حسني الزعيم وحافظ الأسد ... وجهان لطائفية واحدة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

حسني الزعيم وحافظ الأسد ... وجهان لطائفية واحدة

  نشر في 13 شتنبر 2016 .

يتبادر إلى أذهان المطلعين على الشأن السوري وخصوصاً الثورة السورية التي انطلقت في أواخر فبراير من عام 2011م , إن جذور الدكتاتورية والطائفية في تاريخ سوريا الحديث كانت بتولي حزب البعث العربي الاشتراكي سدة الحكم في الثامن من آذار عام 1963م التي أوصلت فيما بعد الطاغية حافظ الأسد رئيساً للبلاد لثلاثين سنة.

إلا أن هذا البلاء كان قبل ذلك بأربعة عشر عاما تقريباً ففي فجر اﻷربعاء الثلاثين من مارس عام 1949م أطلق الزعيم حسني الزعيم الرصاصات الأولى لأول إنقلاب عسكري في تاريخ سوريا الحديث وثاني انقلاب عسكري في العالم العربي بعد انقلاب العقيد بكر صدقي عام 1936م ، وللمصادفة فكلاهما ينتميان للعرقية الكردية .

كان قدوم حسني الزعيم على ظهر دبابته في ذلك اليوم الأسود المسمار الأول في نعش الحياة الديموقراطية في سوريا وإن استئنفت في فترات متقطعة فيما بعد لكن ما فعله هذا الضابط المعتوه الذي كاد ان يعلن نفسه و زوجته ملكاً وملكة على سوريا دمر الحياة السياسية و الإجتماعية في سوريا حتى ظهر الإستبداد الطائفي بصورته الكاملة في إنقلاب حزب البعث العربي الإشتراكي الثاني عام 1966م .

سبق انقلاب حسني الزعيم أزمةً سياسية حادة بين الحزبين الرئيسيين آنذاك الحزب الوطني بقيادة رئيس الجمهورية شكري القوتلي وحزب الشعب المعارض بقيادة المحامي رشدي الكيخيا في الوقت الذي لم تغب فيه بعض الأحزاب الأخرى عن المشهد السياسي , أدت هذه الأزمة إلى صراعٍ بين الحكومة ممثلة برئيس الوزراء خالد العظم وقائد الجيش حسني الزعيم أفضى إلى إنقلاب عسكري على الحكومة الشرعية .

استلم حسني الزعيم السلطة في ظل تأييد الرموز السياسية المحترمة كالرئيس هاشم الأتاسي و جميع الأحزاب السياسية بإستثناء الحزب الوطني الحاكم . بل إن اكرم حوراني زعيم الحزب العربي الاشتراكي تبين فيما بعد أنه كاتب البيان الأول للإنقلاب والذي ما لبث أن انقلب لاحقا وأصبح ضد نظام حسني الزعيم .

كان رد الجميل من الزعيم الجديد لهذا التأييد هو حل البرلمان وتفويض كافة صلاحيات التشريع لنفسه باﻹضافة إلى منصبي رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء و إيقاف العمل بالدستور و حل جميع الأحزاب و أغلاق معظم الإذاعات و الصحف والمجلات بحيث سحبت تراخيص 59 صحيفة ومجلة .

وأصدر قراراً بمصادرة أملاك الرئيس شكري القوتلي وابنه ونفاه إلى مصر . فيما بعد اصدر تعييناتٍ جديدة تضمنت محسن البرازي رئيساً للوزراء و عديله نذير فنصه مديراً للديوان الرئاسي ومستشاراً خاص له و حسني البرازي مستشاراً عسكرياً في حلب و أديب الشيشكلي قائداً عاماً للشرطة والأمن العام وجميعهم من العرقية الكردية , واعتمد آنذاك في السلك القضائي على المستشار حنا مالك النائب العام لدى محكمة التمييز والمحكمة الدستورية العليا وهو من الطائفة المسيحية الأرثوذكسية باﻹضافة إلى تزعمه أحد المحافل الماسونية في سوريا و لبنان كما ذكر ذلك في مذكراته , و لذر الرماد على الأعين أصدر قرارا بتعيين اكرم حوراني في منصب صوري هو مستشار في وزارة الدفاع .

تمادى كثيراً في سياسته العنصرية فاعتمد على مجموعة من الضباط من الأقليات أهمهم ضباط مسيحيون منهم ( بهيج كلاس و أرام كره موكيان و باصيل صوايا و أنطوان البستاني ) , و ضابط علوي اسمه ( عزيز عبدالكريم ) , وآخر شيعي اسمه ( محمد صفا ) وهو من لبنان , أما البقية فكانوا اكراداً منهم ( سامي الحناوي و محمود شوكت و بكري قوطرش و رفعت خانكان ) . وأصدر قراراً بإستحداث جهاز الأمن الرئاسي وتم اختيار جميع عناصره من العرقية الكازاخية على أن يقسموا يمين الولاء والطاعة لشخصه لا للوطن .

وأظهر عنصريته ضد العرب وهم غالبية الشعب السوري حينما أصدر قراراً بإعادة تشكيل عناصر وقطاعات الجيش العربي السوري بحيث تكون الحاميات العسكرية في المدن الرئيسية من العرقيات الكردية والشركسية وغيرها من اﻷقليات الأخرى , أما العناصر العربية فأبعدت إلى القطاعات النائية و على الجبهات وفي ذلك نية واضحة لتثبيت أركان حكمه الطائفي ومنعا لحدوث أي انقلاب عسكري ضده .

أما من الناحية الإجتماعية فقد حارب القيم و الأخلاق اﻹسلامية للشعب السوري فأعلن سخطه على الزي العربي التقليدي والطربوش مانعا إرتدائه في الدوائر الحكومية بل إنه جاهر عن نيته بمنع إرتداء النقاب للنساء واصدار تشريع بذلك .

وانتشر في عهده خصوصا لدى الطبقة الإرستقراطية الغنية ارتداء الرجال للقبعات الأوروبية الضخمة وارتداء النساء للأزياء الفرنسية , وانتشرت الملاهي الليلية الصاخبة بموسيقى الجاز الأمريكية وظهرت في تلك الفترة ظاهرة المومسات في الشوارع ليلاً , و إمعاناً في محاولة علمنة الدولة حينما كان يصف نفسه بـ (اتاتورك سوريا) ابتدئ بنفسه حيث كانت زوجته (نوران باقي زاده) تتجول في شارع الحمراء في دمشق مرتدية أحدث صيحات الموضة الباريسية وتدخن السيجارة ذات المبسم في مشهد لم يألفه المجتمع السوري المحافظ .

و صادق على حزمة من القوانين والتشريعات تضمنت قوانين اﻷحوال الشخصية التي ألغت العمل بالتشريعات اﻹسلامية وأقرت المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة في الميراث وكافة أحكام اﻷسرة , باﻹضافة إلى إلغاء قانون اﻷوقاف اﻹسلامية بحجة حفظ المال العام من جشع المشايخ والعلماء حسب إدعاءته ، ولمعرفة حجم خطورة هذه التشريعات فقد كان المسؤول اﻷول عن وضعها هو المستشار (حنا مالك) والذين كان من أهم رموز الماسونية في عالمنا العربي وهو الحاصل على درجة الأستاذ اﻷعظم الثلاثة و الثلاثين وذكر ذلك بالتفصيل في مذكراته.

أما على الصعيد السياسي و الإقتصادي فقد قادت سياساته الهمجية إلى أزمات سياسية خانقة مع دول الجوار وصلت إلى درجة إغلاق الجمهورية اللبنانية حدودها بشكل كامل مع سوريا و صراع عسكري مع المملكة الأردنية الهاشمية كاد ان يتحول إلى مواجهة عسكرية حقيقية , أضف إلى ذلك تكبيل سوريا بالديون والقيود التي لا تزال مستمرة حتى اﻷن ، فقد قاده جنون العظمة إلى توقيع عقود ضخمة مع بريطانيا وغيرها لتسليح الجيش السوري فاقت الموازنة العامة للدولة ، مما إضطره إلى الخضوع لجملة من الإملاءات الغربية كان على رأسها الإعتراف بالكيان الصهيوني على أرض فلسطين المحتلة والذي توج بإتفاقية الهدنة الدائمة التي تنازل فيها عن ما يسمى مستعمرتي ( مشمار هاردن ، وكعوش ) ومزرعة الخوري , ومنح عشرة أمتار من الضفة الشرقية لبحيرة طبريا للكيان الصهيوني .

وهنا كان رئيس وزراءه محسن البرازي هو عراب المفاوضات فقد اتصل بالصهاينة أكثر من مرة برعاية السفارة الأميركية في دمشق و وصلت المفاوضات إلى حد الاعتراف الكامل بما يسمى (دولة إسرائيل) و تجنيس ثلاثمائة ألف فلسطيني في سوريا باﻹضافة إلى عقد مؤتمر علني يجمع حسني الزعيم بالرئيس الصهيوني بن غوريون ، الأمر الذي فاجئ الرئيس الصهيوني ودفعه للرفض خوفا من ردة فعل الشعب السوري .

أما الإتفاقات اﻹقتصادية فكانت كارثية بما للكلمة من معنى ، فقد وقع حسني الزعيم في الثلاثين من حزيران مع شركة التابلاين الأميركية اتفاقاً يسمح لها ببناء المطارات وسكك الحديد وبناء المنشأت واستيراد المواد و البضائع بإعفاء ضريبي شامل على أن تدفع للحكومة السورية سنويا 20 ألف جنيه إسترليني فقط .

ووقع اتفاقاً آخر مع شركة المصافي المحدودة البريطانية لتصدير النفط العراقي عبر ميناء بانياس ، وتعطي اﻹتفاقية للشركة البريطانية إمتياز لمدة سبعين عام ( أي تنتهي في عام 2019 م ) تسمح لها بإنشاء المصافي وصيانتها دون إستشارة الحكومة السورية أو الرجوع إليها وتتعهد الحكومة باﻹعفاء الضريبي الشامل عن العائدات النفطية باﻹضافة إلى إعطاء الشركة الحق في إنشاء موانئ او وضع أي ميناء من موانئ سوريا تحت تصرفها و لها الحق في إنشاء السكك الحديدية و الطرق البرية والشبكات الهاتفية و اللاسلكية، وتمنح الحكومة اﻷجانب العاملين في الشركة تسهيلات خاصة للتنقل عبر المراكز الحدودية ، ولا تنتزع الأراضي منها طوال مدة اﻹتفاقية ، على أن تنتقل ملكية كافة منشأت الشركة بإنتهاء الاتفاقية للحكومة السورية ، وكل هذا مقابل عائدات نسبية ضئيلة ( 6 مليون جنيه استرليني مقابل 2 مليون طن نفط اﻷولى ، و 10 مليون جنيه استرليني مقابل 4 مليون طن نفط الأولى ، و 13 مليون جنيه استرليني مقابل 6 ملايين طن نفط فما فوق ) .

ووقعت اتفاقية مع شركة خطوط أنابيب الشرق الأوسط المحدودة البريطانية تعطيها امتيازاً لمدة سبعين عاماً ، وذلك لمد وصيانة الأنابيب النفطية من العراق شرقاً حتى البحر اﻷبيض المتوسط غرباً عبر اﻷراضي السورية ببنودٍ مشابهة للإتفاقية السابقة .

و لم تتوقف حماقاته عند هذا الحد ، فقد اقدم على تسليم أنطوان سعادة زعيم الحزب القومي السوري اﻹجتماعي للسلطات اللبنانية بعد أن حصل انطوان سعادة الهارب من قبضة اﻷمن اللبناني على الأمان الكامل من حسني الزعيم معطياً اياه مسدسه الشخصي دلالةً على شرفه العسكري الذي خانه فيما بعد ، الأمر الذي أصاب الشعب السوري بالغضب العارم نتيجة هذه الخيانة الصريحة ، ولم يعلم حسني الزعيم إن هذا الحادثة ستنهي مغامرته السياسية المجنونة .

ففي ليلة 13 اب 1949 م ، قام مجموعة من الضباط بقيادة العقيد سامي الحناوي باﻹطاحة بنظام حسني الزعيم و اعتقاله هو و رئيس وزراءه محسن البرازي و ومستشاره الخاص نذير فنصه وأجريت لهم محكمة عسكرية صورية انتهت بإعدام حسني الزعيم و رئيس وزراءه محسن البرازي ونجا نذير فنصه من اﻹعدام ، وكان ذلك في صبيحة 14 اب 1949 م ، الذي أنتهت فيه فترة حكم دامت 137 يوما فقط لضابط متهور كانت له المقولة الشهيرة ( اريد أن أحكم سوريا يوم واحد فقط ، و اقتل بعده ) و كان له ذلك .

إن إعادة قراءة هذا الأحداث وسردها من منظور مختلف ليس بغرض إذكاء النعرات الطائفية والعرقية ولا بغرض تخوين طائفة أو عرقية دون أخرى ، فالثورة السورية العظيمة التي اطلق شرارتها اطفال درعا حمزة الخطيب ورفاقه الشهداء بإذن الله ، وأعلن الدفاع عنها الضباط والجنود الشرفاء على رأسهم المقدم الشهيد حسين الهرموش رحمه الله لم تحدث نتاج لحكم حزب البعث الاستبدادي بقيادة الديكتاتور الهالك حافظ الأسد وابنه السفاح بشار من بعده ، بل هي تراكمات لإستبدادٍ طائفي وعرقي إستهدف الهوية العربية والإسلامية لسوريا الحديثة ، ابتداءً بإنقلاب حسني الزعيم وصولا إلى إنقلاب حزب البعث الثاني عام 1966 م ، فقد صدقت مقولة الزعيم الوطني فارس الخوري حينما عرض عليه حسني الزعيم تولي رئاسة الوزراء فرفض قائلا ( لقد فتحت يا حسني باباً لن يغلق من بعدك ) .



   نشر في 13 شتنبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا