ما بين التطبيع والتطويع... - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ما بين التطبيع والتطويع...

ما بين التطبيع والتطويع...

  نشر في 09 غشت 2017 .

ما بين التطبيع والتطويع...

هيام فؤاد ضمرة....

ما زال المواطنون العرب في دول الطوق يتلقون المفاجآت تباعا بحجم تقدم التطبيع الذي تمارسه القيادات العربية ورجال القرار في الحكومات والضباط المتقاعدين وغير المتقاعدين في مسألة العلاقات الخاصة والعلاقات التجارية التي تجري دون الاعلان عنها أو ابرازها اعلاميا خاصة أن الاعلام العربي إعلام هزيل موجه تسيطر عليه الجهات الأمنية ، وما زال يعبر عنه باستحياء رغم ازدياد رواجه بناء على معاهدة السلام تلك التي سرعان ما تضرب بها حكومة الاحتلال عبر الحائط عندما يرتبط الأمر بالجانب المتعلق بالمسجد الأقصى والقدس

وتتكشف الممارسات التطبيعية يوما بعد يوم باستخدام أسلوب الجرعات المتتالية ليتعود الجسم العربي على نسبة السموم فيه فينهار هذا الجسم تدريجيا ويأكل نفسه بنفسه دونما تثوير وانتفاض يهز مقاعد الساسة، فالتطبيع سائر على قدم وساق وقد فاق حجم التعامل بين بعض الدول العربية والكيان الصهيوني المنبوذ شعبيا حجم التعاون التجاري بين الدول العربية نفسها على الرغم من أن الشعوب تعاند التطبيع وتنبذ المطبعين وتقاطع البضاعة الاسرائيلية داخل الأسواق، ويتعرض الشرفاء الداعين للمقاطعة للأذي من قبل الجهات الأمنية لبلادهم، فيما يختبئ المطبعون خلف أكاذيبهم ونفاقهم وخوفهم من انكشاف أمر خيانتهم كعادة الساقطين في حفرة الصرف الصحي الذين يبحثون على الربح المادي حتى على حساب قضايا الأمة متعللا بما تمارسه الحكومات العربية في أمر اندياحها مع التطبيع

والتطبيع مع الكيان الصهيوني العدو المحتل لفلسطين هو بناء علاقات رسمية وغير رسمية سياسية واقتصادية وثقافية وعلمية واستخباراتية واجتماعية، والتسليم لهذا الكيان السرطاني بحقه بفلسطين ومصادرة أراضي أصحابة والاستيلاء على الماء والكهرباء والسيطرة على مسجد الأقصى والقبول به كدولة ضمن دول المنطقة، والصمت عن كل ما يصدر عنه بحق أصحاب الأرض الحقيقيين من جرائم انسانية واستيلاءات على الأرض والمقدرات وقتل الانسان، وسلب حق النضال والجهاد من صاحب الحق الفلسطيني، وفي نهاية المطاف المساهمة الفعالة في تثبيت مشروع الشرق الأوسط الجديد وانهاء أي مستقبل لامكانية التحرير ونزع الكيان الصهيوني من فلسطين وهي الجريمة الكبرى التي ترتكبها الدول وحكوماتها من العرب

فبقدرة قادر تحول الصراع العربي الاسرائيلي من صراع وجود وحدود إلى صراع نفوذ ومصالح وتنافس اقتصادي غير محدود رغم اختلاف التوازن والقدرات الاقتصادية والصناعية والزراعية، فهناك دول عربية متهافتة على الارتماء بالأحضان الصهيونية حتى لتظنها عرابتها الأثيرة لدرجة عدم أخذها برأي الشارع العربي وتغافلها الجرئ لارادته ومشاعرانتمائه العروبي، بل إنها حولت التطبيع لفزاعة لشعوبها تستخدم كل أنواع القمع والارهاب الفكري والثقافي للحيلولة دون معاندته

ذاب الثلج في حقيقة الحكام العرب المطبعين والمنبطحين وتلوث التاريخ العربي بأشد الملوثات التاريخية خيانة ومذلة وانقلبت الرؤية ليصبح الحق الانساني الدولي بالأرض الوطن والسكن الحامي والعيش الآمن غير مباح للعرب فقط، وليختم المطبعون على قفاهم حقيقتهم المستسلمة والخائنة للحق الفلسطيني وتخليهم عن القضية ورفعهم شعارات الأولوية التي تبعد القضية عن فيافيها

التلاعب بالعبارات من عادة السياسيين لتبرير أفعالهم المخزية، وأذناب هؤلاء يصرون على التطبيع حتى وان تم اختراق الثقافة نفسها بادعائهم أن الثقافة حاضنة للسلام وفي الحقيقة يريدون جعلها حاضنة للاستسلام والتسليم والاذعان لفئة المطبعين، مقدمين بذلك لدولة الاحتلال الهدية الأثيرة في الزام العرب بالتطبيع أولا ومن ثم الدخول بالحديث عن تسوية القضية بين الفلسطينيين واليهود

ما الضرر الذي قد يصيب القضية الفلسطينية والعربية في حال تثبيت التطبيع قبل كل الأمور المختلف عليها، إن المحاولات الاسرائيلية لوأد قضية المهاجرين وحق العودة والدولة الفلسطينية تجري على قدم وساق واسرائيل تلعب لعبة وضع العصا بالدولاب لتعطيل محادثات السلام إلى أقصى مدى ممكن حتى لا تدخل هاتان النقطتان على أوراق النقاش وتضطر قبول المرفوض في مفهومها الاستعماري، وتوقع نفسها بالمحظور مما يثبت كونها دولة احتلال لا دولة انصهار

ثم إن التطبيع السياسي والاقتصادي هو إعادة الصياغة لمعنى الاحتلال نفسه وإعطاء مسوغ قوي لاثبات عدم شذوذ وجود دولة الاحتلال كعدو أو كدولة احتلال لها واقع الشذوذ البنيوي القائم على المستوطنات والهجرة اليهودية، وبالتالي يأخذ وجودها في محادثات السلام كطرف مكافئ في حقوقه مع الفلسطينيين ويصعب لحظتها فرض واقع الحقوق الفلسطينية على الرؤية العربية والفلسطينية، اسرائيل تبغي الخروج من واقعها كدولة احتلال وكونها دولة منظمة صهيونية بالوكالة تتمتع بعضوية مشروطة في هيئة الأمم المتحدة (شرط العودة للمهاجرين الفلسطينيين) وهي تسعى جاهدة لتفتيت وجود الفلسطينيين القومي فتحول كل شيء إلى ضد واقعه الحقيقي

وتعتمد دولة الاحتلال سياسة الوقيعة لتعطيل مشروع السلام وتضع كافة العراقيل على أشكالها غير المعهودة لنفس السبب معتمدة كافة الوسائل المتاحة لتحقيق مآربها الاستعمارية مستغلة وجود الفئة الخانعة المنبطحة المستسلمة ببعض العرب

ومن أشد أخطار التطبيع على الاطلاق من النواحي الاقتصادية والسياسية تهديده للمشرع التكاملي العربي ودحض امكان توفره خدمة للمصالح العربية، إن فيه اجهاض حقيقي لفكرة التكامل الاقتصادي العربي الذي يعود بالنفع على هذه الدول

والتطبيع سينفي عن اسرائيل طابع الدولة المحتلة ويمنحها حقا طبيعيا بالمنطقة وفي المحادثات على غير الحقيقة وهو ما تسعى إليه دولة الاحتلال جاهدة لفرض المغالاة بالموضوعية والواقعية والعقلانية في واقع الحال، فتغير وجه الحقيقة وتزيف ما تستطيعه في هذا الحال

ثم والأهم في خطورة التطبيع ذلك الأثر بالانصهار الثقافي الذي يواجهه المجتمع العربي واندياح ثقافة الغريب في المجتمع العربي من غزو حضاري غير متكافيء في نمط الحياة بالفكر والسلوك والقيم واتجاهات الولاء والانتماء

ولن نختلف حول ما يجب تحقيقه قبل التطبيع من هزيمة نفسية كاسحة للطرف العربي وهذا ما سعت إلى تحقيقه قوى العدو وحلفائه واستطاعت تحقيقة فعليا بالحكام فيما فشلت في ذلك بالشعوب وهذا ما جعل كلا الطرفين يتجه اتجاها معاكساً تماما في الوقوف من التطبيع، لأن سبب التفوق الاسرائيلي ليس بالقوة العسكرية والخطط الحربية بقدر ما هو بتخلف عقول القائمين على ادارة القوة العربية وموات قلوبهم في حضيض الوهم والسراب

وعلينا معرفة أن دولة الاحتلال ليست ببلد صغير محاصر وفي ظهرها قوة دولية عظمى هي الأكبر والأعظم في كوننا الحالي، وانفتاحها من ناحية البحر يجعلها غير محاصرة ابدا ولا يقف دون اتصالها بالعالم شيء، وصغر البلد لا يبرر حجم قوتها الاستعمارية فبريطانيا وهي الجزيرة الصغيرة حكمت العالم واستعمرت دول حجمها أضعاف حجم بريطانيا نفسها بل أصبحت الدولة التي لا تغيب عنها الشمس بحجم دول العالم التي احتلتها ونهبت خيراتها، فلا تستهينوا بحجم دولة سياستها الاستعمار والاحتلال ومنهجها العنصرية والتعالي

فبأي حق تلزم الدول الموقعة لاتفاقية وادي عربه للسلام على احترام بنود الاتفاقية وانتهاكاتها جارية من الجانب الصهيوني بلا توقف، والاراضي الفلسطينية والمنازل المقدسية ما زالت تتعرض للسطو اليهودي، والانتهاكات الجارية على المسجد الأقصى، فتوقيع اتفاقية وادي عربه للسلام لم تلتزم اسرائيل بها ولم تستطع أن تحترم بنودها، فكيف نطالب بالالتزام جانب غير ملتزم

والتطبيع أساسا سياسة استراتيجية أساسها أمريكي بحت، فهو يمثل معادلة أمريكية تمثل الوجود الأمريكي في المنطقة من خلال الوجود اليهودي نفسه في قلب الشرق الأوسط الذي تسعى أمريكا إلى استغلاله اقتصاديا وتجاريا وسياسيا ليظل القرار قرارها والهيمنة لها وحدها، وعلى هذا تم الاعلان أن أمريكا في حلف دائم وراسخ لن تنفصم عُراه مع دولة الاحتلال الصهيونية والمساعدات المالية والعسكرية التي تقدم لاسرائيل يستطيعون بطرقهم الذكية سحبها من خزينة الدول النفطية العربية وبهذا تم ربط أجزاء الخطة بعضها ببعض دون أن تشكل ثقلا على أي من الاطراف الدولة اليهودية المحتلة لأرض الفلسطينيين والدولة الأمريكية ذات المصالح العليا

ففي أعقاب اتفاقية كامب ديفيد 1978م أقر الكونغرس الأمريكي برنامجا للتعاون الإقليمي لهدف التطبيع في الشرق الأوسط بتمويل الوكالة الأمريكية للتنمية التي خصصت له ميزانية بحوالي 6ملايين دولار سنويا، ومجرد نظرة معمقة بسياسة الاقتصاد الاسرائيلي تتأكد مدى تكامل الأدوار بين هاتين الدولتين في الأطماع والمصالح والأهداف والتطور العلمي، وما الفاتورة الأخيرة التي اشتغل ترامب على جبايتها من المملكة السعودية إلا رقم من ضمن الأرقام التي ستنداح إلى الخزينتين الأمريكية والاسرائيلية بالطرق التي تم الاتفاق عليها بينهما، وماتعرض الدول العربية التي حقتت الاكتفاء الذاتي بدفعها للدمار الاقتصادي والحضاري إلا لهدف التمهيد للتطبيع الاقتصادي في الشرق الأوسط، وأكدت لهذا الشأن وثيقة أمريكية عن علاقة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بعملية تثبيت التطبيع، والمتابع لحجم المساعدات الأمريكية والبنكين الدوليين يدرك حقيقة التلازم بهذا الاتجاه

ويظل في النهاية لزومية مقاومة التطبيع درءً للانصهار الحضاري وتمييعا للحقوق الطبيعية بالأرض والوطن، والانزلاق في التطبيع مع العدو المغتصب للأرض يتخذ أشكالا متعددة من المظاهر ولهذا صار الحذر من التطبيع ضروريا ويحتاج إلى استنهاض جماهيري معاند لتوجيهات المسؤولين ونبذ المطبعين وتحقيرهم، فلا يجب القبول بالانصهار الحضارية واذابة القضية والتنصل من الحق والعدالة ، وما المشاريع المشتركة بين دول الطوق واسرائيل في الكهرباء والماء إلا امعانا بالتطبيع وربط الخدمات والمصالح ببعضها لانشاء عُقد لا يمكن فكها وفكفكتها


  • 1

  • hiyam damra
    عضو هيئة إدارية في عدد من المنظمات المحلية والدولية
   نشر في 09 غشت 2017 .

التعليقات

abdou abdelgawad منذ 2 شهر
بالفعل هو تطويع وليس تطبيع وفرض لسياسة الامر الواقع وفى النهاية العيب فى الادارة العربية التى تحكم الشعوب الجائعة ولايسعفها اقتصادها المهلهل وبدلا من التكامل العربى يأتى التطبيع المزعوم والاهداف البعيدة والتى لايستوعبها فكر حكامنا العرب.
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا