حول أصل تسمية العرب وتاريخ ظهورهم - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

حول أصل تسمية العرب وتاريخ ظهورهم

  نشر في 17 يونيو 2016 .

حسناً، لدينا هنا مشكلة أساسية دائماً ما تطرح، ليتم مناقشتها مرة بعد مرة بعد مرة، حول أصل تسمية العرب ومتى ظهروا تاريخياً..

سأطرح هنا ما أراه، وليس ما قد يفهمه البعض انه حقيقي مطلق، إنها رؤيتي واجتهادي الشخصي فقط.. حول أصل تسمية العرب ومسارها التاريخي..

لقد صار لدينا اليوم أدلة أثرية موثوقة بأن تسمية العرب والأعراب كانت معروفة من عهود سحيقة تعود الى نهاية الألف الثالث وبدايات الألف الثاني قبل الميلاد.. والمشكلة في نظري تكمن في تعدد افهامنا للتسمية من زاوية الأدلة الأثرية، وتصادمها أو محاولة الاستفادة منها في اثبات ودعم ما نسميه اليوم هويتنا العربية..

تسمية العرب - في نظري- في جذرها الأول والاساسي تشير دلالتها الى معنى اللسان أو اللغة من جهة، ومن جهة أخرى تعني التآنس والتعايش بين أقوام تتكلم لغة واحدة، ولكن مع الوقت تطورت الدلالة وخصوصاً مع ظهور كلمة (أعراب)- لاسيما في المساند اليمنية القديمة- والتي تعني الحالة المضادة للعروبية أي البداءة، فالعروبية من عرب صارت تعني التحضر والحياة المدنية لأقوام متعددة يربطها المشترك اللغوي، وكل منها كون لنفسه حضارة متفرعة من الحضارة الأم ولكنها اتخذت طابعاً مميزاً جعلها مستقلة بنفسها، ودون أن تنفصل عن حاضنتها الأساسية، أما تسمية (الأعراب) والتي تشير الى حال (البداءة) فكانت تسمية تشير الى ارتباط فئة من الناس بشعوب واقوام المنطقة من حيث المشترك اللغوي نفسه، ولكن جرى تمييزها بناء على نمط حياتها الاجتماعية والاقتصادية، ثم أننا سنجد أن تسمية الأعراب سوف تحمل دلالات أخرى منها (المتمردين- الخارجين عن النظام- اللصوص وقطاع الطرق) وهي معاني ترتبط فعلياً بسلوك البدئيين عموماً والبدو بشكل خاص في كل الأحوال، فهم لا يخضعون لدولة ولا يعيشون وفق نظام ويعتمدون في عيشهم على السلب والنهب والغزو.. وهذه أمور ثابتة ولا تحتاج الى اثبات..

من هي الشعوب أو الأقوام التي أطلق عليها (العرب) وفي مقابل أياً من الشعوب التي لم يطلق عليها هذا الاسم؟- هذا هو السؤال المهم..

وأقول هنا.. بناءً على التمييز السابق بين العرب والأعراب، نجد أن شعوب المنطقة -كلمة المنطقة في هذا السياق أقصد بها بالتحديد ما يعرف في الميراث الحميري بــ (البوابات الأربع) وهي: جزيرة العرب والعراق وسوريا ومصر- قد حملت شعوبها أسماء متباينة: (السومريين، الآشوريين، الأكاديين، البابليين، الآموريون، الأدوميين، الفينقيين، الكنعانيين، الآراميين، السبئيين، الحميريين.. الخ)- في الوقت الذي لازالت النظريات القائلة بأن كل هؤلاء الأقوام خرجت من جزيرة العرب، من أكثر النظريات ترجيحاً وأكثرهن قبولاً، بل وتؤيدها أدلة اركيولوجية وانثروبولوجية كثيرة.

في هذا المحيط من التعددية والتباين بين الشعوب والتي انعكست لاحقاً على ما يمكن أن نسميه الحضارات المستقلة، ظهر اسم العرب والاعراب، وقد عرفنا أن الاكاديين والأشوريين اطلقوا التسمية هذه (عربن) على فئة معينة لم تكن تخضع لهم، وربما كانت تتسبب بالأذى لمصالحهم التجارية، علماً بأنها في الأصل (أعربن) لأن الألف كان يسبق كل الأسماء الأكادية نطقاً ولا يكتب، وهذه ظاهرة معروفة أيضاً في الكتابة المصرية القديمة وأيضاً في الكتابات السبئية والحميرية القديمة، ولهذا غالباً ما يضع معدي المعاجم اللغوية الأجانب رمز (c) صغيراً في بادئة الاسم على غرار (cRB= ARB) ولكن الرمز يكون صغيراً ومرتفعاً قليلاً..

المهم أن (عربن) في الكتابات الأكادية كانت تشير الى الأعراب (البدئيين) ولا أقول البدائيين (الهمج) أو البدو، لأن كلمة البدئيين تعني بدقة الذين يعيشون في مرحلة انتقالية بين الهمجية والحضرية، والبداوة ليست الا شكل من اشكال البدئية، فهناك مجتمعات بدئية لم تكن بالضرورة متنقلة وتعيش حال البداوة، تماماً كما كان مجتمع مكة قبل الاسلام، إذ لا يمكن عند التزام الدقة اعتباره مجتمعاً حضرياً ولا يمكن أيضاً اعتباره مجتمعاً بدوياً.. وأيضاً كما في يثرب، وغيرها..

وفي مقابل هذا كله، فإننا لن نجد شعباً أطلق عليه اسم (العرب) سواء كجنس (قومية عرقية أو لغوية) أو كمجتمع ودولة، أو كحضارة، لقد ظل هذا الاسم خامل الذكر، لأنه يعبر عن الجميع أو أصل ما هو قاسم مشترك بين جميع شعوب المنطقة: العروبة اللسانية التي أعتقد شخصياً بأنها تشير الى لغة أصلية تفرعت منها اللهجات حتى صارت كل لهجة اشبه ما تكون بلغة مستقلة.

ويمكننا على سبيل المثال، استبدال مصطلح اللغات السامية بمصطلح اصدق وأدق وهو اللغات العروبية، كما يمكننا حصر آلاف المفردات والقواعد النحوية والصرفية المشتركة بين اللغات الاكدية والكنعانية/ الفينيقية/ الأمورية والسريانية والآرامية..الخ ثم أننا نجد هذه المشتركات تصب كلها بدون انعدام في اللغة العربية..

لعبت حركة الجولان للأقوام هذه نفسها في المنطقة دوراً كبيراً في الحفاظ على هذا المشترك اللغوي العروبي.. كما حافظت على الصلات الحضارية والانثروبولوجية والتشابهات الثقافية والفكرية بين هذه الشعوب، والتي يسميها علماء التاريخ (تأثيرات متبادلة).. مع أنها في حقيقتها إنما تعكس تعددية وتباين لحقيقة واحدة، وهي أن جميع شعوب المنطقة شكلت على الدوام لوحة فسيفسائية لكيان واحد. ولكن لم تكن النزعات العرقية والقومية قد نهضت حينها، نظراً للطموحات التوسعية التي ارتبطت بكل الكيانات السياسية التي كانت تنشأ داخل حدود منطقة البوابات الأربع، فالاكاديين والآشوريين مدوا نفوذهم الى سوريا واجزاء من جزيرة العرب، وكذا الكنعانيين (الفينيقيين/ الآموريين)، وكذا السبئيين والحميريين.. ولم يكن لدى تلك الشعوب أي مشكلة في أن يحكمها ملك آشوري أو مصري أو كنعاني أو سبئي، لأنها على قناعة بأنهم جميعاً من أرومة واحدة، وأن أسباب الصراع كانت سياسية أو اقتصادية أكثر منها عرقية أو حضارية، فقد حافظ الكنعانيين في سوريا الكبرى على خصوصياتهم الثقافية دائماً، وهم تحت سيطرة الأشوريين أو سيطرة المصريين.. كما حافظ الهكسوس على الثقافة المصرية نفسها بل واندمجوا معها وفيها في فترة سيطرتهم على مصر..

نخلص هنا الى أن كلمة عرب لم تشير الى شعب بعينه، الا في عيون المؤرخين اليونانيين، عندما اطلقوا على جزيرة العرب (يمان العربية السعيدة) (AYAMAN ARABI FLIXE)، في مرحلة متأخرة تعود الى القرن الخامس قبل الميلاد بالحد الأقدم الأقصى.. وهي تعم جميع سكان الجزيرة العربية، تماماً كما هو اليوم اسم العرب -الذي لم نتفق عليه نحن- مستخدم في أوروبا وامريكا ليشير الى كل الشعوب العربية بدون تمييز.. فالآخر دائماً لا يرى الفروق الدقيقة التي نراها نحن في الداخل بين بعضنا البعض، فمثلما لا يفرق الغرب اليوم بين المصري والسوري والعراقي واليمني.. لم يكن اليونان يجدون فرقاً بين شعوب المنطقة القديمة.. ولكن اسم العرب لم يستخدم رسمياً وبدلالته القومية من الداخل الا بعد معركة ذي قار التي انتصرت فيها القبائل العربية على الجيش الفارسي، ضحى البعثة النبوية، ثم جاء الاسلام وأرخى سدولها لتصبح تسمية ذات دلالة مزدوجة قومية ودينية، وللأسف فإن هذا تم بشكل ساهم في تصحيف الحقائق السابقة لما كان عليه الأمر.

بالنظر الى القرآن الكريم، نجد اشارات واضحة الى ان العروبة ليست الا لسان، وفي أعلى تقدير هي (حكم) -والحكم هنا بمعنى منطق أو عرف أو امر اعتيادي مألوف- ولا توجد اشارة قرآنية اطلاقاً الى المعنى القومي العرقي للعرب..

كلمة أخيرة، حول الاعتقاد الخاطئ والشائع اليوم بين الكثيرين من المنسلخين عن عروبيتهم والنازعين الى اعلاء هويات قطرية لا أساس لها على الاطلاق، وهو الاعتقاد بأن الفتوحات الاسلامية هي من عربت سوريا والعراق ومصر وشمال افريقيا، وهذا ليس صحيح اطلاقاً، فعروبية هذه الاقطار قديمة جداً، قام بها السبئيين والحميريين منذ بداية تشكيلاتهم السياسية والحضارية، التي تعود الى الألف الرابع قبل الميلاد وليس كما يدعي المؤرخون بأنها فقط تعود (1200 ق م).

لقد تمت عملية العوربة هذه وفق قواعد السبئيين والحميريين المعروفة لدينا بــ (التمصير والتحيير)، فقد كانت عاداتهم اذا اتجهوا شرقاً -جهة العراق وما وراء النهرين- أن يحيروا (أي يقيموا قواعد عسكرية غير ثابتة- ومنها جاء اسم الحيرة)، فكان مسيرهم شرقاً يعتبر غزواً عسكرياً، أما مسيرهم غرباً جهة شرق وشمال افريقيا فكان يسمى (تمصير- أي استيطان دائم بشكل سلمي ولم يكن يوصف بأنه غزو اطلاقاً) ومنها تسمية مصر الى اليوم، وقد ارتبط التمصير السبئي بالحركة الجولانية لشعوب المنطقة وعوربتها، ولكن دون طمس للخصوصيات المحلية.


  • 5

   نشر في 17 يونيو 2016 .

التعليقات

شكرا على المعلومات القيّمة.تمنيت لو لم ينته مقالك.
0
فكري آل هير
يمكنك قراءة مقالين آخرين هنا يكملان هذا الموضوع

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا