إيلاف - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

إيلاف

  نشر في 31 يناير 2016 .

رُبما تبدو كلماتي هذه المرة متناثرة وغير متناسقة , يُمكنني أن أبرر هذا بأنّ ما ستقرأونه الآن هو خلاصة تسعة عشر عامًا وأخصّ منهم الستة أشهر الأخيرة .. أزعم دائمًا أن الفُصحى تمثل بالنسبة إليّ طوق النجاة الأول ! دائمًا ما ألتجئُ إليها حين تضيق عليّ اللغاتُ بما رحبت , لكنها اليوم ستكون بسيطة , كأبسط ما تكون البساطة لا سجع ولا تكلّف ! لا أدري تحديدًا ما السبب الأقوى لربما تضارب الأفكار وتعقّدها بذهني يجعل من الصعب أن تتعقد اللغة أيضا !ربما كلما ازداد صدق الكلمات قل التكلّف فيها ! لا أدري

(1)

دمعت عيناها وهي تقول " رحمه الله وأسكنه فسيح جنّاته , ما أجبرني قط على أن أذهب لمكان لا أحبه أو أن أزور شخصًا لا أحبه .لن أنسى له ذلك ما حييت , كان رفيقًا ! كان مُستوصٍ بيّ خيرًا "

(2)

برغم الخلايا السرطانية التي تنهش فيها , برغم الأيام التي تمضي دون أن تضع قطرة ماء في جوفها , برغم الليالي اللي تعدها وهي تقول لنا " هي الليلة " فتمرُّ الليله ولا تكون هي هي ! .. برغم خوفها عليهم من بعدها , برغم شجارها الدائم وهي الهادئة الوديعة , وبرغم الكفن الذي أرسلت في شرائه و الموتِ الذي أضحى جليسها الوحيد ... برغم كل هذه الأشياء , ضحكت ! نعم ضحكت وهي تحكي لنا

" لا تغرنّكم كل تلك المُمتلكات والأموال الطائلة , حين تزوجته لم (نكن) نملك شيئًا ... لازلت إلى الآن أضحكُ حين أتذكر فرحتنا حين اشترينا الثلاجة بعد عام من زواجنا , أنتم محرمون من هكذا متعه , أن تضعوا لبنة بيتكم بأنفسكم . وتصنعوا أعشاشكم قشة قشة فتكون _برغم بساطتها _ أغلى عليكم من قصور الدنيا " "أموت اليوم قريرة العين , راضية عن الله وأسأله الرضا والجنة .. أمرّ على "يا أيَّتُها النفس المُطمئنة * ارجعي إلى ربِّك راضية مرضية * فادخلي في عبادي وادخلي جنتي" .. أدعوه أن يجعلني راضية مرضية "

(3)

المرة الأولى التي أراه _وهو الصلب القويّ_ يبكي بدمع حار .. كان الوقت قُبيل المغرب بدقائق .. حينما ارتجف صوته وهو يردد الأذكار , رفعتُ عيني لأرى وجهًا مُخضّبًا بالدموع , وجهٌ ما اعتدتُ أن أراه هكذا أبدًا ! كان يدعو "اللهم اشفها وعافها لأولادها ولي .. اللهم خفف عنها .. اللهم احفظها بحفظك " ويبكي !! وما يُدريك ما يُبكي الرجال ! وأي الرجال كان !! .. استغربتُ كثيرًا فقد كان صلبًا حين غادرته لغرفة العمليات , لكن لم يلبث أن انهار بعد لحظات .. * الصورة المرفقة مع النوت ليده حينما كان يُدفئ بها يدها الباردة من تأثير المُخدر على عضلات جسمها

(4)

تقولُ أمي دائمًا أنّنا من نكتب قصصنا بأنفسنا , أعني أن الذين يخرجون بفكرهم من الصندوق لا يرضون أبدًا بمن هم في

داخله ! .. تأكّد لدي هذا المفهوم حينما التقيتُ بهما مُصادفةً . وهو الشاب المُصوّر الاحترافيّ , وهي الطبّاخة المُتفانيه ! .. كافح لأجلها وأقنع والدها الذي كان يرى مهنته "متأكلش عيش" وتزوجا .. وفتحت هي مقهى ومحب حلويات صغير و إبداعي ..يساعدها هو بتصويره في الدعاية للمقهى . وينتظران وليدهما قريبًا , إنْ كان لي أن أصفهما بكلمة واحدة لربما اخترت الجنون" ! تلك النكهة التي لابد من على طبق الحياة لتغطي مرارة طعمها !

(5)

كانت تلك المقالة دونَا عن غيرها كأسوأ ما يكون _ لفظًا ومعنى _ لكن برغم ذلك ستظل المُحببة إليها ! ربما بسبب السطر الأخير الذي فيه بوحٌ على استحياء وتردد , وفيه بصيص ضوء يتسلل من انفراجة الصخرة وتزحزحها عن ذلك القلب الذي كاد ينسى شكل الضوء ! حين أراد أن يوضح مفهومه عن الأُلفة , قطع كُل أشواط الحياة دُفعة واحدة , وتخطاها إلى ذكر الموت يزحف إلى أحدهما الذي يذكر إلفه في ليلة باردة يحتاج فيها إليه ليُدفّء أطراف أصابعه ولو بحديثه !

يقول البرغوثي " وفي ارتباك المحبة ع المحبة دليل " .. أظنه على حق ! ف "إيلاف" الأولى و هذه مرتبكتان تمامًا ومتناقضتان في ظاهرهما .. لكنّهما متكاملتان بشكلٍ أو بآخر , وكأنه كان لاد لكل هذه الأشياء أن تحدث وأن يجعلني الله بشكل ما جزءًا منها لحكمة يعملها ! كان لابد لهذا أن يحدث

وأنا ممتنة تمامًا لكل هؤلاء الذي علموني ببساطتهم وصدقهم أن "الحب كالإيمان .. ما وقر في القلب وصدقه الفعل " .. يعتريني الخجل وأنا أكتب عنهم ! ومن أنا في بحر جمالهم لكنّ حقهم عليّ ألا أترك حكاياهم طي الكتمان

ولا أجد أفضل من أن أدعو بدعوة العزّ بن عبدالسلام : " اللهم إنك تعلم أن في قلب هذا العبد الصالح مُضغة تهفو إلى إلفها في غير معصية لك , اللهم فاجمع شمله بأمتك التي يحبها على سنة نبيك صلى الله عليه وسلم "


  • 18

  • زهرة الوهيدي
    وحين ننشد الحقيقة بواسطة العقل , يفرض الشكّ نفسه كوسيلة إلى المعرفة :")
   نشر في 31 يناير 2016 .

التعليقات

Dr.MFarid منذ 8 شهر
كلام من ذهب
0
Sahap A Al Astal منذ 9 شهر
رائع ما كتبت
1
Hasnaa منذ 10 شهر
ممتنة لكِ بالكثير يا زهرة
1
زهرة الوهيدي
وأنا أكثر :")
Mariam Mostafa منذ 10 شهر
ممتنةٌ أنا - أيضًا - لك .. لأني فيكِ أرى لونا صافيا من المحبة، تعلمينني كيف يكون الحب إذا ارتقى بالروح عن ركام الأرض وما فيها ..كلماتك صادقة كصدق معانيها
2

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا