أطباقنا الباردة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أطباقنا الباردة

رغد خميس

  نشر في 16 يناير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 15 شتنبر 2016 .

-نفسي بالمقلوبة والهيطليلة يما حضريلي اياها للعشا

-من عيوني

أوَ للقلب شَعَرٌ و خصَلٌ؟ ذاكرتي المطلة على ساحل الدم والتي تكبر على وجع وموت تشدني من خصلة قلبي الأصلع وتصفع وجهي القريب الغريب بحقيقة الغياب واستحالة الإياب, كيف أصبح شكل وجهي الآن بعد كل هذه الصفعات؟ هل ما زال محافظا على قسمه مع الجمال؟ أم أنه نسي القسم الذي أغلظه واستبدله بكفارة عابرة؟ ربما قد دفع وجهي كفارة قسمه بإطعام جماله لستين دمعة وستين وجع أو أنه اعتكف مجبرا في محراب الغياب لثلاثة قرون أو يزيد.

مقابل النافذة التي تطل على زقاق حارتي الميتة أجلس و أمسك المرآة التي حفظت تفاصيل شكلي وحواراتي الطويلة الكثيرة, أحدق كالعادة فيّ فلا أعرفني, أبحث عني في المكان فلا أجدني, أحاول دوما أن أجد الرابط المشترك بيننا, أحاول أن أفلسف كل ما حدث معي وأبرره لأكتشف فيما بعد أن خساراتي كلها سقطات حجر نرد أحمق!

أهزني الآن وأصرخ في وجهي وأصفعه ليضحك, وجهي الذي شهد الخسارات كلها والأوجاع حتى آخرها, أتوسل إليّ بأن أقوم من غيبوبة اللاوجود, أنظر إلي في المرآة إلى وجهي الذي جلد بسياط اليتم باكرا جدا, و أحدق في عيني اللتين اكتستا ثوب التجاعيد قبل الأوان, كل شيء تغير وخلع وجهه فلا أنا أنا ولا المكان مكان.

أصبحنا فكرة معلقة ما بين بين, صرنا أرجوحة قبل الغروب يلتف حولها أطفال الحارة يتشاجرون أيهم سيعتليها أولا, فيأتي غريب يأخذها ويحل القضية, نحن الحاضرون في" وقت الشاي" وليالي الثمالة, باعونا في سوق نخاسة بسعر رخيص, وتوجهوا لحانة ليغسلوا الخطية بالخطية.

أدرت رأسي فإذا بالحليب يطفح على الموقد, قذفت المرآة فتهشمت وركضت مسرعة لاعنة شرودي المستمر, هذه المرة العاشرة التي أوصي فيها نفسي بأن أنتبه للحليب فأفشل, مسحته على عجل, وحملت نفسي بعد أن ارتديت حجابي وجلبابي وذهبت إلى سوق اللبن باحثة عن العجوز التي تبتاع حليب أغنامها كل صباح فلم أجدها يا إلهي! ما الحل؟ سيكتشف سليم إن اشتريت حليبا من محلات باب الزاوية وسيضرب عن تناول الهيطلية.

وأنا في الطريق, أوقفني طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره وهو يتوسل إليّ بأن أشتري " الحصن الحصين", أغرقني بالدعوات كغيره من الأطفال, " الله يخليك مشان الله تشتري مني واحد " نظرت إليه وقلت له: " ليش انت هون ..لازم انت تكون بالمدرسة صح؟" قالها لي كقذيفة: " ومين بدو يطعمي أمي وأخوتي؟" وقتها زاد الشرخ في روحي, سمعت نحيب قلبي علينا, على كل الثقوب التي تنخرنا وتأكلنا وتنهكنا, بكيت على وجعنا, بكيت على أطفالنا الذين عجنتهم الحياة بمائها العكر باكرا, هذا الطفل الذي يخرج صباحا ويعقد صفقة مع الأرصفة ليبتاع علكة ويتوسل المارين بأن يشتروا منه هو نفسه الذي باع كل أحلامه دفعة واحد لا لشيء فقط لأن والده رحل ذات حرب وقذيفة. أكملت مسيري وأنا أبكي, السماء تبكي أيضا لكن كلنا يبكي على طريقته.

اشتد المطر, وضرب البنفسج حنينه داخلي ركضت مسرعة في الشوارع محاولة الاختباء من المطر, بحثت عن مكان أنتظر فيه فتذكرت فيروز و أغنيتها" وأنا بعز الصحو ما حدا نطرني"

ياه هل للمطر جنون وفرح؟ هنا لا تجد طفلا يركض فرحا تحت المطر حاملا شمسيته الوردية وهاربا إلى بيته ذات القرميد الأحمر, المطر موجع هنا! المطر لعنة تحل على رأس طفل تحت خيمة, طوفان من قطرتين يغرق شيخا ويسحبه إلى مثواه الأخير, لا بيوت للكثيرين هنا وهناك.

كان لابد أن ألقي تحية الصباح على العم أبو صالح وحطته ودكانه الصغير وحكاية البحر بطبيعة الحال, هذه الحكاية التي رواها لكل أطفال الحي, الحكاية العالقة في ذهن كل طفل عاش هنا, وأنا في طريقي, التفت لليمين حيث كان أبو صالح يجلس دوما بنظارته ذات العدسات السميكة وصحيفته التي تغطيه فلم أجده, لا زلت أذكر جيدا تفاصيل وجهه وهو يغني: " هدي يا بحر هدي طولنا في غيبتنا" , كان بودي أن أشكو له قلبي المفخخ بألغام من وجع, أبو صالح الذي كان يحدثنا عن البحر ويافا بكل شهية وفرح, هو نفسه الذي كان يعلق في رقبته مفتاح العودة, ويقول: " ايه في أمل" أنا التي عشقت يافا على وقع حكاية أبي صالح. أفتقد صباحاته أفتقد صوته الآن أفتقدني أنا كرامة التي صرت لا أعرفها, لم يعتد قلبي غيابه بعد, أو بالأحرى لم يعتد قلبي غيابهم , لم ولن أمرنّ ذاكرتي على النسيان فالنسيان تأشيرة أولى لبيع القضية وضياعها, "الكبار يموتون والصغار ينسون" هكذا قال بن غوريون لم يعلم بأن الكبار يموتون والصغار يثأرون و يفورون و ينتقمون وينتصرون.

سليم يؤمن بكل ما خطه غسان كنفاني, غرفته تفيض بعباراته, مشبع بالقضية حتى آخرها, كان يراقب ما يحدث في الساحة الفلسطينية ويعلق على كل ما حدث وما يحدث ويفلسف الأمور إن لزم الأمر, هذه الانتفاضة الأولى والأخيرة التي يشهدها سليم, عندما اندلعت انتفاضة الأقصى عام 2000 كان وقتها سليم طفلا غير مدرك لدمنا وانكساراتنا, في الفترة الأخيرة أصبح يراقب بصمت بليغ, كلما سألته عن رأيه في الأحداث الأخيرة, آثر الصمت وأجابني بتنهدات طويلة.

موتنا معلن على شاشات التلفاز, أسماؤنا كشهداء محضرة على طبق من كفن وورد, كان يقضي سليم جل وقته متنقلا بين قنوات القدس والأقصى وفلسطين, سمعته يومها يقرأ الشريط الإخباري: " سقوط شهيد آخر في مدينة الخليل" جئت من المطبخ مسرعة كان سليم واقفا أمام التلفاز مبحلقا بالخبر

مستحيل مستحيل

فرك عينيه ضرب رأسه, ثم أمسك بهاتفه, المكالمة الأخيرة بينهما كانت الساعة الخامسة والنصف مساء , الشريط الإخباري الذي يحمل خبر استشهاده الآن في تمام الساعة السادسة مساء, نصف ساعة كانت كفيلة بتحويله إلى ذكرى.

سقط بكامل ربيعه أرضا ضاغطا على أسنانه, اقتربت وقتها منه واحتضنته فاستسلم بكل ما فيه من حزن وخسارات

يما استشهد أحمد يما راح الغالي.. يما أحمد لحق عبد الله ما ضلش إلا أنا

قلتها له يومها: لا تنس قرار الكنفاني " القرار الموجز" (ليس المهم أن يموت أحدنا المهم أن تستمروا"

الجنازات أصبحت من طقوسنا اليومية, كل يوم شهيد وفي كل بيت شهيد وكلنا شهداء وقف التنفيذ, ألم يقلها تميم البرغوثي: " كأن الموت قابلة عجوز تزور الحي من آن لآن"

رجعت إلى سوق اللبن فإذا بالعجوز التي تبيع الحليب هناك, حيتني بابتسامة وناولتني كيسين من الحليب كالعادة, حفظتني فأنا المرأة التي تأتي إليها كل يوم عند الساعة العاشرة صباحا لتشتري منها الحليب, أحضر دوما صحون الهيطلية والمقلوبة وأنتظر.

أنتظر من أوصيته على نفسه وعلى اختباره, أنتظر من طلب مني المقلوبة, أنتظر سليم الذي وعدني قائلا: " ما تخافي يما رح أحمل أعلى شهادة"

كل مساء أجلس أمام المقلوبة وصحون الهيطلية وأنتظر سليم الذي حولوه إلى رقم هناك.


  • 4

   نشر في 16 يناير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 15 شتنبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا