ذاكرة المكان - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ذاكرة المكان

ذاكرة المكان

  نشر في 21 نونبر 2021 .

ذاكرة المكان

مرة أخرى مع أمير الشعراء حيث يلمس نداء الأمكنة في عقولنا وعواطفنا وأحاسيسنا بكلمات تختصر تجارب الحياة والشعراء بعبقرية لا تجد لها مثيلا على سطح اللغة العربية , برؤية شاعر يرى شوقي أن المساحات التي منحت لنا منذ الولادة وحتى مساحة القبر قد لا تستحق الاهتمام واحتفاظ دهاليز القلب لصور تلك الأماكن , فقط هناك مكان يختصر تلك الأمكنة في ذكريات الوجود والوجد , وهذه الأماكن لا يراها إلا العاشق فقط , ربما تمكن الشعراء من تخليدها في ذاكرتهم المكانية بصور شتى تختلف من شاعر لشاعر , ولكن القلة منهم من يُغرقك معه في تخليد أمكنته بروعة الوصف وعبقرية الحروف , حين تبهرنا تلك الصور المكتوبة عن تخليد المكان أو الزمان الذي زرعه الشاعر كنجمة في ليالي الجمال والحب يأخذنا نهر الحنين لأماكن وأزمنة تخصنا وحدنا , فنزور تلك الأماكن والأزمنة مع الشاعر في مركب الكلمات الحالمة إلى حيث كنا ذات زمن , ربما تتعدد تلك الأماكن والأزمنة من حيث نزفها للوجع والذكرى والشوق والفقد , ولكن يبقى دائما ثمة مكان أو لحظة تتفرد عن البقية في قمة الوجع وتتحدى أفة النسيان والوقت .

في جبل التوباد أكاد أزعم أن شوقي رصع القلب والذاكرة بحروف مضيئة لن يستطيع الزمان لها محوا أو ربما تقليدا أيضا , فكل بيت وكل كلمة في جبل التوباد تحتل مكان قصيدة شعر في تاريخ العربية , المعاني التي تنصهر في كلماتها وصورها العبقرية مخاض لا يتوقف من الآهات والمشاعر والخيال المتفجر , ففي جبل التوباد كان الحبيبان في مهد الهوى طفلين صغيرين نسيا حليب الأمهات الفطري والذي تقوم عليه الحياة , ليذكرا رضاعة الهوى من ثدي التوباد , هذا الحجر الذي مدهم بماء الحياة وأرضعهم العشق عبر هذا المكان الذي تحور لذاكرة مكان تطوف جموع العاشقين حوله كلما تحدثت الأمكنة عن لحظة ولادة العشق , ولم يكتفِ جبل التوباد في منح العاشقين مهدا لولادة عشقهما فقط بل تعهد برعاية العاشقين أزمنة أخرى , فمنحهما خلود المكان حيث رعيا غنم الأهل على سفحه زمنا من العمر , وكانت ملعب الصبا ومرتعا لعشقهما , ولكن وفاء المكان وحنان التوباد لم يكن كافيا لحفظ هذا العشق إلا عبر الشعر والكلمات , ولكن المرابع التي تسلى بها العاشقان ذات زمن ثم بعثروا حجارتها , وكذلك الرمل الذي خط عليه العاشقان حروفا وكلماتا لم يكن بوسع الرمل حفظها , فذاكرة الرمل رهينة للريح القاسية التي محت كل الحروف والكلمات , وتظل تلك الأمكنة التي تخلد في ذاكرة الشاعر وقلبه محررة من الزمن , فهي مكنونة في زاوية في فؤاده خارج حدود الزمن وقسوة عجلاته , تلك الأمكنة تظل محتفظة بعمر الشاعر وحبيبته حيث تأخذ زاوية في القلب دون صحبة الوقت , فيراها وتراه كما حفظت ذلك ذاكرة المكان , فبالرغم من مرور العمر يعود الشاعر لسفح الجبل ويجد حبيبته طفلة كما هي ولم تزد برغم السنين إلا أصبعا فقط , ولكن أيام الصبا لن تعود , إلا في ذاكرة المكان , وفي زاوية بعيدة من القلب .

وتغني شعراء العربية بالأطلال ليس إلا نوع من التغني بذاكرة المكان , المكان الذي غاب عن العين وربما اندثرت معالمه , ولكنه في زوايا القلب مازال ينبض بالحياة والصخب ووجه الحبيب الذي ظل كما هو رغم مرور السنين .

وقيس بن الملوح يقول :

أمر على الديار ديار ليلى

أٍقبل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حب الديار شغفن قلبي

ولكن حب من سكن الديارا

فقيس هنا يمر على ذاكرة المكان وقد خلى من دار محبوبته , ولكن أثار تلك الديار مازالت قائمة , فلم يجد غير أن يقبل تلك الجدار التي حفظت ذكريات الحبيب ولحظات اللقاء , وابن زيدون حدثنا عن مكان اسمه الزهراء والذي احتفظ بذكرياته مع ولادة حتى أن النسيم أصابه اعتلال ورق لشوق الشاعر وافتقاده لمحبوبته فيصف لنا ذلك بقوله :

إني ذكرتك بالزهراء مشتاقاً

والأفق طلق ووجه الأرض قد راقا

وللنسيم اعتلال في أصائله

كأنما رق لي فاعتل اشفاقا

وهناك الكثير من الشعراء في الحاضر والماضي ممن تحدثوا عن ذاكرة المكان , ومنهم :

امرؤ القيس , والذي ذكر لنا (سقط اللوى) , فطلب من مرافقيه أن يمنحوه لحظة بكاء على المكان الذي شهد لقاؤه بحبيبته , فقال :

قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ

بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ

ويقول لبيد ابن ربيعة :

عفت الديار محلها فمقامها

بمنى تأبد غولها فرجامها

وعنترة بن شداد ذكر مكان محبوبته عبلة فقال :

يا دار عبلة بالجواء تكلمي

وعمي صباحاً دار عبلة واسلمي

وكذلك النابغة الذبياني يذكر لنا دار محبوبته فيقول

يا دارَ ميَّةَ بالعلياء، فالسند

أَقْوت، وطال عليها سالف الأبد

وقفتُ فيها أصيلًا كي أُسائِلها

عيَّتْ جوابًا، وما بالرَّبعِ مِن أحدِ

وزهير أيضا يقول

تبصَّرْ خليلي هل ترى مِن ظعائنٍ

تحمَّلْن بالعلياءِ مِن فوقِ جُرثم

بكَرْن بكورًا واستَحَرْنَ بسُحرة

فهنَّ ووادي الرَّسِّ كاليدِ للفَمِ

وطرفة ابن العبد يقول :

لخَوْلة أطلالٌ ببُرْقةِ ثَهْمَدِ

تلوح كباقي الوَشْمِ في ظاهرِ اليدِ

وقوفًا بها صحبي عليَّ مطيَّهم

يقولون: لا تهلِكْ أسًى ، وتجلدِ

يكاد يكون وعاء القلب عند الشعراء واحد , فذاكرة المكان جزء في أقصى القلب يتشاركون فيه بكاء الفراق والوقوف على أطلال الأماكن التي كانت ذات زمن محور الوجود , يتقاسمون فيها لهفة اللقاء , ويمارسون صلب الزمن عبر لحظة عشق تظل تراودهم عن نفسها كلما بعدت بهم المسافات وأسرعت عجلة العمر نحو النهاية , فيلتفتون برهة حيث ذاكرة المكان تمنحهم أزمنتهم القديمة حيث الشباب الدائم وجمال محبوبتهم كما هو في لحظات اللقاء بعيدا عن قسوة الزمن ونار البعد والفقد .

والأمثلة تكاد لا تنتهي بين شعراء الأمس واليوم في ذكر المكان , ولم يكن القصد في تقصي كل ذلك , ولكن شوقي يأسرك بكلماته القليلة الحبلى ببراكين الإبداع والخيال الجامح الرقيق .



   نشر في 21 نونبر 2021 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا