لا يكفي أن تكون جريئا حتى تأخذ حقك - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لا يكفي أن تكون جريئا حتى تأخذ حقك

سميرة بيطام

  نشر في 23 مارس 2018 .

ان أكثر مظاهر التشاحن و التباغض و ظاهرة حب الانتقام و التي رسمتها سياسات دول و أفكار بشر و دونتها أقلام أشباه الكتاب لهو ضرب من المجازفة الصارخة للوصول لهدف ما أو الاطاحة بخلق ما أو رسالة مشرفة سيظل التاريخ يذكرها على مر العصور.

و ما يتكبد الدول العربية اليوم من صراعات و مشاحنات و تباغض و حروب فجرتها رغبات جامحة في صناعة القرار مكان الشعوب المقهورة لهو جرأة ، و يمكن أن تكون شجاعة و لكن لن توصل لشيء لأنه ينقصها الكثير من ركائز الانطلاقة الصحيحة لتمولها أفكار نيرة و رغبات موزونة بغير افراط و لا تفريط.

و ما سحب الفوضى التي اجتاحت دول الشرق الأوسط ما هي إلا تنفيذ لأجندات لدول قوية عظمى هي ظالمة من موقعها تريد امتلاك ما لم يكن لها حق فيه ، و ما ثغرات تشتت الشعوب العربية و انقسامهم بسبب الطائفية و المذاهب الدينية إلا فتحات تسللت منها الدول القوية كروسيا و أمريكا و غيرها لتزرع بذور الفتنة و في مخططاتها رغبة كبيرة للإطاحة بالمنافسين بل بالمتسابقين على الكعكة العربية و الاسلامية.

نفس الشيء أي نفس السيناريو يتجلى في علاقات العرب و المسلمين فيما بينهم في أبسط السلوكات و من منطلق أبسط مستويات التعامل ، فنجد الفرد العربي اليوم يتعالى بأبسط ردود الفعل حينما يتعلق الأمر بحق من الحقوق و يبدي في ذلك جموحا لاقتصاصه و بأي الطرق ، و ما تعانيه المؤسسات المهنية و المدارس و الجامعات اليوم من مشاحنات إلا للمطالبة بمجموعة حقوق و مجموعة رغبات في صورة لائحة مطالب بجرأة كبيرة.

ترى هل طريقة المطالبة بالحق مشروعة ؟ و هل الحقوق المطالب بها في حد ذاتها مشروعة ؟ و هل استعمال الجرأة دليل على أن ذاك الحق لصاحب من استعمل تلك الجرأة و في تخميني أن الحق لا يحتاج لصيحات كثيرة و شعارات يتغنى بها في المناسبات و في غيرها ، صفة الحق مكفولة بقانون الأحقية و مبادىء العدالة المستمدة من الدين الاسلامي و الانصاف و تفعيل الأخلاق من عقيدة سمحة أثناء التعامل مع كل المستويات و على اختلاف الذهنيات و درجة الاقتناع بدرجة الحق الضائع و الذي يحتل له دائما مرتبة الاجحاف أو الانتهاك أو الخسارة أو التسيب أو الاهمال ، فلو لم يكن حقا لما ثارت الأفكار لتصطف بأصحابها و من حناجرهم أصوات تتعالى للمطالبة بالحفاظ على حقوق الانسان ، و حقوق المرأة و حقوق المعاق و حقوق الأستاذ و حقوق الطبيب و الممرض ووو و غيرهم كثيرا إلا حقوق الحيوان أكرمكم الله لم يدرج ضمن لوائح قوانين حقوق المخلوقات ، ربما لعدم أهميتها قياسا بما هو في أجندة الحقوق الآدمية أو ربما لأن الحيوانات مخلوقات لا تعرف معنى الحق لأنها فاقدة للعقل الذي يتصور بالتفكير عن انتقاص شيء مملوك سلفا بمجرد الخليقة أو بمجرد الميلاد و أهمها الحريات اللصيقة بالكيان المخلوق و بحريته و مطالبة الغير بالاحترام له لأن الحياة دبت فيه و هو يتحرك على الأرض وفق قانون أحقية الوجود و الامتلاك لرقعة يقيم فيها كوخه أو بيته ، و لكن السؤال الذي يطرح نفسه بنفسه :

ماذا لو كان الكون عادلا في قوانينه و في تفعيل الأخلاق بين المخلوقات هل سيضطر البشر عبر المعمورة لأن يطالبوا بحقوقهم و بالطرق التي يعرفونها ويقتنعون أنها مستمدة من القانون ؟.

و أنا أطالع كتاب الجزائر الثائرة للفضيل الورتلاني استوقفني عنوان :الامتزاج ، أم الدولة ذات الجنسيات ؟ ، و قد ورد تحت العنوان ما يلي :

صاحب هذا المقال " سيل امري" من كبار علماء فرنسا المتحررين ، و عضو في المجتمع العلمي و أستاذ قسم التخصص و التبريز في كلية العلوم بجامعة الجزائر ،و هو بحكم الدم و الرحم ،و بحكم المصلحة يحب فرنسا ،و يريد لها الخير ،و لكنه في الوقت نفسه انسان يرى أن للإنسانية كرامة مقدسة لا يفقد اعتبارها أحد ،بسبب لونه ،أو عرقه ،أو ضعفه ،ثم انه يرى أن كل معركة تقوم بين الحق و الباطل ،فالنصر النهائي للحق دائما ،لذلك يكتب هذا المقال بتجرد، و يسخر من ألاعيب بني جنسه و عبثهم ،لأنهم قد قضوا قرنا و ربع قرن في الجزائر ، يتمتعون وحدهم بخيراتها، و يمتصون دماء أهلها ، و اذ 

 رأيتهم يحاولون يوما أن يغيروا شيئا من الأوضاع فيها ، فلا يتجاوز البحث تغيير الألفاظ مطلقا ،فمن كلمة الاستعمار الى الالتحاق الى الاندماج الخ...و آخر ما وصلت 

 اليه عبقريتهم في اختراع الألفاظ هو كلمة (الامتزاج ،أو الدولة ذات الجنسيات) و نحن نترك مهمة شرح هذا الدجل الاستعماري لمقال" مسيو ايمري" و المقال من تعريب البصائر عن جريدة لوموند بتاريخ 6-10-1955.

لكن قبل أن استمر في تكملة كتابتي للموضوع أريد الاشارة ألى ان لفظ" مسيو" و التي تعني بالعربية الفصحى" سيد " كتبته كما هو في الكتاب حفاظ على الأمانة العلمية لأني لست من محبي الكتابة بالعامية أو بلغة خارجة عن مجال العربية الفصحى النزيهة من كل كلمات لا تنتمي لعائلة كلماتها العريقة.

و في مقال للمدون الجزائر عبد القادر باغلي بعنوان : من قال أن العبودية انتهت ، يقول:

يتراءى لدى البعض أنهم مستضعفون في بلدانهم، أو بمفردات أخرى، محتقرون ومهمَّشون، وترى أنت الذي تقرأ الآن أنك كذلك ضعيف وغير قادر على تقديم أي شيء يُذكَر، وأن لك العديد من المطالَب لم تتحقق، وعدد من الأماني لربما تتمناها، ولن تبلغها ببلدك الذي تعيش فيه، أتدري لماذا؟ لأنك بكل بساطة مستعبَد.

قديماً كان الإنسان سيدَ نفسه، يُطعم أهله مما يجنيه من أرضه، ويلبس ثيابه مما خاطت له زوجته وأبناؤه، يدرسون عند مَن أوتوا العلم مجاناً، كان كل شيء تأتي به تكون أنت سبباً فيه، ولا تنتظر دنانير تُغدق عليك حتى تقضي حاجياتك.

نعم أنا وأنت وجميع مَن في الأرض مستعبَدون، يستعبدنا حكامنا فيضعون لنا القوانين؛ كي نعيش بها، ويسمّون لنا المدارس والجامعات وندفع أجرة النقل والدراسة للحاكم، وندفع ثمن الأكل وتنقص قيمة أموالنا نتيجة للتضخم وأخطاء الحاكم في التسيير، فيدفع المواطن ثمن الخطأ الشنيع، ولكن لا يمكنك انتقاد الحاكم، ببساطة لأنك عَبْدٌ مملوك.

و تنتهي بعض فقرات المدون الجزائري هنا ، يعني شخصيا أخذت مثالين لعرض بعض الأفكار اللصيقة بمعنى الحق و ربما حتى الحرية ، و لكن لم أجد ضالتي و لذلك سأستمر في سرد ما بداخلي فكري و اعذروني ان أخطأت أو لم أصب لب فكرة الحق من جوانب التحقيق و النصرة و النجاح.

في مساءلة مني راقية جدا لكل انسان يطالب بحقه ، أن يتحرى بعض الأمور قبل المطالبة بهذا الشيء العزيز على كل واحد منا ، من بين تلك الأمور سلسلة تنبيهات و التفاتات :

*يجب أن تتأكد أن حقا ما في مكان ما أو في كيان ما او في مبلغ ما أو في عقار ما أو تحت تسمية مظلمة هو فعلا حق ، يعني ملكك ، يعني الدين و القوانين سنت لك ملكية خاصة بغير قيود و لا حسابات و لا مناورات .

*معرفة مقدار و حدود هذا الحق ، كم قيمته ، كم حجمه و أين تتوقف حدوده المشروعة لك.

*أسلوب المطالبة بالحق ، يجب أن يكون بهدوء و باقتناع كبير و ليكن بتفعيل أخلاقك من غير أذية لأحد أو تجاوزات حتى لو كان لك فعلا ، فقمة النيل للحق تأتي بعد الصبر و التصبر و السير بخطى كلها خلق و تواضع و سيرة حسنة في التعامل و ليس المجاهرة و التلفظ بما لا يليق و استعمال العنف بأنواعه..لا ما هكذا يؤخذ الحق و للمطالب أن ينام مطمئن البال على عبارة : ما ضاع حق ورائه مطالب.

*ارجاع الحقوق لغيرها ان كانت ضمن حقك الفردي كالميراث مثلا أو مسكن أو قطعة أرض ، حتى الأذية من الجار للجار الآخر له فيها أحقية ، حينما يرمي بقايا الأكل بجوار مدخل العمارة ، فباقي الجيران لهم أحقية من اقتصاص الأذية من المتسبب ان كان فردا واحد و لكن بخلق و حكمة.

*لحكام الجور من كانوا سببا في موت ضحايا و تشريد أطفال و أيتام و حرق منازل كما يحدث الآن مع الشعب السوري و اليمني و الروهينغي و غيرهم ، حقوق كثيرة نائمة تحت سلطتكم و لكم حساب عسير من رب العباد ان كان في يد أحدكم قرارا بالإبادة الجماعية لأن الضرر بليغ و الجرح عميق و الألم كبير و لن تشفع لكم شفاعة انسي واحد.

*للمسؤولين في الادارات و من على مكاتب صنع القرار و اصداره في تحويل موظف ظلما أو طرده جورا او تلفيق فتنة أو تهمة باطلا ، هناك حق نائم فيما بين أسطر تلكم القرارات فانتبهوا و لا يأخذكم غرور التفوق في المرتبة لأنها تكليف و ليس تشريف.

*لكل عامل بمستشفى أو مصحة طبية استشفائية أخذ دواء مريض بغير وجه حق أو تسبب في خطأ طبي أو شبه طبي لإهمال او تسيب ، احذروا فالحقوق نائمة في المقابر و يوم القيامة محاكمات عادلة لا تخطىء أبدا .

*الى كل من تعرض لتجريح بالكلام أو انقاص من قيمة كيانه معنويا أو ماديا أو فيزيولوجيا بالعمل الشاق المفروض قهرا ، صبرا ، فحقوقكم لن تضيع فهي محفوظة عند رب العباد .

و على النقيض ممن يريد استرداد حقه و يجاهر بالقوة و استعمال العنف أحيانا أقول : ما هكذا تسترد الحقوق ،و لا يكفي أن تكون جريئا فقط لتأخذ مطالبك بل اعمل بهذه الأبيات للشافعي تعرف لب مضمون الحق و لو بعد حين :

اذا سبني نذل تزايدت رفعــــه ***** و ما العيب إلا أن أكون مساببه

و لو لم تكن نفسي علي عزيزة ***** لمكنتها من كل نذل تحاربــــــه

و لو أنني أسعى لنفعي وجدتني***** كثير التواني للذي أنا طالبــــــه

و لكنني أسعى لأنفع صاحبي ***** و عار على الشبعان ان جاع صاحبه

و قال أيضا :

بلوت بني الدنيا فلم أر فيهـــــم      *****      سوى مكن غدا و البخل ملء اهابه

فجردت من غمد القناعة صارما    *****      قطعت رجائي منهم بذبابــــــــه

فلا ذا يراني واقفا في طريقه       *****      و لا ذا يراني قاعدا عند بابـــــه

غنى بلا مال عند الناس كلهم        *****      و ليس الغنى إلا عن الشيء لآ به

اذا ما ظالم استحسن الظلم مذهبا *****    ولج عتوا في قبيح اكتسابه

فكله الى صرف الليالي فانها          *****     ستدعو له ما لم يكن في حسابه

فكم قد رأينا ظالما متمـــــــردا         *****     يرى النجم رتبها تحت ظل ركابه

و أختم بان أوصيك أيها القارىء بمقولتي في هذه الأبيات :

اطلب الحق في أعلى مراتبه           *****      و لا تنزلن مرتبة السفيه في مظالمه

يكفيك أنك على حق و صاحب حق  *****   فلا تتعب في السعي لحق هو في عمقه لك

سيعود لك في أحلى أثوابه و ابهاها***** فاستعد ليوم التشريف به في سعادة ما أحلاها

لا تنس من حواليك مظلومين و محرومين*****فبالأمس كنت منهم و اليوم كن لهم نصيرا


  • 2

   نشر في 23 مارس 2018 .

التعليقات

Salsabil Djaou منذ 2 سنة
مقال اكثر من رائع،بالنسبة الي اعدت قراءته لغزارة افكاره،اشكرك على المعلومات التي افدتنا بها ،دام قلمك سيدتي الكريمة ،بانتظار كتاباتك دائما.
1
د.سميرة بيطام
غزارة الأفكار هي لطبيعة الموضوع الذي يستحق اكثر من ورقة دفاع و اكثر من ملف للتحقيق و اوسع حضور للوعي و للضمير ...عزيزتي نكون ضعافا جدا حينما نكتب عن الحق
دمت وفية.

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا