مثل الطيور .. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

مثل الطيور ..

  نشر في 21 أبريل 2019  وآخر تعديل بتاريخ 23 أبريل 2019 .

مثل الطيور ..أحلق عاليا بأجنحة من الأمل ..ألامس الغيوم و أجوب السماء تاركا نوافذ قلبي مفتوحة لإستقبال كل ذلك الكم من الضوء ...كان كل شيء يبدو صغيرا ، نظرية الأبعاد كانت تتلاشى كلما إرتفعت للأعلى .. ..

لم أكن أملك شيئا ..فقط مضلة و شيء من الشجاعة

و جرعات من الجنون و الجرأة أحقن بها نفسي كل مرة ..

وسط العواصف كنت أحلق غير آبه لكلمات تلك المقدمة بالتلفاز وهي تتحدث عن الطقس و تنبؤاتهم السخيفة كل مساء ..

..غير مبال بما سيحدث معي

وسط الأعاصير بأعجوبة كنت أنجو .. ..

.فقط أحلق دون إنتظار أي شيء ..

دائما ما كان الإنتظار يقتل بداخلي ذلك الحماس ..حماس كل شاب لم تشب أحلامه ..

بكل صباح أستيقظ و لا أفكر في شيء غير التحليق ..غير الإبتعاد من هذا المكان .. كنت أعاني حساسية مفرطة من جاذبية هذا العالم

.. مثل سجن ..مثل سجين كنت أحس ..

مع كل فجر أحطم الأصفاد ..و أصيح عاليا ..لاشيء سيوقفني ..

هو كذلك لاشيء كان سيوقني لولا ذلك اليوم المشؤوم ..لولا تلك العاصفة التي عادت بي إلى سطح الأرض بعدما ألفت التحليق بأحلامي عاليا ..

سقطت ..لم يكن سقوطا لم يكن إنتحارا ..أجبرتني الظروف على فعلها ...مثل إقامة جبرية فرضتها الأرض علي..سقطت و لا بأس بالسقوط إن لم يكن النهاية ..

لا شيء كان سيوقفني لولا ذلك السقوط ..و تلك الكسور بجسدي ..لولا تلك الجروح ..لما توقفت عن إضاعة مزيد من المغامرة ملقا على الأرض ..حاولت أن اتشبث بغصن شجرة بقربي حاولت أن أجرب التحليق مجددا ..و لكن يدي لم تكن تعمل ..لقد أصبت بالشلل ..

يقيت ممددا هناك مثل ورقة خريف تخلت عنها الشجرة بأول فصل من كتاب الشتاء .. على الأرض ملقا دون حراك .. مغطا بقطع من مضلتي ..بشيء من ألوان السعادة فوق جسدي ..

لم أجد يدا تلتقطني من الأرض ..لم أجد من يجمع بقايا تلك الأحجية من جسدي..

كنت وحيدا ..لا زلت أذكر تلك اللحظات ..وحيد كنت ..استمتع بالألم

أستمتع بطعم الإخفاق و الفشل ..أبتسم مثل مجنون لا يعرف ما يحدث حوله ..فقط أبتسم ..

حين سقطت أدركت لأول مرة كم هي الأرض قاسية و كم هو الإصطدام بها عنيف

أدركت الكثير من الأشياء حين سقطت ..

أشياء جميلة و أخرى حزينة لم أفكر بها يوما ..

حين سقطت الكواكب بداخلي ..قلت أنها النهاية ..نهاية الفصل الأخير من رواية الأرض و بداية فصل جديد من رواية السماء ..

كنت معلقا بين ترددات قلبي ..و إنقباض روحي ..و بين أنفاسي الضائعة بالمكان..

لم أستطع التنفس ..

كنت أختنق ببطء ..

أرى الطيور تحلق برأسي ..أرى أحلاما كثيرة تمر بسرعة بشاشة عقلي ..الكثير من الذكريات ..كم هائل من اللحظات ..

أكتفي بالمشاهدة ..

أنتظر رؤية صورة لي و أنا أحلق عاليا ..

شيء من بعيد أتى مسرعا ..

.اللون الأبيض هو كل ما أذكره عنها ، كان صوتها الشيء الوحيد الذي سمعته قبل أن أفقد وعيي ..الشيء الوحيد الذي علق بذاكرتي ..

صوت سيارة الإسعاف يا سادة ..وهي تدوي بي مسرعة نحو مستشفى لن يغير شيئا من قدري ..

فقط قليل من الدم الذي فقدته ..و بعض الأوكسجين الذي سيحافظ على نبضي ..

بمهل ..حملتني الأيادي من الأرض ..

فقدت وعيي و لا أذكر ماذا حصل لي بعدها ..لا أذكر شيئا ..

فتحت عيني ببطء ..هل أنا بحلم ، أم أن الحلم علق بداخلي ..

هل انا بالسماء أم بالأرض لا أدري بأي صفحة توقفت بالأمس ..وجدت نفسي مستلق فوق سرير بغرفة مثل صفحة بيضاء أصغي إلى عزف الأجهزة من حولي ..

بقيت لدقائق أستوعب الأحداث ..و لكنها لم تستوعبني ..

أيقنت أني بالمستشفى ولكن بعد مرور ساعات

سقوطي لم يكن سهلا ..

دخلت الممرضة إلى غرفتي لتتفحضني ..بعد أن فقد الجميع الأمل في إسترجاعي ..

كنت مجرد جثة هامدة بغرفة منسية بالمستشفى ..

نظرت إلي ونظرت إليها في إستغراب ..

لم تصدق ..بعد كل تلك السنوات ..أفقت أنا تعيس الحظ في نظر الجميع ..

خرجت مسرعة ..كل ماقالته هو كيف حالك ..

دخل الطبيب رفقة بعض الممرضين و قامو ا بالكثير من الفحوص ليتأكدوا أني بخير .

لم أكن بخير ..نعم لم أكن كذلك ..ما الفائدة من حياتي من بقائي ..

كنت مثل أحلام كثيرة بجسد عجوز منهك لا يستطيع الحراك .. ...قال الطبيب أني دخلت في غيبوبة دامت عشر سنوات ...

ليس هذا ما صدمني ..

الصدمة الكبرى كانت بعد مرور أيام ..

حينها بدأت أكتشف الحقيقة التي لم و لن أتقبلها ..

وجدت نفسي بكرسي متحرك ..لا أستطيع أن أن أحرك يدي ..أصابعي ..أن أرفع قدمي ..

لم أصدق أن تهوري و جنوني ..سيصل بي إلى هذا المنعطف الخطير ..

سأواصل حياتي فوق كرسي متحرك ..أنتظر من يطعمني من يهتم بي من يرفع يدي ..من يحتملني ..من يطرد ذبابة تضايقني وهي تتبختر بخطواتها فوق وجهي ..من و من ..و من سيفعل ذلك ..

بذلك اليوم تحطم كل شيء ، مضلتي، شجاعتي ، حماس الشباب بداخلي .. العظام بجسدي ..و مرآة الأمل بقلبي .

شلل كلي أصابني ..و لكن عقلي لازال يعمل ..

و ما الفائدة أيها الأحمق ..

لازلت تكذب على نفسك ..لا زلت تتظاهر بأنك بخير أيها المغفل ..

لم أصدق الواقع ..و لا أنا تقبلت الفكرة ..

وحيد بذلك المستشفى ، وحيد بين الغرف أترامى ..

لا أعرف أحدا ..

لقد صرت عبئا كبيرا على كل ممرض بهذا المكان ..

آسف حقا ..ليس إختياري..

لم تعد الأرض قادرة على حملي بعد أن اعتدت التحليق كل يوم فوقها ..

لم أعد كذلك اليوم ..

كانت رواية جميلة ..مغامرة خطيرة ..

و المؤسف بها أني لم أمت ..و بقيت هنا فوق كرسي متحرك أحلم

بكل دقيقة أتساءل ..

ياترى ماذا سأدفع اليوم ثمن المحاولة أم ضرائب الإخفاق لأني حاولت ..

لا أدري حقا ..

أهكذا هي الحياة ؟.

#موساوي عبد الغني ..



   نشر في 21 أبريل 2019  وآخر تعديل بتاريخ 23 أبريل 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا