يا فضيلة الشيخ... ما هكذا تورد الإبل - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

يا فضيلة الشيخ... ما هكذا تورد الإبل

  نشر في 03 ديسمبر 2016 .

شاهدت منذ مدة – ليست بالقصيرة – إحدى حلقات برنامج حواري يتناول المواضيع الاجتماعية، ولا أعلم لماذا لا استطيع نسيان أو تناسي – على الأقل – الحوار الذي دار فيها. وكلما تأملت في واقع أمتنا الإسلامية تعود تفاصيل الحوار وكأنها تدور أمامي الساعة.

عالجت الحلقة يومئذ موضوع الشذوذ الجنسي (اللواط) في بعض دول البلاد العربية والإسلامية، ومناقشة هذا الموضوع وما يشابهه على الهواء مباشرة لها ايجابيات وسلبيات.

فهي تبين من جهة ولو بشكل موجز أخطار هذا السلوك ومضاره على الفرد في دنياه وأخراه، وتأثيره السلبي على المجتمع بشكل عام.

لكن ومن جهة ثانية، فإن مناقشة هكذا موضوع على الجماهير العريضة، والتي منها من سمع ومن لم يسمع، ومنها المراهق، ومن ليس لديه مناعة دينية أو أخلاقية على أقل تقدير، يعتبر كتسويق غير مباشر لهذا السلوك المنحرف الشاذ.

فعند عرض الموضوع للمرة الأولى تشمئز منه النفوس وتأبى الاستماع، وإذا ما تكرر الحديث عنه ثانية، ترى المقاومة قد انخفضت، ومرة بعد مرة، يتوصل البعض إلى اعتبار السلوك، وإن كان غير مقبول دينياً، إلى وضعه في خانة الحرية الشخصية.

ويتم التسويق غير المباشر لهذا الجرم أيضا، عندما يتفوق من يدافع عنه على من يحاربه. ففي الحلقة المذكورة استضافت المحاورة رجل دين مسيحي وشيخاً مسلماً وعالم نفس، إضافة إلى مقابلات مع شباب يقومون بهذا السلوك الشاذ في كل من مصر ولبنان.

فعالم النفس أشار إلى رأي علمه الذي لا يعتبر هذا السلوك سلوكاً مرضياً، وإنما هو ناتج عن اضطراب في الهرمونات الجنسية...

وتحدث فضيلة الشيخ عن قوم نبي الله لوط عليه السلام وما كان عقابهم في الحياة الدنيا، غير ما توعدهم الله سبحانه وتعالى به في الآخرة، وأضاف أن هذا السلوك مناف للفطرة التي فطر الله الناس عليها؛ وهو مأجور بذلك إن شاء الله.

لكن يا فضيلة الشيخ النوايا الحسنة لا تكفي.

لأن هؤلاء الشباب، وكان من بينهم شاب اسمه محمد!!!، وكما قال ابن قيم الجوزية رحمه الله لو تمكن وقار الله وعظمته في قلوبهم لما تجرؤوا على معاصيه(1). فلو أن هؤلاء الشباب آمنوا حق الإيمان بأن الله تعالى من أسمائه الحسنى العادل، وتفكروا أنه لا يمكن للعادل أن يخلق إنساناً ما لديه اضطراب يدفعه إلى سلوك شاذ ثم يعاقبه على هذا السلوك!!

تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا

فالله سبحانه وتعالى من رحمته بعباده وعلمه بضعفهم، خفف عنهم في أمور كثيرة، كالمسح للمريض، والإفطار في رمضان للمريض والمسافر....

وكان من الأنسب الرد على كل شبهة من منطلقاتها. فعالم النفس الذي لا يعتقد أن هذا السلوك سلوكاً مرضياً، يمكن أن نذكره بأنه "وحتى سنة 1973 صنفت الجمعية الأمريكية لعلماء النفس (APA) الشاذين جنسياً، كمرضى نفسيين، ونتيجة للتجمعات والتظاهرات الخاصة بحقوق الشاذين جنسياً، وإعادة النظر من قبل الأخصائيين في المرض العقلي  ( الذين لم يجدوا علاقة محددة بين الشذوذ والمرض النفسي)، قررت الجمعية عدم اعتبار الشاذين جنسياً ضمن المرضى النفسيين أو غير الطبيعيين في مجموعهم العام سوى الذي يشعر منهم بألم وبؤس بسبب كونه شاذاً جنسياً (اختيار ذاتي)، حينئذ يمكن تصنيفه من المرضى النفسيين"(2).

فهل نستطيع الثقة والاعتماد على هذا العلم الذي تتغير قواعده بناءً على موقف العامة؟؟!!

أما الذريعة الخادعة التي تعتبر أن اللواط ناتج عن اضطراب في الهرمونات الجنسية، فهذا تدعيه بعض النظريات العلمية التي لم ترق إلى مرتبة القانون العلمي بعد، فهناك فرق شاسع ما بين النظرية التي تفسر ظاهرة ما تفسير مبدئي لم تثبت صحته بعد، وبين القانون العلمي.

فكم من نظريات في تاريخ العلم فسرت بعض الظواهر ثم تبين بعد حين خطأ هذه النظرية، وفي موضوعنا تكون النظرية والمروجون لها قد ظلموا خلقاً كثيراً بإعطائهم ذريعة علمية لسلوكهم الشاذ.

فمثلا كان بعض الأطباء في الولايات المتحدة في خمسينات القرن الماضي ينصحون المرأة الحامل بتدخين السجائر، لأنهم اعتقدوا أنها وأثناء فترة الحمل وتوقف الطمث تكون متوترة وأكثر حساسية تجاه الهموم اليومية، والتدخين بزعمهم يساعد الحامل على الاسترخاء؛ ولكن بعد تطور وسائل التصوير الصوتي وغيرها من الوسائل، تبين الأثر السلبي الذي يتركه التدخين على الجنين. فهذه النظرية ومثيلاتها، كنظرية تفسير الشذوذ الجنسي باضطراب في الهرمونات الجنسية، تتغير مع الزمن، وتبقى الحسرة على الجيل الذي تربى في ظل هذه النظريات.

فيا شيخنا الفاضل أذكر نفسي وأذكرك بأن من أراد التصدي للجاهلية المعاصرة، الجاهلية المركبة التي عمودها وسنم جملها تأليه العقل، لا يناقشها إلا من منطلقاتها، كما جاء في الأثر عن عمر بن خطاب رضي الله عنه أنه قال:" إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية".

---------------------

1) ابن قيم الجوزية، الداء والدواء، ص71.

2) نزار العاني، أزمة علم النفس المعاصر، في مجلة إسلامية المعرفة، العدد6، ص54.

3) ابن تيمية، الفتاوى،10/301.


  • 3

  • د.فاطمة أحمد عميص
    لبنانية حاصلة على اجازة جامعية في علم النفس وماجستير ودكتوراه في الدراسات الاسلامية ، قسم التأصيل الاسلامي للدراسات النفسية
   نشر في 03 ديسمبر 2016 .

التعليقات

جميل جدا موضوعك وتكلمتي فيه من زاوية جديدة الله يعطيكي العافيه
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا