جاري البحت عن زوجة...... المحاولة العاشرة (10) حمامة عروس من الشمال - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

جاري البحت عن زوجة...... المحاولة العاشرة (10) حمامة عروس من الشمال

قصة قصيرة

  نشر في 21 أبريل 2015 .

جاري البحت عن زوجة...... المحاولة العاشرة (10)

حمامة عروس من الشمال

كانت الشمس الشتوية ترسل أشعة صفراء. تنعكس على الجدران الباهتة. غسلت وجهي في مغسل المطبخ، فأنا مند زمان لا أستعمل مغسل الحمام، بسبب المرآة التي تظهر وجهي منشطرا إلى نصفين. ربما بسبب تقادمها... وأنا أملأ الإناء لتهيئ الشاي... فكرت في شراء مرآة جديدة...

فطرت... ووضعت الأواني في المغسل... أغلقت باب المطبخ. ولجت إلى عرفتي. سرحت الغطاء الأحمر المورد على السرير... مسحت طاولة "لكومد"... أعدت ترتيب قارورات عطري، التي وجدت بعضها تحت السرير وبجانب حقائبي.

فتحت النافذة، غمر الغرفة ضوء شاحب يتسلل من وراء ستارة مطرزة الحوافي بالأحمر. أمسكت بطرف الثوب الأملس لأزيحه عن النافذة. اشتريته سابقا في إحدى جولاتي الغرامية، بوصاية وطلب من عاشقة جيبي قبل عقلي...

في ذلك اليوم المشؤوم، كانت ذاكرتي تقودني إلى البعيد، دون أن أستطيع، أن أقاوم هذا التيار الجارف الذي أعادني إلى أحلامي... وأنا لا أريد لهذا الشلال الغامر من الذكريات أن يتوقف، فهو لذيذ يقودني إلى البدايات.

عاد تيار الذاكرة المتدفق موجا، يحملني إلى طيات الماضي القريب: بناء على دعوة صديقي محمود في مدينة تطوان الحمامة... استقلت حافلة الركاب، منتشيا فخورا بحضور عرس صديق "جبلي" على أنغام "الطقطوقة" وعبق تاريخ حافل بآثار المورسكين في تمازج مع حضارة أمازيغية ريفية...

استوطنت كرسيا وأنا أدندن لكاظم الساهر أغنية:

علمني حبك.. سيدتي

أسوء عادات

علمني أفتح فنجاني

في الليلة ألاف المرات...

وأجرب طب العطارين...

وأطرق باب العرافات...

علمني... أخرج من بيتي...

لأمشط أرصفة الطرقات

وأطارد وجهك...

في الأمطار، وفي أضواء السيارات...

وأطارد طيفك...

حتى... حتى...

في أوراق الإعلانات...

علمني حبك...

كيف أهيم على وجهي... ساعات

بحثا عن شعر غجري

تحسده كل الغجريات

بحثا عن وجه... عن صوتٍ...

هو كل الأوجه والأصوات...

بعد معاناة وتعب السفر، حللت آمنا إلى المدينة. وجدت صديقي في استقبالي، الذي أخدني مباشرة، لمد يد العون في الحفل المقام. داخل منزل قديم تتوسطه باحة كبيرة مزينة بفسيفساء من الزليج القديم. أعمدة حجرية كبيرة منقوشة. جداران الحيطان مبلطة "بتدلاكت". سقوف البيوت مكسوة بألواح من خشب السرو. جبس مرصع بآيات من القرآن تتدلى بحوافها... كراسي وطاولات التف حولهم جمع من المدعويين...

دخلت غرفة الضيوف حيث النسوة يزغردن. كانت زاوية مخصصة لجلوس العروس. وضع عليها غطاء أبيض مطرز بالأخضر، في طرفه جلست امرأة جميلة ممتلئة الأرداف. عيناها كحيلتان. صدرها المشدود بارز للعيان. أرداف معطاء، خاصرة تسيل اللعاب، شعرها مصفف بعناية زائدة، لونه أكاجو. خديها ناعمتان، اعتلتهما حمرة خافتة.... أنف كقمحة شعير ثقبت الجلد. فاه رسم بريشة فنان. شفتان رقيقتان. زينت بأحمر شفاف، تبدوان كشهد عسل أتلمظ مذاقه، وأنا أتمطق بصوت مسموع، أذهلتني نشوة الجمال والمكان...

حملت يدها اليمنى وضعتها على فمها. اليد البيضاء الممتلئة. الأصابع المثقلة بالخواتم المنبثة بالأحجار، أزرق شفاف على أظافر الأنامل... وزغرودة للعروس... زغرودتان... وقفت بطولها المعتدل وهتفت امتنانا للعروس من صديقتها: صلاة وسلام على رسول الله إيلا جاه سيدنا محمد. الله مع الجاه العلي... زغرودة... زغرودتان... ثلاث زغاريد للعروس... دون أن تزيح عينها مني...

انتهت المرأة الريفية الجميلة التي تزغرد... يا إلهي إنها فاطمة المقيمة بمليلية المحتلة... ما الذي أتي بها هنا؟ اشتد عودها... صرخ محمود صديقي...

بدت جميلة في أناقتها وبهاءها... لا زالت حروف جمالها بارزة رغم عمرها. مليحة، نابضة بالحياة: فاطمة. جوهرة. أيقونة. ماسة... طرف أو خلاص...

أعجبتني كثيرا... غمزتها بعين متقدة... تبادلنا الإبتسامات... أنزلت رموش العين إلى الأرض في حشمة ودلال... وحنين القلب...

في غفلة اللحظة، كانت هناك فتاة تراقب ما يحدث بيني وفاطمة الجميلة... أطلقت صرخة وأفلتت من يد أمها الحارسة... التي لم تعرف ما حدث. انقضت على المرأة الجميلة. تخنقها. ساد لغط كبير في الغرفة. سقطت العروس أرضا. تحطمت باقات الزهور. إحدى "اللعابات" أرادت أن تضرب الحمقاء... فكسرت "طعريحتها" على الأرض...

صرخت أم العروس، نادبتا شعرها وخدها في استغراب مثير:

تحطم عرس ابنتي... يا ويلي... يا ويلي...

أطلقت الحمقاء ساقيها للريح. كانت تجري عبر الشوارع. في الطريق، إلتقت موكب الهدية تتقدمها "الضروبة" البقرة التي اشتراها العريس لعروسه، وعربة مجرورة بخيل تحمل أشياء كثيرة. متبوعة بحشد من عائلة العريس وأصدقائهم. يغنون ويرقصون:

الهدية يا لالا... الهدية ليك جاية...

صرخت في وجههم، ملوحة بيدها في إشارة للوقوف:

العرس انتهى... فتوقفوا عن الضجيج... ارحموني من كل هذا الصخب...

انطلقت المجنونة بكل سرعة إلى البرج القديم المقابل للبحر... وقفت على جدار قديم. بدأت تنظر للأسفل. أغمضت عيناها. رأت نوارس تحلق وغماما يسافر في السماء... يخلق صورا وأشياء جميلة. رأت ضوءا كالضوء الذي تراه في منامها، حين كان الله يمد إليها يديه، ويهدئ من روعها... يمضي الغمام إلى الأمام والموج يندفع باستمرار. كان صوت داخلي يناديها: تعالي... تعالي..

نظرت إلى الأسفل ثانية. مدت رجليها. تقدمت خطوتين للأمام... أغمضت عينيها، ثم فتحتها. نظرت إلى الأعلى...

النوارس تحلق في المدى البعيد. اللون الأبيض يسقط من السماء. ينعكس على الزبد الذي بدأ يرتفع. الأمواج كأذرع مفتوحة تناديها. تقدمت خطوتين إلى الأمام. تذكرت كل شيء، قبل أن تصيح:

أنا قادمة...

تذكرت فاطمة الجميلة. هرعت للاطمئنان وسماع أخبارها. وجدتها محاطة بهالة من النساء. نفسية منحطة. وجهها أخاديد من الدماء... جال في خاطري: "هذا وعدي وأنا نصرفوا"....

سعيد تيركيت

الخميسات - المغرب - 19 / 04 / 2015



   نشر في 21 أبريل 2015 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا