نظرية العقد الاجتماعي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

نظرية العقد الاجتماعي

في نظرية العقد الاجتماعي

  نشر في 30 يونيو 2018  وآخر تعديل بتاريخ 03 يوليوز 2018 .

في نظرية العقد الاجتماعي..

وجان جاك روسو..

هيام فؤاد ضمرة..

لا يهمني في شيء الانخراط في سيرة المفكر جان جاك روسو غير الاهتمام بفكره وعلمة الذي تركه على رفوف المكتبات ليحاور من حلاله عقل القارئ الذكي والفصيح ويفيد المطلع الذي يتعمق في البحث عن الحقيقة.

لكني أرغب حقيقة أن أخبركم أن هذا الكاتب السويسري الجنسية إبن صانع فني للساعات، وأسمي مهنته بالفني لأن صناعة الساعات في سويسرا نهضت بوطن وشعب يعيش ضمن مساحة محدودة تغطيها الثلوج أغلب أيام العام وتصل إلى ارتفاعات مهولة، ولا يملك باطن أرضها أي من المواد الخام مما يدعم اقتصادها، ولأنّ سويسرا أقامت مشروع حضارتها على ثلاث صناعات ومشروع مالي ريادي ذكي، صناعة الساعات والشوكلاتة والجبن، ومشروع نظام الاعتماد البنكي في موضوع الحسابات السرية التي تتوافق وسياسية التغطية على حسابات لصوص الأوطان الكبار،

وجان جاك روسو يعتبر مؤسس الرومانتيكية الحديثة، اهتمامه بالإنسان جعله إنساناً عاطفيا يمتاز بالصدق والموضوعية ويقدس أخلاقيات الوفاء والفضيلة، ومن هنا كان عقلة ديناميكياً فاعلا في التأسيس للنظريات الانسانية والاجتماعية.

وتناول العديد من المفكرين أدبيات الفكر الإنساني منذ القدم إلى يومنا هذا في مجالات عدة منذ بدء تكون المجتمعات الكبيرة، فبلور الحكيمين اليونانيين سقراط وأفلاطون في زمن قديم 400ق.م فلسفاتهما بشكل نظرية اجتماعية لوصف الحالة التي يجب أن تكون عليها المجتمعات الإنسانية وعلاقتها بالسلطة العليا والعكس.. وقدم تصورهم ونظرياتهم العديد من المفكرين في مرحلة عصر النهضة والتنوير لتنظيم العلاقة بين السلطة والشعب، أمثال هوكو كروتيوس 1652م والألماني إيمانويا كانت 1721م والانجليزي توماس هوبنز 1679م والانجليزي جون لوك 1704م والفرنسي جان جاك روسو 1778م والفرنسي بيير جوزف بردون 1851م وجون رولز1971م ودافيد كوتيه 1986م وفيليب بتيت 1997م من العصر الحديث، لتظهر انعكاسات هذه النظريات بوصفها قانوناً بشريا مدنياً محركا للنظام السياسي لها تأثيرها على مجتمعات العالم، تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم وتحدد حقوق كل منهما وواجباته، ويعتبر العقد الاجتماعي وثيقة مناهضة لأنواع الحكم الفردي المطلق والدكتاتورية والاستبداد في الحكم أو خروج المحكوم عن الطاعة بقدرها وطريقتها المناسبتان.

ثمة فروق جوهرية بين أصحاب النظريات لكن الحقيقة أن تعددها أتاح مجالاً رحباً لتوسيع قاعدة الرؤية وأفقها الأعلى، مما وسع بالتالي المدارك وعظم خياراتها في نهاية المطاف، لضمان حفظ الحقوق ومساواتها على قاعدة العدالة الإنسانية وحماية الحريات ووضع أنظمة وقوانين محققة لهذه للعدالة، وضامنة لحقوق الحاكم والمحكوم على حد سواء.

وتم انضاج الرؤية في نظرية العقد الحديث ومبادي القانون السياسي في وضع ميثاق اجتماعي يكفل كافة الحقوق والحريات ويبين كافة الشروط التي يجب اعتمادها لتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم لبناء حياة صالحة ذات علاقات إنسانية جيدة في المجتمع المدني وبناء عليها يحدد شكل الأنظمة المتبعة التي تكفلها.

ما يلفت النظر في جان جاك روسو أنه إنسان صاحب حظ عاثر غير موفق عاش حياة البؤس والشقاء على مدى طويل من مراحل حياته واختلط بفئة القاع من الشعب مما أتاح له أن يكون على دراية عميقة بأسرار المجتمع في زمانه ومتطلباته، وتعثر كثيرا في مشوار حياته المهنية وعمل في عدة اختصاصات، كما ألف العديد من الكتب في عدة تخصصات مما يوضح سعة تفكره وقدرته على التركيز والتفصيل والبحث العلمي المجتهد.. في الفنون والعلوم والموسيقى والتربية والسياسة والرواية ومن ثم في "أصل التفاوت بين البشر" وكتابه الشهير "إميل أو التربية" في فلسفة التربية عام 1762م وبنفس العام طبع كتابه الأشهر "العقد الاجتماعي" وأخيرا ألف كتابه "الاعترافات" عام 1766م منهياً بذلك سوء طالعه في مواجهة قسوة العيش، لتفتح له الحياة صدرها بالترحاب وتغدق عليه من خيراتها، فقد اعتبر كتابه العقد الاجتماعي من أقوى المؤلفات السياسية في عصره الذي وضع فيه تصوره للدولة والسلطة والحقوق والحريات والحق الطبيعي مؤسساً بذلك على الفطرة الانسانية وحاجات الفرد بين الجماعة والسيادة من حيث أصولها وفروعها وأوصافها وحدودها وأشكالها، وموضحاً المعنى الواضح في فنون الإدارة العامة ومزاياها.

فقد كان جان جاك روسو قارئاً نهما في كتب الفلاسفة فخلقت منه فيلسوفا محنكاً وعبقرياً حدقاً مخترقاً لأعماق الفكر، فقد تأثر بقوة في كتاب جمهورية أفلاطون، ورسائل مونتين في التربية، ورسائل لوك في التربية والسياسة، فقد آمن إيمانا راسخاً بفكرة الدولة الطبيعية المتوائمة مع الفطرة وبفكرة المجتمع الطبيعي الذي يعمه السعادة والرخاء والأمن والعدالة، تلك التي تستخرج الطبيعة الخيرة بالإنسان وتجعل منه مواطناً صالحاً سالماً من أي شر، ومعتبراً أن الحياة تمنح ثلاثة حالات تعليمية الطبيعة والإنسان باستيعابه وأدائه ثم البيئة بما تمنحه من فعل عبقري.

أما التربية فقد نظر إليها من باب تأثيرها على التنمية الكاملة للفرد عقلا وفكرا وأداءاً لخلق شعور قوي بالمواطنة والانتماء لاكتمال الإعداد المهني بالانسان وتحسين أداءه المهني، فقسم حياة الطفل على مراحل من التعلم والتطور بحيث ينعلم الطفل تطوير حواسه وتنميتها مما تعلمه إياها الطبيعة الأم والتجربة والاعتماد على الذات وتعلم اتخاذ القرارات ووضع الأهداف نصب الأعين والعمل على الوصول إليها بالجهد الذاتي والذكاء الفطري والابتكار في ذلك باختصار الطلاق وتقوية تأثير الأهداف.

وجعل جان جاك روسو من الرواية والقص أسلوبا تعليمياً شيقا مليئا بالدروس التفصيلية بطريقة غير مملة ولا مستهجنة، وجعلت من نظريته تبدو محببة إلى النفس ومتقبلة بطريقة مؤثرة على النفس الإنسانية، مما جعل كتبه تبدو كالعقد تكمل بعضها البعض في اخراج إنسان خير ومعطاء بإبداع وتتيح مجالاً رحبا لإطلاق الملكات الذاتية التي تطلق الخطى العامة نحو التطور العام.

صوَّر روسو الإنسان في مرحلتين، مرحلة التأثر بمقتضى الفطرة المتحررة في الطفولة غير المقيدة بأغلال الاستبداد والعبودية، ومرحلة الرشد التي تجعله مقيداً بأنظمة الحكم والقوانين الوضعية خاضع لكل أحكام القانون الوضعي المنبعث من نفس حاكمة ومتحكمة بالجماعات، ومستخدما روسو لإحقاق العدالة التفسير المنطقي لحكمة تتوقف حرية الفرد عند حدود حرية الجماعة، وتوقف حرية الجماعة عند حرية الفرد، في معادلة عادلة لا تشوبها الشوائب، هو نظام اجتماعي متكامل يجري على الطرفين وباءاً عليه يجب إدراكه والعمل به لتحقيق الحرية والعدالة المأمولتان.

فمن الخطأ التعامل بالسلطة من باب التسلط بالقوة وزرع بذور القهر وكتم الأنفاس وخنق الحريات والاستبداد بكل معناه الدكتاتوري، والأبوية ليست تسلط على الرقاب إلا في حدود الرعاية إلى سن النضوج الطبيعي والاعتماد على الذات في الدفع الذاتي في الحياة وأداء واجباتها ضمن أنظمتها الإنسانية البحتة، لإطلاق ملكات الابداع بالنفس وتحررها من القهر والعبودية.

فالأسرة هي أول وأقدم تجمع إنساني في الخليقة، وتعتبر لب التكوين المجتمعي واللبنة الأولى في مبتناه الفطري، والمجتمع ليس أكثر من تجمع أسر تتجمع في مكان واحد ويجري عليها قانون واحد ونظام موحد، تشكل في مجموعها وانتظام تحت سلطة واحدة تقود مصالحها الجماعية والفردية بحكمة وعدالة ومسواة، وهو ما بات يسمى السلطة السياسية والعمل السياسي المنظم لحياة الجماعات والشعوب، وكل جماعة سياسية لا يمكن تصور وجودها إلا بعقد اجتماعي متفق بينهم يصدر عن اجماع ورغبة مضمونة بالموافقة، فيستمد العقد قوته من قيمته من موافقة الطرفين الحاكم والمحكوم بإجماع المحكومين وشمول الحكام من كافة الطاقم السياسي، فإن خرج الحاكم "الطاقم السياسي" عن حدود العدالة والمساواة والمصلحة العامة انفك العقد تلقائياً لأن دور الحكام السياسيين أن يحققوا حياة أفضل للمحكوم "الشعب" ويؤمن حياة يسودها الأمن والحريات والمساواة والحقوق المدنية جميعها بلا نقصان

ونظرية العقد الاجتماعي تقر أن وجود الفرد يسبق وجود الجماعة ولهذا فعلى الحاكم أن يراعي المساواة حتى لا يكون هناك تفاضل بين الناس فيطبق القانون على فئة دون الأخرى، ويقر كذلك أن لكل شعب خصوصيته، وبالتالي فهم من يحددون في شكل عقدهم الاجتماعي..

لهذا سأجعل مقالي التالي عن العقد الاجتماعي الاسلامي على ما وردت صورته وهيئته الشرعية في القرآن الكريم والأحاديث النبوية، وناقشه الفيلسوف المسلم ابن خلدون في تاريخه ومن بعده الفلاسفة من المسلمين المجددين.


  • 3

  • hiyam damra
    عضو هيئة إدارية في عدد من المنظمات المحلية والدولية
   نشر في 30 يونيو 2018  وآخر تعديل بتاريخ 03 يوليوز 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا