سطور جنوني - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

سطور جنوني

  نشر في 27 فبراير 2015 .

حلمت يوما أن أعانق حرفي على رف ما ، بخانة ما ، قرب عنوان ما ..

كعادتي أفترش مقعدي الأخير بالصف ، ألتحف سقفا أرهقته أصوات الأساتذة و ضجيج التلامذة ، أعانق حقيبتي المثقلة بسنون تعليمي المهترئ ، أجالس صديقة رافقتني أحاديثها البريئة منذ زمن ، أمسك قلمي و أخربش ورقي ..

أرى الأستاذ هناك يتشبث بريشة بيضاء يداعب بها صلابة خشبته السوداء ، لسانه يلهج ببضع معادلات و يد أخرى تلوح موضحة ، أعلم أنه يلاحظ انشغالي و لا أكترث !

أنص على ورقتي عناوين أحلامي. أبدأ بشهادة الباكالوريا ، أمر بمعهد يتبنى أحلامي الإعلامية ، أقف قليلا عند كرسي و كاميرا و ميكروفون ، أسير نحو عمودي الصحافي ، ألاعب أوراق روايتي ، أحيي مشروعي ، أحادث أحواض ياسميني ، و يجف الحبر عند قبلة التحقيق ..

رنين الذاكرة يوحي بليلة فيها بكيت فشلي و نعيت عزيمتي ، و ما كان الفشل ليلتها سوى ما لا أجيده منذ وجدت على الأرض . لا أعلم ما ذكرني بفياضانات العاشر من يوليوز ، و لا أعلم ما أحالني على ما لا أشتهي ذكراه الآن . لربما هي فراغات الصباح .

ألتفت على جرة قلم صديقتي ، أجدها تخط ما يلفظه طبشور الأستاذ .. صديقتي رافقتني منذ سنوات ست متقطعة غير متواصلة ، قطعها ولوجي أسوار ثانوية بعيدة كالسماء ، و ما كان الغياب لشيء .. أتأمل تفاصيلها البريئة و حجابها المعتدل ببساطة . لا تزال كما عهدتها طفلة تتوارى في جسد صبية يافعة ، بقدها الممشوق و مشيتها الخيلاء و عطرها المتناثر تبدوا كأميرة أطلال . تلتقي عيناها الخجولة برداء رموشها العربية و تنظر إلي ، تجدني أتأملها فتبتسم كملاك .. تعود لما يشغلها ، و اعود لأضيع بتفاصيها . أتراجع بالذاكرة لكل مواقفنا ، فلا أجدها غير طفلة مشجعة ، ناثرة للأمل ، محيلة على السعادة بجنونها و صوت قهقهاتها . أهديها قبلة متنكرة بالصمت ، و أخصص لها أمنية الصباح على غير عادة

صليل هاتفي ينبأ برسالة على باب النص ، أسرع في فض مظروف وهمي رقمي ، فأجد المرسل ذاك المبدع الصديق كما انتظرت .. ما هناك في قاموسي كلمات تصف ذاك الطموح و الهادف و المصر و العازم و الأبي ، و ما في أبجدياتي حروف تراقص رفيقاتها على سمفونية إيفاء الصديق وتر الوصف .. تأملت حروفه الشاعرية و هو يخفف وطأة الزمن عن سطور حكاية ذكرى ياسميني .. كان مفعما بحب صدوق، متحليا بالإبداع في كل كلماته ، و حاملا لباقات المواساة و المساندة .. و هنا أقول يا أيها العزيز عليّ و على قدوتي أن جنون فلسفتك الجميلة ، براءة إبداعك ، عفوية حديثك ، أحلامك الوردية و عزيمتك الأبية ، تنبأني بمستقبلك المتألق أيها الناجح كما وعدك ذاك القدوة لي و العزيز عليك ..

فرغت من مشاغلي و صوبت عيناي نحو قِبلة التلاميذ - لن أقول أنني رفعت رأسي ، فما الكاتب ليطأطأ راسه يوما و هو رسول لواء حق . الحق يستشهد منتصبا ، رافعا حرفه ، دافعا لخصلات كلماته نحو السماء - وجدت الاستاذ على نفس حالته غير مكترث لي و لمشاغلي و جنوني . غلبتني ابتسامتي و جالست الذاكرة ..

لربما 'الزهرة' الآن تبكي خالتي ، آه من تلك الجدة الضحية للفقد .. مسار دمعها حفر على خدها الوردي أثر انهماره الغزير ، شفتاها المتدليتان نحو الأسفل تختصران معنى الوجع القابع بنبضها البطيء ، همساتها المكبلة بشهقة الألم و رجفتها .. أنا المشاكسة و المجنونة و العنيدة الآن أخشى على زهرتي من الغياب ، لن أحتمل سفر جدتي نحو السماء ، و إن كنت أثير جنونها فما ذاك غير خلق ذكرى .. لربما تلك الجميلة التي لفظني رحمها يوما تجالس زهرتي الآن محاولة إخماد شرارات الاشتياق ، لربما والدتي الآن تعانق جدتي و تبكيها خشية من غدر الزمن ، لربما و ربما و ربما ، لكن الأكيد أنني أريدهما بالقرب دائما ..

دقة على السبورة تعلن غضب السي الأستاذ ، أصوب ناظري ناحيته فأجده غير مكترث بي ، أهو يتعمد تجاهلي ؟ ، أم أنه يعلم أنني الآن أمارس طقوس جنوني رفقة قلمي .. أراه يوشك على الحديث ، يلوح بيده و يباغته طنين جرس . لا بد أنه جرس ضرورة مغادرتنا لجدران معنونة برقم قاعة ، ألملم قلمي و ورقي مغادرة سطور جنوني دون نهاية ..

( قد يتبع يوما )


  • 9

   نشر في 27 فبراير 2015 .

التعليقات

القطعة ملهمة للغاية, تحية طيبة
(ليغني دوما صوت الريح هنا وهناك بكل الحب يداوي عمق الجرح المفتوح كنهر السوباط بقلبي, علّي أرتاح أخيراً من ألمي, علّي أشفى, مادام العشق غطاء للأشواق, فأنت الداء ودوائي .. أنتِ.)
0
Rlhadd منذ 2 سنة
رائعة كما هدتكي أختاه إستمري ♡
0
كما العادة مميزة نهيلة ;)
0
نهيلة البهجة
الفضل لكم أيها العزيز على أخي
Mariam Alawbali منذ 2 سنة
رائع .. أبدعتي
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا