها موجودة في كلّ إنسان، لكن كلّما ترك الإنسان العمل بها فترة أطول غارت في أعماقه أكثر، حتّى ظنّ أنّه لا يملكها، وهي في قرارة نفسه. فاعلم أنّك همام، وتشبّه بذوي الهمّة العالية واسلك مسلكهم. وستكون منهم حتماً بعد بذل شيء من الوقت والصبر، والوقت والصبر أقوى المحاربين كما يقول تولستوي.

5 الرياضة: فهي من خير ما يهذّب النفس ويحملها على الصبر ويعلّمها الجَلَد. اختر رياضة تستطيع مزاولتها وادأب عليها وداوم، ولا تتنصّل من أدائها، ليس ضرورة أن تقضي الساعات الطوال في الأداء الرياضيّ، قد تكون نصف ساعة يوميّاً وافية بالغرض.

6 نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع: التزم بهذا الحديث الشريف قدر الإمكان، فالاستسلام لرغبات النفس في الامتلاء من الطعام، وأكل الأطعمة غير الصحيّة إنّما هو مفسدة للبدن، ومهلكة له على المدى الطويل، ومدعاة للعجز والكسل والنفور من العمل الجادّ المتقن ومن بذل الجهد.

هذه الأمور الستّة من أهم ما يُكسب الإنسان الهمّة ويربأ به عن الكسل والخمول، ومن أمثالها ما تستطيع أن تضيفه حسب رؤيتك، وأن تجعله لك عادة ونهجاً إذا ما رأيت أنّه ينفعك. قد تحسّ في بادئ الأمر بالوحشة، بل وبالأسى والشفقة على نفسك لأنّك تجنّبها مشتهياتها، فتوهمك أنّك تعاني الحرمان، لكن لن يطول الوقت حتّى يزول هذا الإحساس ليحلّ محلّه إحساس بالإرادة وقوّة النفس، واعتزاز واعتداد بالذّات، وسرعان ما تصبح هذه الأمور جزءاً من نفسك، تظهر في أفعالك لا شعورياً عندما تتصدّى لعمل شيء ما. وفي الحقيقة، فإنّ إشفاق الإنسان وأساه على نفسه يجب أن يكون من إعطائها مشتهياتها والنزول على كلّ رغباتها الّتي ولا شكّ أنّ في كثير منها فساد هذه النفس، وليس من ردعها ونهيها عن ما يضرّها، وحملها على العمل بما ينفعها: ((قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها)).

ومن الخير أن أُردف حديثي هذا بهذه الأبيات الّتي من شأنها أن تشحذ الهمم وتلفت النفوس إلى ما فيه قوّتها ومجدها:

دببت للمجد والساعون قد بلغوا

جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا

وكابدوا المجد حتّى ملّ أكثرهم

وعانق المجد من أوفى ومن صبراً

لا تحسبنّ المجد تمراً أنت آكله

لن تبلغ المجد حتّى تلعق الصَبِرا*

واعلم أنّ ما من جادّ يصرّ ويلحّ ويثابر في طلب أمر إلّا ويناله، أو يظفر ببعضه.. من استدام قرع الباب ولجّ ولج.

___________

*الصّبِر: طعام مرّ.


  • 5

   نشر في 18 فبراير 2019  وآخر تعديل بتاريخ 25 غشت 2019 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا