بين الدين والعقل - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بين الدين والعقل

  نشر في 25 يونيو 2018  وآخر تعديل بتاريخ 27 يونيو 2018 .

ألا إن لكل زمان سمة، ألا إن سمة زماننا هذا خلط المفاهيم، فتجد النور محاط بظلمات، والظلمات يتخللها نور، تجد كثير ممن اتبعوا أهواءهم فضلوا وأضلوا، يلبسون الحق بالباطل، لا يكتفون بذلك بل يلبسوا على الناس دينهم، وينصبوا أنفسهم كمنقذين لهم من الجهل.

تجد امرَأً ذهب إلى المسجد، أو ولى وجهه قِبَل علماء الدين، فيسمع منهم أن المصائب التي تحدث هي بسبب ابتعادنا عن طاعة الله وارتكابنا للذنوب، وهذا هو سبب الغلاء وانتشار الوباء، حتى وصل الحال ببعضهم أن قالوا: إن سبب هزيمة المنتخب المصري في كأس العالم هو انشغال المصرين بالمبارة عن صلاة العصر.

وإذا تحدثوا عن التقدم والنجاح تكلموا عن طاعة الله -عز وجل- ويهملوا الأسباب التي أُمرنا أن نأخذ بها، فينتهز الصنف الأول هذا الكلام ويجعلوها فرصة لنشر مذهبهم، ومن المعروف أن كل مذهب سليم له مبادئه التي تقوم عليه، لا أن يثمر مذهبه على حساب الطعن فى مذهب آخر، يتجهون إلى ذلك لأنهم يقولون ما لا يفعلون، فلا تجد بين من سمى نفسه علمانيا أو لبراليا ملتزم بأسس مذهبه، إنما هو محاك للغرب، تقليدا أعمى يظن نفسه سيصل إلى ما وصلوا إليه بمجرد التقليد.

كل ما يفعله هؤلاء هو مقاناة الحق بالباطل، نرى الكثير ممن ينتهز ما يتلاقاه الشباب من واعظ في مسجد أو على مواقع التواصل الاجتماعي فيوجهوا كلامهم إلى دهماء الناس قائلين : إن كان مايقوله مشايخكم صحيح إن كانت المصائب سببها الذنوب فلماذا لانرى هذا في الغرب؟ ، وإن كان التقدم بسبب طاعة الله فلماذا الغرب أكثر تقدما منكم؟ ، وإن كان التفوق في دراستكم بالصلاة وطاعة الله كما يقولون فلماذا فلان الذي لا يركع ركعة ولا يذهب لمسجد قد حصل على درجات أعلى من ذاك الذي يصوم النهار ويقوم الليل؟ وما فائدة دعائكم؟ ، إنكم تدعون ليل نهار ولا يستجاب لكم .

فتجد الواحد من عامة الناس مذبذب بين ما قد سمع، مشتت الذهن، منهم من آثر السلامة، فانضم إلى ما سمعه من الوعاظ والأئمة علي المنابر، لكن بقيت في ذهنه وساوس يشعلها مرة ويخمدها مرة، وتجد ثان قد استحسن ما يقوله الطرف الآخر لأنه وفق محدودية تفكيره وضيق أفقه وجد كلامهم وافق واقعا وكلام غيرهم خالف حقيقة يراها رأي العين، لكنه مع ذلك في عبادته على غير اقتناع أو راحة فهو كصخرة وسط أمواج ترتطم فيها ،فتوشك أن تتآكل. أما الثالث فمثل الثاني لكنه قد تشرب هذه الأفكار مع الشبهات التي تطرح من هنا وهناك فثار على دينه واتجه إلى التشكيك وغالبا ما ينتهي به المطاف إلى الإلحاد.

ولست هنا بصدد طرح شبهة من الشبهات والرد عليها، فهناك الكثير من أهل العلم تخصصوا لذلك، لكن محور كلامنا في الأسطر القادمة عن ما قد سبق الإشارة إليه.

نعود من البداية، المصائب ، هل لا تكون المصيبة إلا بالذنوب ؟

يقول العلماء : ( المصيبة في الدنيا على ثلاث أحوال، الحال الأولى أن تكون عقوبة كعقوبة بعض المكلفين المذنبين بالعقوبات، الحال الثانية أن تكون ابتلاء كابتلاء الأنبياء عليهم السلام، الحال الثالثة أن تكون مصيبة محضة).*

وتحدثوا عن علاقة المصائب بالذنوب فقالوا: ( لا شك أن الذنوب من أسباب المصائب، ولكن ليس في نصوص الشرع ما يدل على أن المصائب لا تكون إلا بالذنوب، فقد يُصاب بعض الناس لحكم أخرى , فالمصيبة أعم من العقوبة فقد تكون بذنب وقد تكون بلا ذنب وذلك لسبب مقتض مصلحته أعظم من مراعاة المصلحة العاجلة والخاصة للعبد ويدلك على ما قررناه قوله تعالى عن الموت (فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ) فسماه مصيبة وهو يصيب كل إنسان، من أشرف الأنبياء إلى أكفر الخلق, فكل عقوبة بذنب وليست كل مصيبة بذنب.

ولا نُنكر أنه قد جاء لفظ "المصيبة" يُراد به العقوبة كما قال تعالى: ((وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)). كما هي العادة بمجيء العام على معنى بعض أفراده، وقد تقدم أن المصيبة أعم من العقوبة , وبهذا يتبين لك أن من أسباب المصائب الذنوب، ولكنها ليست السبب الوحيد، فقد يبتلي الله تعالى بعض عباده الصالحين الذين لم يستوجبوا العقاب بذنوبهم، لينالوا أجر الصابرين، وترتفع بذلك درجاتهم، كما قد يصيب الله بعض الأطفال بالمصائب، وهم لا ذنب لهم.)*

ونخلص مما قد سبق أن المصيبة قد تكون بسب معصية أو ذنب وقد لا تكون كذلك فلا يصح أبدا أن نقرن كل ما يحدث من مصائب نتجت من ظلم الناس والاهمال في العمل والتفريط في الأخذ بأسباب التقدم وانتشار الفساد إلى ذنوب امرِئٍ من عامة الناس لم يظلم ولم يفسد ولم يفرط فلا تزر وازة وزر أخرى فالأولى والأحق أن نقوًم الظالم ونصلح الفاسد ونأخذ بالأسباب، جنبا إلى جنب مع الاستغفار الدعاء والتضرع لله عز وجل .

إن الذين يقتصرون سبب المصيبة على الذنوب ويرون ألا كاشف لها إلا بالرجوع لله -عز وجل- دون النظر إلى الأسباب مخطئون، ولما كانت سيرة الخلفاء الراشدين مرجعا وحجة علينا جميعا فإننا نقتبس من سيرة الفاروق عمر قصة نضع بها الأمور في مسارها الصحيح.

في آخر السنة السابعة عشر، وأول السنة الثامنة عشر، من الهجرة في عهد عمر _رضى الله عنه_ وقعت بالمدينة وما حولها من القرى مجاعة شديدة، فحبس المطر من السماء وأجدبت الأرض، وهلكت الماشية، واستمرت هذه المجاعة تسعة أشهر، حتى صارت الأرض سوداء فشبهت بالرماد، نعم إنها مصيبة وأي مصيبة أخطر من المجاعة فما ظنكم بما سيفعله عمر بن الخطاب؟

لقد جمع بين أمر الدين والدنيا فحث الناس على التضرع لله _عز وجل_ وصلاة الاستسقاء ، ولم يغفل عن اتخاذ التدبيرات الازمة لحل هذه الأزمة

إذ بدأ بنفسه أولا فهو كحاكم أحس بمعاناة رعيته وجرى عليه ما جرى عليهم من جوع وتعب ، فكان يقول «كَيْفَ يَعْنِينِي شَأْنُ الرَّعِيَّةِ إِذَا لَمْ يُصِبْنِي مَا أَصَابَهُمْ؟» وقال أنس رضي الله عنه : ((كان بطن عمر يقرقر عام الرمادة، وكان يأكل الزيت ولا يأكل السمن، فقرقر بطنُه فنقره بأصبعيه فقال: قرقر أو لا تقرقر، إنه ليس لكِ عندنا غيره حتى يُحيىَ الناس.)).

ومع ذلك لم يقف مكتوف اليد يكابد ما تكابده الرعية وحسب، بل بدأ بأولى إجراءات حل الأزمة، فأنفق من بيت مال المسلمين ما فيه من الأطعمة والأموال فلما نفد أرسل إلى الأمصار والمدن طالبا منهم الأغاثة، أي قام بما نسميه الآن التكافل وحسن توزيع الموارد فأخذ من المكتفي الزائد عن حاجته وأعطاها للمحتاج.

وفي هذه الأزمة قدم إلى المدينة عرب من كل أنحاء الجزيرة العربية فأنشأ لهم عمر مؤسسة تهتم به وترعاهم وهو ما يعرف اليوم بمعسكرات اللاجئين وعين موظفين لذلك و وكل كل منهم عمل خاص به.**

وهذا الموقف خصوصا وسيرة الفاروق إثبات على أنه لا تعارض بين الدين والعقل أو التفكير العلمي.

وهنا قد يطرح أحدكم سؤلا، هل ما يصيب غير المسلمين من زلازل وبراكين وفيضانات وأعاصير عقوبة من الله كما يقال لنا؟ ، وإن كان كذلك فما تفسيرها حينما تقع بالمسلمين؟

وأقول لك، لا تشغل بالك بهذا، فقد يكون عقوبة أو ابتلاء قد يكون غير ذلك، كل هذا في علم الله، وانشغالك بتفسيره لن يجلب لك النفع ولن يمنع عنك الضرر.

وبالانتقال للتساؤل الثاني، يقولون لكم على المنابر، إن طريق الانتصار والتقدم هو العودة إلى الله والتمسك بالدين، فلماذ غير المسلمين متقدمين؟

لا شك أن التمسك بدين الله من أسباب التقدم والنصر، لكن لا نحصرهما على طاعة الله وفقط ولايوجد في كتاب الله ما يقول ذلك، فالله الذي قال(وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) قال أيضا(وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ).

فهناك أسباب وضعها الله في الحياة يستوي فيها الذكر والأنثى،والصالح والطالح والمسلم والكافر، فمن أخذ بها تقدم ومن تكاسل تأخر، فالله لن يغير قوانين الكون لطائفة دون آخرى، فالشمس تشرق على الناس جميعا الصالحين منهم وغير ذلك، والسماء تمطر على الجميع، وهكذا كل قوانين الكون فلا محاباة لأحد وهذه هي الحياة خلقت للسعي فيأخذ كل إنسان على قدر سعيه ثم نرد إلى ربنا فتوفى كل نفس ما كسبت هنالك في الآخرة، حيث يكون لك الغلبة إن كنت مؤمنا.

وهذا رد على كل الأسئلة التي طرحت في أول الموضوع فالغرب تقدم لأخذه بأسباب التقدم وكذلك الطالب الذى لا يُصل تفوق لاجتهاده في دراسته.وإن كنت حقا ملتزما بدينك فإنه يأمرك بالسعي والأخذ بالأسباب والتوكل لا التواكل والاكتفاء بالدعاء.

وبالحديث عن الدعاء، نرد على آخر تساؤل طرحناه في البداية، ما فائدة دعائكم؟

اعلم أن الله قد يستجيب لدعاء غير المسلم و ورد ما يدل على هذا في كتاب الله والسنة النبوية، أما المسلم يدعو لأن الدعاء عبادة من العبادات التي أُمر بها (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)

ودعائه بين ثلاث حالات إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها.

وإليك مني مألكة تجمل ما قد سبق، فلتعلم أنك خلقت من عنصرين من تراب الأرض ومن الروح التي نُفخت فيك فوُهبت بها الحياة، فلا تغرق في الروحانية وتنعزل عن أسباب الحياة في الأرض فأنت لست من الملائكة، ولا تغفل روحك فأنت لست بآلة.

طاعة الله لا تتنافى مع السعي في الحياة الدنيا ، والدعاء لا يغنيك عن العمل

فاجمع بين الأمرين تكن من الفائزين في الدنيا والآخرة.

.....................................................................................................................................

(*) مقتبس من كتاب فقه الابتلاء وأقدار الله المؤلمة

(**)مقتبس من كتاب رحماء فيما بينهم للعلامة راغب السرجاني صفحة 184



   نشر في 25 يونيو 2018  وآخر تعديل بتاريخ 27 يونيو 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا