كيف استُعبدت مصر؟! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

كيف استُعبدت مصر؟!

  نشر في 06 ديسمبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 21 شتنبر 2016 .

بين ثالوث العسكر والكهنة والاحتلال عاشت مصر كل حضارتها التى تتغنى بها الاجيال حتى الان ؛وترك كل من اضلع ذلك المثلث اثره على جدران المعابد وثقافة الشعب وتقبله للتغيير بل وبعض المميزات التى لم تتغير ولم يصبها الزمن بالترهل كما اصاب كثير من الامجاد..

فعلى الرغم من ان مصر دولة قديمة قدم بذوغ فجر التحضر فى العالم الاّ انها ماذالت تعانى من اشد الاوضاع السياسية والاجتماعية بؤساً حتى حجزت مكانها بجداره فى ذيل الامم المتحضرة المندثرة مدنيتها فمن المتسبب فى ذلك وكيف استُعبدت مصر؟

لا يمكننى ان اتكلم عن الواقع دون العودة لجذور التاريخ فتلك البلد الزراعي وقتها كان قد اسس اول دولة عُرفت فى الدنيا بنفس الشكل البيروقراطى الذى تعارفت عليه اهم الامبراطوريات بعدها بعدة قرون ؛مما ترك فى عقيدة ذلك الشعب قدرة رهيبة على الرضوخ امام السلطة والحاكم والايمان الكامل فى ضرورة استمرار المركزية وهذا ان كان له اثر عظيم فى الاستقرار وبناء الحضارة قديماً فانه قد تسبب فى التواكل والاستعباد لصالح الحاكم الفرد حديثاً ؛بل واعطى المصريين نوع من التسليم بواقعية حكم الاستبداد بل فى عقلهم اللاواعى اصبح البطش الامنى ضرورة الامان والاستمرار؛بل يرددوا فى مقولاتهم الشعبية (احنا مابنجيش غير بالكرباج!) وايقن غالبية المنتمين للفئات المتوسطة بان الانخراط فى جهاز الدولة الحكومى البيروقراطى هو غاية آمنيهم! واصبحنا امام دولة متنهاية القدم عجوزة التقاليد لايمكن تغييرها ولا يكمننا ان نعالج الامر برده فقط للدولة الحديثة منذ مائتى عام؛ او ارجاع سببه الاوحد الى فساد النظام البوليسى بدولة (عسكر 52 ) الممتدة الى الان ؛لكن الافضل لمعالجة ذلك الامر ومحاولة تبديله هو ان نبدأ من تغيير معتقدات ذلك المجتمع من الناحية التاريخية والاجتماعية المستندة على حكم الفرد وضرورة تحكم القمع العسكرى فى مصيرها حيث بدأ اول ضلع من ثالوث الاستبداد يرسخ نفسه فى عقلية المصريين بانه قدر الله لمصر الذى لامفر منه ؛وان بدون حكم عسكرى لن تصلح تلك البقعة البائسة المستهدفة من طوب الارض والمتآمر عليها من كل قوى العالم القديم والجديد ! من عصر الفراعنة المحاربين لعصر الاسرة العلوية المنحدرة من جوقه عسكر مابعد مماليك وايوبيين عسكريين وصولاً لعصر الرؤساء المنحدرين من مؤسسة القوات المسلحة والمقتنعين بنفس هراء استهداف مصر يستوجب ان يحكمها جنرال وكأن الجيوش المكونة من جنود الشعب نفسه لاتحارب الاّ اذا كان قائدها برتبة رئيس!

اما الضلع الثانى من مآساة استعباد مصر فهو بلا شك تشابك الدين بمصالح سياسية مع حكم الفرد او المستبد ؛فالطالما كان كهنة المعبد بمصر القديمة يمثلون السلطة الخفية للفرعون ؛فبشبكة علاقات ومصالح مادية تعتمد بنفس خيوط المركزية على اقتصاد الدولة ؛ينتفع هؤلاء الكهنة قديماً والشيوخ الموظفين حكومياً او المتربحين اعلامياً حديثاً من ابقاء الوضع كماهو عليه ؛دون تغيير او اضطراب فهذا اسلم لاستمرار وظائفهم المعممة ومزينة بعباءة الدين ؛حيث ان منظور رجل الدين اشمل بكثير من مجرد انه يلقى وعظ ؛فالمصريين رغم تدينهم الشكلى غير العميق فهم على استعداد تام للسير خلف من يطمئن ارواحهم الخاوية بكلام دينى سواء كان فى حكم عسكر او حكم معارضيه ؛فمن يستخدم الدين يربح تلك المعادلة هى كلمة السر الاولى فى استعباد المصريين طوال التاريخ !

ويأتى دور الضلع الثالث ليترك عظيم الاثر فى نفوس اذلال ذلك الشعب العريق الا وهو الاحتلال الاجنبي ؛فمن مجموع سبعة الاف عام؛ احتلت مصر على فترات متلاحقة ومتباعدة مئات السنين ؛بمافى ذلك العصر العثمانى وماقبله وبعده حتى فى عصر محمد علي فهو نفسه لايعد حكم وطنى للبلاد ؛ففكرة ان يرضخ المصريين للاحتلال كل تلك العصور مع الاخذ فى الحسبان فكرة الثورات والمقاومة ضد المحتل فى العصر الحديث والقديم ؛الاّ انه تبقى النتيجة الفعلية هى الصبر المبالغ فيه الذى ترسخ فى نفوس المصريين ضد الظلم ودهس الاستقلال والكرامة الوطنية ! ولو كان هناك حجة مقبولة فى لحظات الضعف والاستهداف الحقيقى لمركز العالم انذاك وبأن المصريين سطروا بطولات عظيمة ضد الفرس بثورات هامة اوضد الهكسوس قبلهم وضد الاحتلال فى العصر الحديث فان نفسية العوام ظلت متشبثة بفكرة البقاء رغم القهر والاستمرار رغم سلب الحرية ؛فالاهم قلة الضرر وكراهية الحرب والمسالمة مع وجود لقمة العيش! وان كان شيفونية المصريين تمنعهم من الاستسلام دوماً للاحتلال الاجنبي وفى النهاية يتخلصوا منه بشكل او بآخر ؛لكن لم يحركهم نفس الدافع ابداً ضد من يستبد بهم من ابناء جلدتهم اى ضد الطغيان الداخلى لا الخارجى ؛بل من الممكن جداً ان تزيد شعبية طاغية لمجرد ان عدو خارجي يستهدفه وتلك نفس اللعبة التى تمت مع عبد الناصر مثلاً فيما بعد العدوان الثلاثى المتسبب هو نفسه فيه!

عقلية المصريين وعُقدهم الاجتماعية وكهنة دينهم المتشابك مع تسييس نمط حياتهم المبنية على الاعتقاد الراسخ بوجوب حكم عسكرى لمصر؛ والتدين الشكلى المؤمن بسطوة رجال الدين فى استئناس عوامهم مع الذل الذى ورثوه من عصور الاحتلال الطويلة التى جعلتهم فى عصر ما يتعايشوا احيانا مع ثلاثة انواع احتلال اثنين اجانب كالعثمانين والمماليك معاً ويأتو بمحتل ثالث يحكمهم من الداخل كما فعلو مع محمد علي ! كل ذلك كوّن لديهم رسوخ فى رفض الحرية وعدم استعداد حقيقى لدفع ثمنها ؛فقبلوا بالامن على حساب الحرية ولقمة العيش الصغيرة المستمرة على حساب الخير الوفير المجهول ولم ينالوا ذلك ولا ذاك طوال حياتهم!


  • 5

   نشر في 06 ديسمبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 21 شتنبر 2016 .

التعليقات

,,, ( ولم ينالوا ذلك ولا ذاك طوال حياتهم! ) ,,, اتمنى ان كل الحكام و الشعوب قبلهم قراءة هذه الكلمات من هذا المقال الذي يستحق ان يخلده التاريخ , لان الدوامة مستمرة و لن يتغير سوى عدد السنين , عل هناك من يتعظ ,,, كان دليل من يفتح بيت المقدس انه ياْتي ماشيا على قدميه و خادمه راكب و في ثيابه سبعة عشر رقعة ,,, ذلك عمر الفاروق ( رضي الله عنه ) ,,, لقد حصل ما حصل و ذهب اغلب العرب المسلمون و حكامهم بحثا عن الحرية و الديمقراطية و يتوسلون العزة من غير الله ,,, تحياتي سيدتي و ناْسف اننا اصبحنا منذ زمن بعيد على حالة ( اضعف الايمان ) ,,,
0
Heba Hamdy منذ 12 شهر
أستاذة أميرة ،وضعت قلمك في لب المشكلة وطرحت الموضوع بشكل رائع وفتشتفي التاريخ وفي نفسية المصريين بدقة،أجزم بأنك قارئة متمرسة ،آلمني قليلا أن المصريين هم من صاروا يرومون الاستعباد أؤيد ذلك فنسبة ليست ضئيلة منهم صارت تحمل هذا الفكر ..إن الشعب انعكس على فكره وعقيدته خطايا أنظمة عديدة ..
الله أسال أن يهدي شعبنا سواء السبيل
0
أميرة أبو شهبة
شكرا لمرورك ورأيك الذى اعتز به..تحياتى لكِ هبه

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !




مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا