قصة قصيرة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

قصة قصيرة

الساعة

  نشر في 21 فبراير 2015 .

الساعة

قصة قصيرة ,

بقلم :- جابر مصلح

ذات صباح .. جلس سفيان مراقبًا محتويات دكانه , و مع كل رشفة قهوة كان يسافر مع ذكرى هنا .. أو ذكرى هناك , ينظر بحنو إلى بعض الساعات المعلقة على جدران دكانه المعتقة , جدران ناءت بحمل تلك الساعات لأكثر من ثلاثين عامًا , و كان يقلب نظره في ساعات اليد القديمة وهي ترقد كالأموات في نعش اسمه .. طاولة العرض , كانت عيناه تقتحمان أدوات التصليح , فتعودان به إلى صورة سفيان , ذلك الشاب اليافع , الشغوف بتصليح الساعات , يجلس الساعات الطوال بجانب والده ليعرف كل شيء عن كل جزء في أي ساعة كبيرة أو صغيرة .

تنهد عميقا .. و أسند ظهره إلى كرسيه مستحضرًا ذلك الحوار الذي دار بينه و بين ابنه الأكبر ماجد قبل أيام .

ماجد : يا والدي .. قلة هم من يقتنون ساعات اليد هذه الأيام , و الأقل منهم أيضًا من يحافظ عليها و يقوم بإصلاحها .

سفيان : يا ولدي .. هذه مهنتي التي لا أعرف غيرها .. أنا ساعاتيّ , و لست تاجر هواتف نقالة , فكيف تريدني بين يوم و ليلة أن أنقلب إلى تاجر ؟! , صعب يا بنيّ .. صعب جدًا .

ماجد : يا أبي .. أنا أملك الخبرة في هذا المجال , و سأساعدك بدلًا من عملي أجيرًا لدى الناس يا أبي .

سفيان : يا ألهي .. ما بقي إلا أن تصير معلمي يا ماجد , و أنا تلميذك النجيب الذي يسمع و يطيع ! .

ماجد : العفو يا أبي .. و لكن ..............

قطع شرودَ سفيان العميق زبونٌ بقوله : السلام عليكم , فقام سفيان من مكانه بسرعة مبديًا خالص الاحترام لهذا الزبون الذي يبدو عليه أثرُ النعمة , فردّ قائلا : و عليكم السلام , أهلا يا سيدي .. أهلا .

أخرج الزبون من جيبه ساعة يد تبدو عليها آثار القِدم و العراقة و هو يقول : هذه الساعة حاول الكثيرون إصلاحها .. و لكن دون جدوى .. لكني سمعت عن مهارتك في إصلاح الساعات , و لذلك .......

سفيان - مقاطعا - : يا سيدي .. بإذن الله عقاربها ستدور و ستعمل كما لو كانت جديدة .

و بمجرد مغادرة الزبون أخذ سفيان يقلب الساعة بين كفيه , كما يقلب الطبيبُ الطفلَ حديث الولادة حين فحصه .

استجمع سفيان خبرته الطويلة و حرفيته العالية لتصليح هذه الساعة , استغرق الأمر منه أسبوعًا كاملاً , دارت عقاربها , و انطلقت دقات عقرب الثواني كنبض قلب عاد للحياة من جديد ... راقب عقارب الساعة طويلًا , و مع كل دقيقة تمرّ كانت ملامح السعادة ترسم نفسها على وجهه بوضوح أكثر , فقد أثبت لنفسه أنه ما زال الحِرفي الأمهر في مجاله , و سيثبت لابنه أن مهنته لم تندثر .. خصوصًا بعد أن يجنيَ أجرة ليست بالقليلة من ذلك الرجل الثري .

مرت الأيام و الأسابيع , بل مرت ثلاثة شهور , و لم يأت الزبون لأخذ ساعته , طفق سفيان يلوم نفسه و يحدثها : كيف لم أسجل رقم هاتفه ؟ لماذا لم يأتِ ؟ , أنها شهور طويلة , ربما أنه سافر .. أو .. يا إلهي .. هل يعقل أنه مات ! .. رحماك يا رب .

و مع مرور الأيام , و انقطاع العمل , و غياب صاحب الساعة التي اصبحت دقاتها بمثابة عد تنازلي لانتهاء تاريخ سفيان , بدأ الاستسلام يتسلل لقلبه كلصّ يحاذر خطواته , فما لبث أن أعلن خضوعه لحكم لا يعرف صاحبه , ليخاطب ابنه بنبرة يأس قائلا : فرِّغ مكانًا في البيت لأحتفظ بكل أدواتي القديمة , ولا ترمِ شيئًا من محتويات الدكان القديم , إياك يابُنيّ .

و على استحياء , دخل سفيان عالم التجارة , و لكنه لم يترك يوما إلا و يجلس مع أدواته و ساعاته , فيُعمل إبرته في ساعة من الساعات ليقول لنفسه و أدواته .. ما زلت أنا ... أنا .

و في ذات لحظة , بينما كان سفيان و ابنه منهمكين في ترتيب دكانهما , دخل زبون فلم ينتبها لوجوده إلا عندما سلّم : السلام عليكم .

ماجد : أهلا أهلا يا أستاذ .

الزبون : أبحث عن نوع من الهواتف يكون ..........

قاطعه سفيان : يا إلهي , ألست صاحب الساعة ؟!

نظر الرجل إلى وجه سفيان فترة و الصمت يطبق على كليهما .

الزبون : نعم نعم .. ألست ذلك الساعاتي ؟

فعاجله سفيان بإخراج الساعة من جيبه قائلا : تفضل ساعتك يا سيدي , أين كنت ؟ لم تسأل عن ساعتك , لقد أصلحتها ... أنظر .

أخذ الرجل الساعة , راقبها , استمع لدقاتها , فابتسم و قال : أنت رائع , لم أتوقع أن أحدا يستطيع إصلاحها.

سفيان : و ها أنا قد أصلحتها يا أستاذي المحترم .

الزبون – بعد أن وضعها على الطاولة - : هذه الساعة أثيرة عندي , و مكافأة لك على مهارتك اعتبرها هدية مني لك .

ثم توجه الرجل لماجد بالحديث : يا بني .. كنت أبحث عن نوع من الهواتف وصلت السوق حديثا .................

أخذ سفيان الساعة و وقف خارج الدكان , كان يشعر بالاختناق , و عيناه تلمعان بدموع .. دموع تعلقت بين أجفانه رافضة الانهمار .



   نشر في 21 فبراير 2015 .

التعليقات

مقال كلاود منذ 2 سنة
للحفاظ على جمالية المنصة نرجو من الكتاب الكرام تعديل ملفهم الشخصي عبر إضافة أسمائهم الصريحة و عناوين تلخص موضوع المقالة و صورة خلفية جميلة لكل مشاركة كي تظهر بشكل جميل في الصفحة الرئيسية و متوافقة مع التصميم، بإمكانك التعديل على مساهماتك بعد نشرها
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا