كلثومونيا - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

كلثومونيا

لعشاق السّت

  نشر في 04 ديسمبر 2016 .

وسط ما نعانيه من حروب ودمار وبطالة وفقر وأميّة وتفكير سطحي وإدمان لأشياء طفت حديثا على السطح, كالفيس بوك وانستجرام وسناب شات. تبقى حالة الكلثومونيا مستمرة مع مرور السنين, غير متأثرة بعوامل التجوية والتعرية في الوطن العربي والعالم أجمع.

أسمعك تسألني... وما هي حالة الكلثومونيا؟ إنّني أنتظر سماع هذا السؤال منذ زمن طويل, وقد حشرت إجابته في قلبي لسنوات. الكلثومونيا عزيزي القاريء هي كلمة من تأليفي أطلقتها على كل إنسان مدمن لصوت أم كلثوم, بحيث أنه عندما يسمع غنائها يرتفع عنده هرمون السعادة بشكل ملحوظ, ويشعر بانتشاء روحي عجيب يفجر كل طاقاته الرومانسية المدفونة. حالة الكلثومونيا تكتسح شخصية المدمن فتجعله يصل لأقصى مراحل الارتياح والشعور التام بالرضا. إنه يتحول من ذلك المخلوق المختنق من الزحمة وقلة الراتب وضيق الحياة ومشاكل شخصية لا حصر لها, إلى مخلوق متخلٍّ عن صراعاته مع الحياة, مستسلم بسعادة مفرطة إلى صوتها العذب, الذي يُغرقه في حالة من اللاوعي اللذيذ والانفصال المؤقت عن العالم.

من الأعراض الأخرى التي تؤكد إصابتك بالكلثومونيا –مثلي-, أنه عند سماعك لصوت السّت تشعر بأنّك ترغب بالانعزال عن الآخرين لتطير معها في دنيا من الحب والحنان والطمأنينة. فعند دخول مرضى الكلثومونيا في هذه الحالة يتحولون إلى كائنات تميل إلى الوحدة والتأمل على انفراد. مع تزايد رغبتهم بالطيران والرقص ومغازلة أي أحد يقع في حدود نظرهم حتى ولو كان عصفور غلبان. لذا فاحرص عزيزي المصاب بالكلثومونيا بأن لا تزيد العيار وأنت تستمع لأم كلثوم, وإن كان ولا بد, فعليك المكوث في غرفة مغلقة الأبواب والنوافذ وليست في طابق عالٍ. وأوصِ أحد أفراد الأسرة بالاطمئنان عليك -وبهدوء- من حين لآخر.

الكلثومونيا لا ترتبط بعمر محدد أو فترة معينة من حياة المصاب. فمن الممكن الإصابة بهذه الحالة وأنت في سن الخامسة عشرة أو الثالثة والعشرون أو السابعة والثلاثون أو الثامنة والأربعون ... وهكذا دواليك, حتى يصل قطار العمر إلى محطته الأخيرة. إنّ هذا الارتباط الوثيق بصوت السّت هو كارتباط الإنسان بوطنه. فأنت مهما ابتعدت عن هذا الوطن ومهما نسيته خلال سباق الحياة الطويل, تبقى من دون تفكير تتكلم بلهجته وتأكل من أكلاته المعروف بها, وتجيب باسمه بسرعة إن سألك أحد ما عن جنسيّتك. إنك لا تجلس لتفكر مليّا في حبل المشيمة الذي يربطك بوطنك لأنه موجود دائما بينكما, لكنّك اعتدته كثيرا فلم تعد تحس بوجوده. وكذلك صوت السّت, إننا نسمع أغانيها في كل مكان حولنا.. في سهرات التلفزيون المتأخرة, وفي الإذاعة, وفي الأفلام والمسلسلات. في المقاهي والحارات. في السيارات والحافلات العمومية. في حفلات الأعراس وفي المهرجانات. في الأرياف وطرق السفر. وحتى في الطائرة وأنت تسافر بين الغيوم. كلمات أغانيها أصبحت أقوالا خالدة يُستشهد بها في مواقف الحياة الروتينية. فمثلا إذا ترك سين حبيبته الخائنة, وحاولت هي إرجاع المياه إلى مجاريها. نرى سين يقول لها: (لسّا فاكر قلبي يديلك أمان.. ولاّ فاكر كلمة هتعيد اللي كان. كان زمان!).

وإذا كانت صاد قد انفصلت عن خطيبها منذ سنة, ثم التقت بصديقة لها وسألتها الأخيرة عن أخباره. هنا تستذكر صاد أغنية السّت: (كلّموني تاني عنك.. فكروني. صحوا نار الشوق في قلبي وفي عيوني). وإذا كان سين يحب صاد منذ سنوات, ولا يجرؤ على الاعتراف بسبب عزة نفسه الكبيرة التي لا تحتمل رفض صاد, فإنه يضطجع على سريره ليستمع بنهم للست, وهي تصف مشاعره بدقة تجاوزت دقة أجهزة رصد الزلازل: (بدّي أشكيلك من نار حبي.. بدّي أحكيلك عاللي في قلبي.. وأقولك عاللي سهرني وأقولك عاللي بكاني.. وأصورلك ضنى روحي.. وعزة نفسي منعاني!) وقِسْ على ذلك كل قصة حب أو انفصال أو عشق أو غزل أو لقاء أو شوق...الخ. إنّ هناك وصفا وتحليلا للحالات والمشاعر التي نمرّ بها في حياتنا بصوت السّت الأسطوري. حتى إني لأشعر أنّها لو غنّت لحالة لم يمر بها إنسان بعد, فسنفهم ما تغنيه وننطرب ونقول: آآآآآآآآآآآآآآآآآآه يا ست.. عظمة على عظمة.

نعم.. فلصوتها القدرة على تجميل أي كلمة ينطقها حتى لو كانت كلمة عادية جدا مثل كلمة .. شجرة. إنك مع هذه السيدة تدخل في حالة من الاستسلام التام لها. تضع كل أسلحتك جانبا, وتوقظ أشجانك وأحلامك وآمالك.. ثم تُرسل مخاوفك وآلامك وخيباتك بعيدا. وتبدأ بعدها روحك بالشروق في دنيا من السحر ليس فيها شر ولا حسد ولا غيرة ولا نفاق.. فكأنها جنة صغيرة جُعلت على الأرض .. تُفتح أبوابها فقط عندما تتكلم السّت.

أم كلثوم. السيدة الفاضلة والخالدة في ذاكرة البشرية, يا من ينبعث صوتك كطيور حب تدخل قلوبنا ثم تبني أعشاشا دافئة:

: كم أناديكِ وفي لحني حنين ودعاء. يا رجائي أنتِ, كم عذبني طول الرجاء. أنا لولا أنتِ لم أعرف طعم الهناء! (مع الأسف لروح الشاعر الهادي آدم لتغيير بعض كلماته).

بالنهاية, أشكر الله على حالة الكلثومونيا وأدعوه أن يديمها عليّ وعلى أمثالي من المصابين بها كنعمة تُرينا الجانب الآخر من الحياة.. حيث النور والبهجة فقط, فلا ظلام ولا سواد. وأسمح لنفسي هنا أن أزيد ألقابكِ العديدة لقبا... وهو: (تُرجمانة القلب). لأنّك عزفت على كلّ أوتار قلوبنا بخفة وبراعة وجعلتِنا نرى صوتك كما نرى شمس الظهيرة في منتصف السماء.


  • 2

  • نور الكنج
    كاتبة/متزوجة/ جذوري نبتت من العراق وامتدت إلى الأردن وسوريا واستقرت أخيرا في أمريكا. الخيال هو صديقي الصدوق مثله مثل الكتابة والقراءة والرسم. أكتب قصص أطفال وقصص كبار (تستعد للنشر الآن) أم كلثوم وعبد الحليم يضعانني في ...
   نشر في 04 ديسمبر 2016 .

التعليقات

بسمة منذ 12 شهر
اظن انني مصابة بحاله "هندومونيا"
وهذه الحالة تصيب لمن يعشق الأغاني الهندية بأصوات نسائية مثلي خخخخخ ،
حين استمع لها
اشعر انني سعيدة وتضعني في دوامة الرضا واشعر برغبة في التحليق ايضا ،
حتى انني اغلق باب غرفتي حتى اندمج معها ^-^ .
2
نور الكنج
وانا ايضا احب الاغاني الهندية كثيرا

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا