الرموز و الطقوس - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الرموز و الطقوس

  نشر في 15 ماي 2017  وآخر تعديل بتاريخ 16 ماي 2017 .

تعتبر الثقافة الإنسانية ميدانا ثريا للبحث العلمي، فهو كنز ثمين و ميدان مليء بالأسرار والعجائب ومن ثم فهو بحاجة ماسة الى دراسات تسبر أغواره و تحل رموزه و تفك غموضه. و من الركائز الأساسية التي تحدد ماهية ثقافة شعب و انتهائها له ،نذكر "الطقوس والرموز"، و ما للمفهومين من دلالات و خلفيات تغوص في الآنا الإنسانية و تربطها بالذات الجماعية من جهة، و من جهة  أخرى تقيم علاقات بين ثقافة جماعة ما بثقافات أخرى، هكذا فإن الحفاظ على الطقوس و الرموز هو حفاظ على ماهية المجتمع، في ظل تجدد القيم والأخلاق و تقدم العصر و ظهور وحش العولمة...


إن الحديث عن الرموز و الطقوس هو حديث عن تاريخ ممتد في جذور الانسانية الأولى، حيث كان الإنسان يتأمل الطبيعة و يحاول فهم ظواهرها المستعصية من خلال ما يبدعه من أشكال فنية و تعبيرية مختلفة.  فما أحوجنا اليوم في هذا العصر إلى معرفة ماضينا و تراثنا الشعبي الأصيل و مكوناتها الأولى الأسطورية من أجل إعادة بناء الثقافة الشعبية لاستشراف مستقبل أفضل  ،خاصة وقد لاحظنا في السنوات الأخيرة تأثير وسائل الإعلام والتواصل على مختلف شرائح المجتمع، لاسيما فئة الناشئين المتعلمين، و محاولة إبعادهم عن أصولهم و تراثهم الأصيل. وبهذا نتساءل عن مكانة بعض الطقوس و الرموز الباقية: 


· فهل بقاء الطقوس و الرموز في مجتمع ما، دليل على استمرارها و صمودها ضد عواصف الحداثة ؟أم انها معرضة للتغيير؟


· و إذا كانت المجتمعات الحديثة قد تعقلنت و اتجهت أفعال الناس فيها إلى الوعي شيئا فشيئا ،فها لازالت مجالات الممارسة الرمزية و الطقوسية قائمة و نشيطة كالسابق ؟


· ما مدى عقلانية و شرعية هذه الطقوس و الرموز الشعائرية؟


- لقد اهتمت العديد من الدراسات السيكولوجية و الأنثروبولوجية بمفهومي الطقوس و الرموز، و حاولت البحث فيهما ووفي أصلهما و مدى حضورهما في الحضارة و الثقافة الإنسانية، لتخلص  -تلك الدراسات- إلى القول بأن الطقوس هي مجموعة حركات سلوكية متكررة يتفق عليها أبناء المجتمع و تكون على أنواع و أشكال مختلفة تتناسب و الغاية التي دفعت الفرد أو الجماعة للقيام بها .                       


       فالطقس في المعجم الوسيط يعني الكيفية التي يتم بها أداء الأنشطة المقدسة و تنظيمها في إطار احتفالي (المعجم الوسيط)، أو يمكن القول بأن << الطقوس  (ritual) هي مجموعة من الإجراءات التي يؤديها بغض الأشخاص و التي تقام أساسا لقيمتها الرمزية >>، (ويكبيديا، الموسوعة الحرة) بمعنى الطقوس قد يجتمع فيها جماعة من الناس و قد تتحقق عند الفرد  وحده،

وهذه الطقوس تكون مؤطرة بزمن محدد كمناسبة دينية أو واقعة تاريخية، كما تؤدى في أماكن معينة كما سيتضح ذلك من خلال الأمثلة التي سندرجها لاحقا.                        


يقوم الأفراد بتنظيم هذه الطقوس و المراسيم الشعائرية بغية تحقيق أهدافهم كإشباع حاجاتهم الروحية و تعزيز الروابط الاجتماعية، أو تقام من أجل الترفيه أو أثناء المناسبات الدينية، فهي وكما قال محمد الخطيب << إبداعات ثقافية بالغة الإتقان تقتضي ترابط أفعال و أقوال وتصورات أعداد كبيرة من البشر على امتداد أجيال عديدة >> (محمد الخطيب، الانثروبولوجيا الثقافة ص: 60)


لابد لهذه الطقوس أن تكون نتيجة اتفاق و تواضع جماعة من الناس، و أن تكون خاضعة لمبدأ التكرار إذ يعتبر أساس سيرورة و بقاء هذه الطقوس فهي تؤدي بشكل منتظم، إلى جانب مبدأي التقعيد أي أن الطقس يخضع لقواعد منتظمة متعارف عليها داخل الجماعة، ثم الشحنة الرمزية التي تتخذها مما يعطي الممارسة الطقوسية فعاليتها الرمزية الخاصة، فما يميز الطقوس كما أسلفت الذكر هو تكرارها من قبل ممارسيها خلال أزمنة مضبوطة، لإحياء واقعة مضت او احتفاء بحدث يعني للجماعة الشيء الكثير، لذلك نجد أمال النور حامد تقول في هذا الصدد ما يلي :<< هي مجموعة حركات سلوكية متكررة يتفق عليها أبناء المجتمع وتكون على أنواع و أشكال مختلفة تتناسب و الغاية التي دفعت الفاعل الاجتماعي أو الجماعة للقيام بها  >>، (أمال النور حامد، طقوس الزار و طبيعتها)


و من بين هذه الطقوس ما يحمل الطابع الفلكلوري الشعبي فتكون عبارة عن <<ممارسات الفئات الشعبية في المناسبات وما يرافقها من تقاليد و معارف و ممارسات و اهازيج و رقص ،كالأعياد و الخطوبة و الزفاف و الختان و الوفاة و الحصاد  و هي تعكس حياة هذا الشعب أو ذاك>>، (محمد السموري، إشكالية التوظيف البصري للتراث).


كما هو معلوم، الطقوس ليست مرتبطة فقط بالدين و إنما تشمل إلى جانب ذلك الأنشطة  والممارسات الغير الدينية بما في ذلك الأنشطة الاقتصادية و السياسية  و الرياضية، و أفعال التواصل و التبادل التي تتم بين الأفراد في معيشهم اليومي لذلك تنوعت الطقوس بتنوع مجالاتها و ثقافات الشعوب ،إذ نجد الطقوس السياسية والطقوس الشعبية و طقوس العبور، هذه الأخيرة التي يعرفها معجم علم الاجتماع بأنها<<الخطوات أو الإجراءات التمهيدية التي تنطوي عادة على مراسيم احتفالية و طقوس شعائرية و تنتهي بدخول المرء كعضو في جماعة  و انتمائه الى فئة اجتماعية معينة >> ، (عدنان أبو مصلح معجم علم الاجتماع).


 


          فالطقوس شيء ملازم للإنسان منذ ولادته حتى مماته ،فالفرد يموت لكن الطقوس تظل حية، فهي كاللغة  لن تموت إلا بموت آخر مستعمل لها، إذ يقول ارنولدفان جينيت سنة 1909<<حسب مراحل حياة الفرد تكون هناك مراحل طقوسية تتواكب مع مراحل حياته، فالميلاد هو المناسبة الاولى  وسن النضوج  يترافق مع طقوس  المسارة و كذلك الزواج   وطقوس الأب و الأم، وأيضا طقوس الموت >>، (فان جنيب، شعائر المرور )                ففي المسيرة الحياتية للأفراد لا بد وان يمروا بمراحل هامة في حياتهم و التي تصاحبها بعض الطقوس من بين ابرز هذه الطقوس نذكر على سبيل المثال لا الحصر:                          


طقوس الولادة: 


على مر العصور وخلال تاريخ الحضارات المختلفة، رافقت ولادة الأطفال طقوس عديدة ، اعتبارها  رمزا من رموز الخصوبة و استمرار النسل و النماء فهذا الطقس مظهر من مظاهر الثقافة عند جميع الشعوب، حيث تدخل طقوس الولادة، ضمن الطقوس الإيجابية  التي يجب على الجماعة المحافظة عليها  بالتكرار صيانة لها من الاندثار ومن ابرز الطقوس التي تقام عند الولادة، الآذان في إذن المولود اليمنى  و الدعاء له بالبركة اقتداءا بما كان يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم، كما تعتبر العقيقة  من الطقوس الخاصة بالمولود، و تتمثل في ذبح  الشاة ضمن  احتفال يقام عادة في اليوم السابع بعد الولادة، ويدل فعل الذبح هنا على أنه فعل تضحية و تقرب من الله، ومن بين الطقوس المرسخة أن لا يغادر المولود الجديد البيت قبل أن يستكمل الأربعين  يوما من عمره، و هي الفترة التي تتزامن مع عادة حلق رأس المولود، وتلطيخ رأسه بالحناء، وتوضع في مقدمة رأس المولود عند الحلق "خميسة" من الذهب أو الفضة  لطرد الأرواح الشريرة  وحمايته من العين، بعد ذلك تقوم النسوة بأخذ شيء من شعر المولود ،وخلطه ببعض البخور و جمعه في قطعة من القماش تكون بيضاء اللون، تربط في عنقه لتمنع عنه الأذى.( منقول عن مقالة بقلم، سهيل الهيلالي)


كما تعكس الفنون الشعبية  المغربية مشتركة تراثا موسيقيا وغنائيا  أصيلا وإلهاما  شعبيا ضاجا يترجم كل ثقافة وكل جهة من جهات المملكة باختلاف طقوسها وعاداتها فمن شمال المغرب الى جنوبه نجد تنوعا هاما و مزيجا غنائيا و موسيقيا ساحرا تماهى لقرون مضت وفي تماس عجائبي مع بعضه البعض ،ومن بين اهم الرقصات التي تحمل بين طياتها طقوسا هامة نذكر :         


 فن احيدوس هذه الرقصة الجماعية المتميزة بخفة الحركة و السرعة، فهي في الأصل وكما يعتقد العديد من الدارسين  لهذا الفن هي مناسبة وطقس من طقوس التطهير و التفريغ العدوانية بنوع من التسامي الشعري الذي يبقى دون غيره من طرق الخطاب القابل للتأويل خاصة حيث يؤخذ القول الشعري في رقصة أحيدوس كعلامات للتفاؤل و لتحصيل البركة  والأمل و طلب الخير و أداة لقراءة الطالع او تعجيل الفرح  (مقتطف -بتصرف- من مجلة الثقافة الشعبية) ...           


وهناك نوع آخر من الموسيقى ليس بعيد عن هذا السابق إذ نجده بالتراب المغربي كذلك وهو: موسيقى اكناوة فهي تحمل طقوس خاصة ومناجاة الزنوج لأرواح خفية ،ورغم كل ما قيل وكتب عن هذه الموسيقى فإنها تظل غامضة ومحملة بثقل الأساطير و الأزليات المفعمة بالإرث الإفريقي الأمازيغي العربي على السواء.                         


لهذه الموسيقى طقوس موسيقية خاصة ،فموسيقاهم -كما سبق الذكر- عبارة عن مناجاة لأرواح خفية من خلال الإيقاعات  القوية و الألوان و القرابين والبخور لمعالجة من به مس بالجان وباستعمال الآلات موسيقية خاصة، مرتدين هنداما خاصا، يكون في أغلب الأحيان ملابس بالية مميزة بألوان خاصة كالأخضر و الاحمر و الازرق                                              يقوم هؤلاء بالليلة الكناوية وهي واحدة في السنة تنظم في أغلب الأحيان خلال النصف الثاني من شهر شعبان  حيث يقومون بالتوسل لملوك  الجان لأجل تحقيق أمنيات العلاج وزوال العكس و النجاح في الاعمال وغيرها.                    


 في جانب اخر نجد طقوس محرمة تحريما مطلق،مثل :    


طقوس عبدة الشيطان :  كثير منا قد سمع حتما عن ظاهرة عبدة الشيطان  لكن القليل من يعرف تفاصيل هذه الظاهرة لغياب دراسات خاصة عربية حول هذا الموضوع، فهذه الظاهرة تقوم بناءا على مجموعة من الطقوس نذكر من بينما على حسب علمنا:


طقس الزار الغرض من هذا الطقس  هو اتصال هؤلاء الأفراد بالشيطان، وذلك عبر الرقص الهستيري وتناول المخدرات حد الإغماء، وإشعال النيران وسط حلقة مستديرة في وسطها نجمة خماسية كما يتم إشعال شموع لونها اسود، ثم يقوم هؤلاء الأفراد بإزالة ملابسهم و البدء في الرقص الهستيري  مع تعاطي المخدرات، و الكاهن يلقي تعاويذه وطلاسمه الشيطانية.


القداس الأسود هو من أهم  طقوس عبدة الشيطان إذ تتخذ فتاه عارية كمذبح يوضع على صدرها كأس القربان  وتقدم التضحية الحيوانية أو البشرية ،ويجمع الدم في كاس ويشرب منه الحضور.


وبعيدا عن هذا النوع من الطقوس ،نجد أخرى تعلقت بحاجات ،الناس كطقس "تلا- غنجا" وهو طقس يقوم به الأفراد في المغرب أثناء فترات الجفاف طلبا للماء و المطر إذ تقوم النساء في هذا اليوم  بحمل دمية على شكل عروس، و الطواف بها عبر دواوير و أراضي المنطقة و أضرحتها، في موكب احتفالي مهيب خاص بعروس المطر >> (منقول عن مقالة بقلم حنان حمودا). ويقومون بترديد بعض الأهازيج و الأدعية التقليدية المخصصة فقط لهذا الطقس الاستمطاري.


هذا ناهيك عن الطقوس التي تعتبر من أساسيات قيام الثقافة العربية، كالختان بالرغم من أن هذا الطقس تختلف مراسيمه  من ثقافة إلى اخرى <<فالأهالي الاصليون في جنوب شرقي استراليا مثلا ،يمارسون طقس الختان بسكين حجري لأن أسلافهم الميطيقيين هكذا علموهم>> (مرسيا الياد ،أسطورة العود الأبدي)، كما أن طقوس الزواج تحتدي أيضا نموذجا إلهيا وزواج الإنسان هو إعادة للزواج المقدس و على وجه الأخص الاتحاد بين السماء و الأرض يقول الزوج: <<أنا السماء و أنت الأرض >> (مرسيا الياد ،أسطورة العدد الأبدي)


 كانت هذه فقط بعض الأمثلة لمختلف الطقوس التي تقوم على مجموعة من الرموز، باعتبار هذه الأخيرة أهم ما يميز الإنسان و يعطيه خصوصية وجودية فالعيش بالرمز وتوظيفها فعالية إنسانية بكل امتياز، فبها يمكن أن يتواصل الإنسان و يؤثث وجوده و يبني عالمه المادي و المعنوي و يرسي نظام الأشياء و العلاقة بينه و بين الآخرين.


 و ما يهمنا هنا هو ضرب من الممارسة الرمزية المنظمة التي ينخرط فيها جماعة من الناس و التي نذكر من بينها:


حمامة السلام وغصن الزيتون :


 و هو الرمز أكثر شهرة في بقاع العالم، و هو رمز يدل و يدعو للسلم و منع الحرب والاضطهاد ضد الإنسانية.                        


رمز السلام العالمي :


رمز يدعو لنبذ الاسلحة الذرية النووية.


نجمة داوود :


يستعملها اليهود للدلالة على علومهم الستة السحر، الشعوذة، السير على الماء... فهذا الشعار يدل على عقيدة اليهود القديمة و المعاصرة حتى مع تأسيس الماسونية.    


 


البافوميت:  


رمز عبدة الشيطان و هو يرمز الى الشيطان و (الألوهية) عندهم   


الصليب المقلوب أو المعقوف :رمز للتهكم على الأديان و رفضها. 


الرموز العددية: 


 الرقم 7 : العديد من الناس يتفاءلون بالرقم 7 إذ يعد رقم حظ و يعود سبب ذلك إلى معتقدات دينية ،فالله خلق الكون في 7 أيام، والأسبوع 7 أيام، وهناك 7 عجائب في الدنيا رمي جمر7 أثناء الحج...


 الرقم 13: من أسوء و أشد الأرقام نحسا عند بعض الثقافات كأمريكا، بريطانيا السويد.... ولعل هذه النظرة تتعلق بالعشاء الأخير المسيح                        


ثم رمز الماء :الذي يدل على الخصب و الاستمرار في الحياة. 


 خلاصة القول، إن الحياة الإنسانية تقوم على مجموعة من الطقوس و الرموز التي تعتبر من الركائز الأساسية في بناء ثقافة الحضارات، إذ تبقى الطقوس كخطاب مصاغ بلغة موجزة توحد الجموع و تضبط أداءها كما يضبط  قائد الأوركسترا الفرقة الموسيقية.



  • 1

   نشر في 15 ماي 2017  وآخر تعديل بتاريخ 16 ماي 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا