دَمْ...عٌ عَرَبيٌّ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

دَمْ...عٌ عَرَبيٌّ

أَنفاسُ قَلبٍ مَوْجوع

  نشر في 15 ديسمبر 2017  وآخر تعديل بتاريخ 25 يوليوز 2018 .

بين ميم الدَّم وعَيْنِ الدَّمْعِ كَلامٌ كَثيرٌ، ومِنْهُ ما لا تَقْوَى عَلَى حَملِه الحُروفُ، ومِنْه كَلامٌ يَقْرَع الضَّمائِرَ قَرعَ القَنا والسُّيوف.

تَمتَزِجُ الدِّماءُ بِالدُّموعِ، فَنَنزِفُ دِماءً دامِعةً، أوْ نَبكي دُموعًا دامِيةً، والمسافةُ بَيْنَ الدَّمِ والدَّمْعِ سَكْتَةٌ خَفيفَةٌ، أوسَكْرَةٌ طويلةٌ، كَسَكرَتِنا بالتَّخلُّفِ والبُغضِ والعداوة.

المَسافةُ سَكتَةٌ خَفيفةٌ عندَ ميمٍ مُثْقَلةٍ بالدِّماءِ والدُّموعِ، بِدماءِ الشُّهداءِ ودُموعِهم، فنَحنُ نَبكي لَنا ولَهم، مثلما سالت دِماؤُهم لهم و لنا، أو سَكرةٌ طويلةٌ بعيدةٌ عندَ ميمٍ مَزَّقها الحُزنُ، لَكأنِّي بها ماتَت بَيْنَ شِفاهِنا المَخيطَةِ بالظُّلمِ، المُقَيَّدةِ بالجَهلِ، أو بالرَّكضِ خَلفَ لُقمةِ خُبزٍ، أو لُقمَةِ كرامةٍ، أو لَعلَّها غرقتْ في بحرٍ مِن الدِّماءِ والدُّموع، أو نَجتْ مِن بحر الدِّماءِ، فَجازَتْ إلى بَحر الدُّموعِ بَرزَخًا مِن المشاعر الأليمة، ومسافاتٍ طويلةً من الشُّعُورِ بالظُّلْم، وفَقْدِ النَّصِيرِ، في جَسَدٍ تَضَوَّعُ منهُ رائِحَةُ الجِيَف، تباعَدتْ أطرافُهُ، وتَفَكَّكَتْ أَوصالهُ، فإنْ صَرَخَ أو اسْتَصرَخُ، لا يُغيثُهُ إلّا طاعون الفساد، أو سرطانُ الخيانةِ.

أخُطُّ هذه الحروف بالدم، وأقطع نَفَسي قليلا، لعلّي أستجمِع شَيئًا مِن القُوَّةِ لِأُكمِلَ أَواخِرَهَا بالدَّمعِ، ولِأمرٍ ما كان الـ(دم) بداية الـ(دم)ع، وأبَى إلّا أنْ يَتَغلغَل في الـ(مِد)اد، فَكأنَّها مادَّة واحدة، سائلةٌ بأشكالٍ مختلفة، على التراب تارةً، وتارَةً على الورق، ومرَّةً تَغْرقُ فيها الأعيُن، أو تتطَهَّرُ بها مثلما يَتطَهَّرُ بها التُّرابُ،أو تتعطَّرُ بها الصَّفحاتُ.

قد لا أُبالِغُ لَو قُلتُ إنَّنا كَتَبنَا بها تاريخَ البَشَريَّةِ، فَالِمدادُ كَانَ حاضِرًا مُنذُ البِدايةِ، والدَّم كان حاضِرًا في فَجر البَشريَّةِ، والدَّمعُ شَاهدٌ أَيضا عَلى مَآسي الإنسانيَّة. تاريخٌ كُتِب بـ(مادَّة) واحدةٍ، بـ(سائل) واحدٍ، لكنَّ ألوانه مُختَلِفةٌ، وأحوالُه كَذلك، بَينَ الأَحْمَرِ القَانِي الطَّاهر طُهر الشُّهداء، وَهُم ضريبةٌ قاسِية ثَقيلةٌ، مَازِلْنا نَدفَعُها لِقاءَ الحُرِّيَّةِ، وثَمَنَ العَدَالةِ، وكُلفَةَ النَّصر، وسَتَبقَى مَفْروضَةً عَلَينَا مَا بَقِيَ بَيْنَنا قُلوبٌ مُعْتِمةٌ سَوداءُ سَوادَ المِداد، ولَهم سِهامٌ مُصَوَّبةٌ إلى عُيونِنا حتَّى يَمنَعونا رُؤيَةَ الطَّريقِ اللَّاحِبِ، نَحْوَ الحُرِّيَّةِ، ونَحْوَ الحَياةِ، لَكنَّهم يَنسَون أنَّ عُيونَنا صَافِيةٌ، شَفَّافَةٌ كَدُمُوعِنا، طَاهِرةٌ كَقُلوبِنا ودِمائِنا، فمن شاء مِنهم أن يَستَشْفِيَ فَليَشْرَب مِن دُموعِنا، مثلما يَشربُ مِن دِمائنا، وسنَبقى نُبْصِر الطَّريقَ بِكُلِّ وُضوحٍ، وإنَّ الماء إذا بلغ القُلَّتَين لم يحمِل الخبَث.

أما آنَ لِدُموعِنا أن تَرْقَأَ، ولِدِمائِنا أن تُحْقَنَ؟ أيُّ بُقعَةٍ فيكِ يا أرضَ العُروبةِ لم تَذُق طعمَ دمائِنا، أو تشُمَّ رائِحتها، أيُّ سماءٍ فيكِ لم تضِجّ بِصُراخِ الثَّكالى، وبُكاءِ اليَتامى، وعويل الأراملِ، وأنينِ الشُّيوخِ والعَجائز، وأيُّ نَسمةٍ فيكِ لم تَختَنِق برائحة الخِيانةِ، آهٍ يا أُمَّتي...يا لكِ مِن أمٍّ صابِرةً !

القُدسُ تَبكي وتشكو ولا مُجيب، أقصانا، ومَسرى نبِيِّنا عليه الصلاة والسلام، القلبُ الذي يَضُخُّ الدِّماءَ في جَسدِكِ المَكلومِ يا أُمَّتَنا، لازال حيًّا يَدُقُّ طُبولَ الحَربِ ويُنادي ولا مُجيبَ، وأراضينا المُقَدَّسةُ أيضًا دَنَّسها الصَّهايِنةُ، يُرَحَّبُ فيها بالأعداءِ الحاقِدينَ، ويُنْكَر فيها الأخُ والقريب، أما كفانا تشرذُمًا وتَفرُّقًا، أما كفانا أنَّ أنظِمَتنا مُشَتَّتَةٌ شَذَرَ مَذر، حتَّى فرَّقْنا الشُّعوبَ، أيُعقَلُ أن يُلَقَّنَ مواطِنٌ عَربيٌّ بُغضَ عربيٍّ آخرَ؟ لِمَ لا يُبقِي السَّاسةُ دَنسَ فُرقَتِهم في قصورِهمِ التي استَأثروا بها دونَنا؟

وبين المغرب و الجزائرِ وادٍ مِن بِضعةِ أمتارٍ ، لكن لا يزورُ الصِّهرُ صِهرهُ إلّا خِفيةً عن أعيُن حرس الحدودِ،أو بعد دفعِ تكاليفَ باهظةٍ، هذا صنيعُ السّاسةِ فما خطبُ الشُّعوبِ؟ أما وجد هؤلاءِ شيئا صالحًا يُورِّثونا إيَّاهُ غيرَ الكراهيَّةِ؟ ألا بُعدا بُعدًا، سُحقًا سُحقًا.

نعم، بُعدًا لِكُلِّ وَلاءٍ يقِفُ على أشلاءِ الضَّمائِر الحيَّةِ، وسُحقًا لِكُلِّ وَفاءٍ ينبُتُ في تُرابِ الفُرقَةِ، وَيُسقى بِماءِ الخِيانة، وَهل يَصِحُّ لِشعبٍ عرَبيٍّ أن يُبغِضَ شعبًا عربيًّا آخَر بِأمرٍ مَلكِيٍّ، أو مَرسومٍ رِئاسيٍّ؟ حتّى صار حالُنا مَضحكةً مَسخرةً، ومتى كان الوفاء للحاكِم ببُغضِ الإخوةِ، وكُره الأشقَّاءِ؟ وَمتى صارَ الحاكِمُ إلهًا يتَعبَّدُ النَّاسَ بِالفُرقةِ بَينَهُم؟ إنَّنا لَم نَصِرْ نَحكُم على شعبٍ كاملٍ بالإرهابِ تَبعًا لحكومتِه، حتى صارتْ عقُولُنا لُعبةً بِأيدي الحكَّام.

لقد حَفِظَ لَنا التاريخُ قَوْلَ أُمٍّ لِوَلدِها:" اِبْكِ كالنِّساءِ مُلكًا مُضاعًا، لَمْ تُحافِظ عَليهِ كالرِّجال" وذلكَ بَعدَ خُروجِ الأَندَلُسِ مِن يَدِ آخرِ مُلوكِ غرناطة، وَلكنَّ الدَّمعَ لَيسَ عَيبًا حتَّى يَتَلَفَّعَ بالذُّلِّ والخِيانة، أو يَتَسربَل بالجُبنِ وإيثارِ السَّلامة، أمَّا إن اختَلَطَ بِطَعمِ النَّصرِ، وشِيبَ بِشُعور القُربِ من اللهِ، فَقد بَكى منَّا عُظَماءُ فَتحوا مَشارِقَ الأرضِ وَمغارِبها، وَإنَّ دُموعَ الفِلسطينِيَّاتِ، والمُسلِماتِ، والمظلوماتِ في كُلِّ شِبرٍ مِن هذه الأرضِ المُغتَصَبة، لَيَصرُخُ فيكم يا حُكَّام العرَبِ: "وَا عَاراهُ على خُنوعِكُم...لَيتَكُم تَبكون كالنِّساءِ، ولا تَضكون كالخَونةِ والجُبَناء".

أنا مُواطِنٌ عَربيٌّ أيُّها الناسُ، صرتُ أحلُم أن أرى الصِّدقَ في عُيونِ الحاكِمِ العربيِّ، وإنَّ دِماءَ الشُّهداءِ، وَدُموعَ المَظلومينَ، هي الأرضُ التي لا يُمكِنكم اغتِصابُها، وهِيَ البَحرُ الذي سَتَغرَقُونَ فيه مَهما طالَ استِجمامُكُم على مراكِبِ الخِيانة، وَإنَّها السَّيلُ الجارِفُ الذي سَيَجرِفُكم حَتمًا، فَدُموعُنا لَيسَتْ رَخيصَةً، وإنَّها على صَفائِها لَمُخيفةٌ، ودِماؤنا لن تَنضبَ مهما شَرِبتُم منها، وإنَّ حَسْبَنا اللهُ وَنِعمَ الوَكيلُ.

عبد العزيز حامدي

hamdiaziz80@gmail.com


  • 2

   نشر في 15 ديسمبر 2017  وآخر تعديل بتاريخ 25 يوليوز 2018 .

التعليقات

ريما R منذ 11 شهر
تحياتي لك جميل جدا
0
عبد العزيز حامدي
شكر الله لك...تحياتي
Salsabil Djaou منذ 11 شهر
اللهم نسألك سيلا قريبا يجرف حكاما خانوا عهد الله وعهد شعوبهم،لا يفرق شعوب المسلمين غير حكامهم ،هو الواقع ،قلوبنا حية و سيسمع صوتنا قريبا باذن الله،دام قلمك.بانتظار كتاباتك.
0
عبد العزيز حامدي
شكر الله لك

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا