حيث تجددت نفسي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

حيث تجددت نفسي

خطواتي في ألمانيا. ...

  نشر في 24 مارس 2017  وآخر تعديل بتاريخ 21 شتنبر 2017 .

"لا أعلم لم رددت الآذان حينها" ....

قرأت مرة قولين منفصلين لكنهما اجتمعا بداخلي في تجربة واحدة غمرتني بشيء غريب من النضج

الأول هو أننا حين نسافر فإننا نعيد اكتشاف ذواتنا من جديد ووتتسني لنا الفرصة لنعرف حقا من نحن.

و الثاني أننا في عمر الثامنة عشر لا بد من تغير أن يطرأ علي حياتنا شيء جديد داءما ما يطرأ نجده يعبث بكينونتنا يغير فينا الكثير يطيح بثوابتنا البريئة و مسلماتنا التي رسختها سنواتنا المعدودة في الحياة بل إن بعضنا تنقلب حياته رأسا علي عقب في هذه السن البعض يبتسم له الحظ فيجد شغفه المنتظر في و البعض الآخر يجد حبه الأول أو ذلك الصديق الذي سيشيب معه .

و قد تسنت لي الفرصة لأجمع بين يدي قدرا كبيرا من النضج و كأنني جمعت في سلتي حجارة من القمر..وذلك لأنني و في سن الثامنة عشر وقفت في مطار القاهرة بصحبة حقائبي دون أن تساعدني بها أمي أو يتأكد أبي من أن جواز سفري بحوزتي لم تكن رحلتي الأولي علي الإطلاق و لكنها كانت رحلتي الأولي بدونهما ....كنا مجموعة من الطلاب لم يجمعنا سوي ذلك المزيج الغريب من الحلم و الشغف و علاماتنا الدراسية المرتفعة و التي بالطبع أهلتنا لمثل هذه الرحلة

لم تكن ألمانيا بوجهتي المفضلة ظننت بسذاجتي أننا لو كنا أوفر حظا لسافرنا لإيطاليا أو لفرنسا فبالطبع هذان البلدان سياحيان من الدرجة الأولي

لم أعلم أن ألمانيا لها طابع خاص ربما إن أردنا وصف السياحة هناك فسنسميها سياحة العقول .في ألمانيا المشي في الشوارع في حد ذاته بمثابة تجربة تثقيفية فريدة من نوعها لا زلت أذكر تلك المرة التي أخبرني فيها أحد المقيمين هناك "أن الألمان هم أعداء العفوية " و بالعفوية أعني كل ما نسميه نحن تغافلا '' قضاء و قدر " فحتي لا تصدم سيارة شخصا بريئا في الليل بفعل الظلام و "القضاء و القدر" الشوارع مراقبة بالكاميرات و رجال الشرطة كالعسس من زمان الفاروق كما أن الالتزام بإشارات المرور بمثابة طقس مقدس لا ينبغي تغييره أو انتهاكه حتي أنه كان من المضحك بالنسبة لنا أن أحدهم ليثبت لحبيبته كم هو شجاع و قوي قام بعبور الشارع و إشارة المرور لا تزال حمراء وسط انبهارها المتزايد و ضحكاتنا المكتومة . علمت حينها لم أصر المشرفون علي أخذنا في جولة في شوارع برلين بمجرد وصولنا لم تكن جولة سياحية أو ترفيهية نحن فقط مشينا في شوارع هذه المدينة لكنها كانت تجربة مهمة حقا لا تقل أهمية عن حضور صف دراسي أو قراءة كتاب. كانت الشوارع بمثابة جامعة مفتوحة و كنا نحن نسطر أحلامنا بينما نخطو في الطرقات تتراءي أمامنا شوارعنا بضجيجها و زحامها و ضحكات المارين بها و روحها الدافئة التي لا تسلبها النوائب و لا يمكن إيجادها في أي بقعة أخري من بقاع الأرض كانت الطرق هادئة للغاية لا يشق هدوءها سوي أصواتنا و ربما تنهيدة أطلقها أحدنا متمنيا لو اجتمع اخضرار تلك الأشجار التي كنا نمر بها تباعا و مظاهر تلك الحضارة الفتية التي أخذتنا معها بعيدا مع ما نمتلك نحن في بلادنا من تلك الأصالة والعراقة التي ليس لها مثيل بالنسبة لي لم أشعر أنني معهم بل كنت في موطني و لكن بثوب جديد ثوب صنع من اخضرار الأشجار و صفاء السماء و ذلك النظام الغريب الذي جعل الشارع كلوحة جميلة لا تزال لها وجود حي في وجداني

"إن تاريخ ألمانيا له تأثير شديد على حاضرها "

هكذا بدأ مساعد وزير الخارجية الألماني حديثه معنا في محاضرة رائعة عن الماضي و الحاضر في محاولة لإيجاد ملامح المستقبل .حدثنا عما مرت به بلاده في الماضي عن النازية و آثارها أشار بيده لمقعد كان يجلس عليه هتلر مع غيره من القادة كنا في تلك الغرفة التي بنيت فيها الأمبراطورية الألمانية في فكر هتلر ثم هدمت علي أرض الواقع ليدفع الثمن شعب بأكمله كما هو الحال دائما .أشار بيديه لمقعد هتلر فرأيت من خلال كلماته معاناة قديمة خاضها ذلك الشعب لم تكن معاناة الحرب وويلاتها أو انهيار الاقتصاد و الفقر بل كانت معاناة الكراهية و قسوة العنصرية من الصعب حقا أن تبني دولة علي الكراهية ...أن تملأ خطاباتك السياسية التي تحرك بها الجماهير بقدر ليس بقليل من احتقار الشعوب الأخري و غض الطرف عن أولئك المختلفين عنك في دينهم أو معتقداتهم . كيف تتوقع سلاما و استقرارا و أنت تتغاضي ببراعة عن فئة كاملة من البشر يشاركونك الأرض التي تعيش عليها فقط لأنهم خلقوا بلون مختلف أو دين مختلف أو عرق -كما كان يقول- ليس بنقاء عرقك ؟!!. من الغريب حقا أنه من المفترض أننا الآن نعيش في عصر السلام من المفترض أن الحروب قد ولت بكل ما جلبته معها من دمار و خراب بكل تلك المفاهيم القاسية عن العنصرية و رفض الآخر لكنني أري العالم الآن أشد قسوة من ذي قبل أري قسوته متمثلة في طفل صغير ملقي علي شاطيء و قد رحلت عنه روحه بعد لأي و لم يكن له ذنب سوي أنه "سوري". بل أري قسوته في معاناة يخوضها شعب بأكمله كل يوم ليثبت أن الأرض التي يعيش عليها هي  أرضه و أن ذلك العلم الذي يحمله يستحق مكانا علي خريطة العالم . يجاهدلإثبات أن اسم "فلسطين " ليس فقط عنوان قصيدة أو كلمة عابرة في نشيد بل ملحمة و تاريخ ووطن و شعب. رأينا جميعا ذلك التاريخ المؤلم الذي سرده لنا في المحاضرة حين زرنا ماتبقى من سور برلين الذي كان يقسمها لنصفين منفصلين غير مسموح بالتقائهما . كانت لحظة مليئة بالمشاعر تلك التي دخلنا فيها المتحف الذي أعد خصيصا ليروي مأساة تقسيم برلين و ليوثق كل دمعة و كل انكسار و كل ذكري فرار أو محاولة فرار كانت لحظة مليئة بالمشاعر تلك التي شاهدت فيها المقطع الذي هدم فيه السور و توحدت المدينة مرة أخرى وسط دموع الانتصار و ذكريات الماضي و الأمل في مستقبل يكونون فيه شعب واحد و كأنها كانت لحظة ميلاد جديدة لشعب أنهكته الحروب . لا أدري لم ذرفت دمعة حينها ربما لأنني أدركت أن معاناة الشعوب واحدة في شتي بقاع الأرض و أن التاريخ و إن اختلف بين هنا و هناك فهو ليس إلا انعكاس لإنسانيتنا فكل وطن هو قصة يرويها شعبه و نحن مها اختلفت لغاتنا و أوطاننا و هوياتنا سيبقي التاريخ شاهدا أننا جميعا ننشد السلام و نكره الأطماع و الحروب.إن كل طاغية يبدد آمال شعبه لابد و أن يأتي اليوم الذي يلفظه فيه التاريخ فلا يبقي منه سوي ذكري عابرة . أدركت أن تاريخا حافلا كتاريخ ألمانيا هو ما جعلها اليوم من أكبر الدول الداعمة للحقوق الإنسان فلا غرابة في أنها فتحت أبوابها لملايين من اللاجئين في سابقة لم تفعلها دولة أخري و قد كان من العظيم حقا أن تصرح المستشارة الألمانية "ميركل" وسط أحداث من الإرهاب اجتاحت أوربا و نسبت ظلما للإسلام أن المسلمين جزء لا يتجزء من المجتمع الألماني إنه المجتمع الذي ذاق من الكراهية و التمييز ما ذاق فقرر أن يرفع راية للتعايش و السلام .لم نمض في ألمانيا سوي أسبوع واحد لذلك لا أستطيع أن أقول أنني شعرت بغربة لكنها كانت المرة الأولى التي أكون فيها من فئة الأقلية أن أفرح بشكل غير اعتيادي عند سماعي كلمات عربية بالجوار أو عندما تمر من أمامي فتاة محجبة فنتبادل نظرات التحايا و الود كما لو كنا أصدقاء منذ زمن إن من الصعب حقا أن تتماسك هوياتنا علي تلك الأراضي البعيدة ووسط تلك البرودة الموحشة و عندما تتطاير كلماتنا العربية في الأرجاء خجولة تبحث عن مثيلاتها فلا تجد . من المؤلم حقا أن تحمل هويتك في قلبك لأنك تخاف نسيانهاو ألا يكون لك موطم سوي كلمات تتمتمها وسط غرباء لا يفهمونك و لا يشعرون بك. كنا نجوب المدينة حين تعاونت الأمطار و برودة الجو مع تلك الخواطر في جعلي في اشتياق غريب لأراضينا العربية زادني ألما تلك اللهجة السورية التي كنت طرأت علي أذني رغما عني تعيد إلي ذهني مأساة ذلك الشعب الذي تشتت في البلاد تذكرني بكل قصيدة عن حلب و كل نشرة أخبار مزقت قلبي وقفت أتأمل ذلك العلم السوري الذي كان يحمله البعض في الميدان يعلنون قيام دولة في قلوبهم تعوضهم عن تلك التي استحالت ركاما و كأنهم كانوا يقولون "نحن هنا...نحاول البقاء ...نحاول الإبقاء علي أشلاء هويتنا ....علي ماتبقى من وجودنا ..علي كل ما قاوم الشتات و استطاع النجاة"حينها نزلت دموعي حائرة مختلطة بقطرات المطر ثم انطلقت دقات الكنيسة عالية تدق الشارع و تضفي أثرا تاريخيا علي ذلك المشهد فأدركت حينها أننا بأعلامنا و قصائدناو إسلامنا و أوطاننا المشتتة هنا و هناك وهويتنا الحائرة نغادر الأندلس مرة أخري نصبح غرباء من جديد تشرذمنا المعارك من جديد و كأنني من بني الأحمر حين كانوا يهمون بالرحيل عن غرناطة أنقل نظراتي بين المشتتين من حولي أنظر لتلك السيدة العراقية التي تسير هائمة و لذلك الشاب الفلسطيني الذي يوزع المصاحف باللغة الألمانية و لذلك العلم السوري الذي يرفرف بانكسار مع أحبائه أغمضت عيني و رددت الآذان في سري رددته كما لو كنت أخاف نسيانه ولا أدري لم رددت الآذان حينها.في اليوم التالي كنا نتعثر بخطواتنا علي جبال الألب نستنشق الهواء النقي و نستلهم من بياض الثلج الذي نراه للمرة الأولى ثوبا جديدا لأرواحنا وقفت علي حافة الجبل أنظر للمدينة البعيدة في السفح. كم بدت جميلة و مسالمة تبتسم لي و تبدد مخاوفي . لم يكن الثلج الذي رأيناه للمرة الأولى هو ما أسعدنا بل تلك النشوة التي اجتاحت أرواحنا و ذلك السلام الذي أودعه الله تعالي طبيعته التي لم يمسها الإنسان بسوء. بينما كنا نودع الثلوج استرجعت ذكريات الرحلة ما بين ميونخ و برلين تذكرت الشوارع و المتاحف و الأشجار . تذكرت تلك اللحظة التي وطئت أقدامنا فيها البرلمان الألماني الذي لم أتصور يوما أن أزوره أو أن أغني أغنية لفيروز بينما آخذ جولة في متحف برلين أو أن تتسع حدقتي عيني إعجابا ب رأس "نيفرتيتي" التي توقف الزمان عند التقا ئيفأدركت حينها أن كل منا يمكنه أن يصل إلي حدود الشمس إن أراد هو ذلك إنه فقط الإيمان ما نحتاجه

في نهاية الرحلة كنت قد تغيرت حقا و كأنني اكتشفت حقا من أنا استطاعت ألمانيا أن تذكرني بإنسانيتي بشتي الطرق . أصبح لبرلين طابع خاص في ذاكرتي فهي المدينة التي استطعت فيها أن أصيغ قصة لي ...و علي متن طائرة العودة التي كانت تقل نسخة جديدة مني و بينما أهمس بتلك الأغنية التي رافقتني طوال الرحلة قائلة "ستكون لي لو تعشق الأوطان مثلي" و قد عشقت الأوطان حقا سطرت هذه الكلمات عني و عن رفاقي "ربما سنشتاق لشوارع سمعت أحاديثنا ليلا و لضحكات اجتاحت برودة الجو ببهجتها سنشتاق لضياعنا الجميل في كل مشهد و لأرواحنا حين ذابت في اخضرار الشجر سنشتاق لصداقات تكونت من غير قصد و لكل لحظة زينتها عفويتنا و لكل خوف أزالته منا تلك المدينة سنشتاق لبرلين التي أرتنا وجها جديدا للحياة و لأنفسنا "


  • 3

   نشر في 24 مارس 2017  وآخر تعديل بتاريخ 21 شتنبر 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا