لماذا يزداد الأثرياء ثراءاً والفقراء فقراً ؟ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لماذا يزداد الأثرياء ثراءاً والفقراء فقراً ؟

كيف أصبح المال سُلطة وغَاية وحُلم لا ينتهى ؟

  نشر في 18 مارس 2017  وآخر تعديل بتاريخ 28 مارس 2017 .

     في أحد أحياء العباسية في القاهرة، مضيت ليلة طويلة غلب عليها القلق والاضطراب بعد يوم شاق من اجراءات عملى بشركة كبرى في مجال الاتصالات بمصر؛ فمن حافلة لأخرى مر وقت طويل إلى أن وصلت لأكثر مناطق مصر ازدحام، ليس بالبشر ولا بالحافلات، لكن بالمال.

شركات عملاقة اتخذت من "الداون تاون مول" مقراً لها، تجمعت فيه كبرى المؤسسات المالية والخدمية بالأحرى كان المكان نواة الاستثمار في مصر، وبطبيعتي أنظر في العمل لأي شئ أمامي كأرقام، ملايين، مليارات، لا أعلم الرقم الصحيح الذي تمتلكه تلك الشركات، لكني آمنت بأن ثروتنا تتجمع في هذا المكان وتتدفق اليه بانتظام كل شهر.

تخيل معي حجم الأموال التي تدخل القاهرة كل يوم من المحافظات الأخري، فمركزية الدولة هي التي مكنت العاصمة من جعلها مكاناً لكبرى الشركات والمؤسسات والمصالح الحكومية، فكل ورقة نحتاجها يتحتم علينا أن نذهب للعاصمة "القاهرة".

في ليلتي الطويلة، تبادر لذهني سؤالاً وأنا أنظر للحائط المقابل لسريري ووجهي على وسادتي، ما الذي يجعل من العباسية حي يسكن غالبيته الفقراء ومن هذا المكان الآخر أرضاً تجتمه فيه ثروات الشرق الأوسط؟

انتفضت مسرعاً وأدركت أن هناك اجابة، فلكل سؤال جواب، لكننا أحياناً نتكاسل عن التفكير في محاولة لتخدير العقل، لكن صدقني وعن تجربة أنه من الصعب جداً أن تسكت نبضاته، ففي الغالب كلما كانت تهدأ تعود لصخبها وثورتها من جديد.

مرت أيام قليلة ثم عدت بعدها الي مدينتي، دخلت البيت وألقيت بمفاتيحي على الطاولة واذا بي مندفعاً أغسل وجهي ثم الي المكتبة، أقلب في كل الكتب وأحاول ايجاد تفسير، لماذا يوجد تفاضل بين هذين المكانين؟

تبادر لذهني أني قد قرأت كتاباً يحمل هذا الاسم أيام دراستي في الجامعة، قد تحدث بين دفتيه تقريباً نفس المعنى والتفكير، استخرجته من أعلى مكان بالرف ثم شرعت نهماً في قراءة سطوره الأولي، لقد أرجع الكاتب السبب في تجمع المصالح والأفكار وأن الاغنياء يزدادون ثراءاً لأن هناك شئ يربطهم ومصالح لا تنتهي والفقراء على نفس الحال، الأمر لم يدهشني كثيراً لكنه ثبت خاطري ووثّق ورتب لأفكاري تماماً كما استنتج فكري.

اذا كيف حدث هذا الأمر وما الألية التي حركته وصنعت الفجوة ؟ هذا ما ستخبره لك السطور التالية.

أثناء عودتي من الطريق الصحرواي تراصت شركات ومؤسسات على جانب الطريق، أموال داخلة وأخرى خارجة، أفراد يمتلكون نفس المهن ويبحثون عن الفرص لكن بقدرات متفاوتة، انهم متشابهون في كل شئ تقريباً، حتى في سعيهم لتحسين وضعهم المادي بأي طريقة ممكنة، فقد اختاروا العمل لدي غيرهم ليحصلوا على دخل ثابت، يضمن لهم التعامل اذا ما اختارهم الله لابتلاء أو أدارت الدنيا لهم لظهرها، لكني كنت أؤمن أنهم كمن يروي أرض غيره،فعندما ينتهون من خدمتهم ويأخذ العمل منهم ألاف الأيام وعشرات السنين، سيبكي كل منهم ويقلب كفيه على ضياع شابه أما حفنة من أوراق النقد، يأخذها كمعاش ويجلس ذليلاً ينتظر في صف طويل، ليكفي بيته ويداوي ما أسقطه منه الزمن.

على كل حال ليس هذا ما قاله الكتاب، لكن هو جزء قد فقده المؤلف، بالطبع سرد المسألة بمنطق جيد، لكن دعني أخبرك أن الكاتب أرجع سبب الغني والفقر إلى الثقافة، وقد ضرب مثال عبقري في الولايات المتحدة أيان فترة بناء المستعمرات الجديدة، في فحواه أنه أثناء تسكين الأمريكيين بالمساكن والمدن كانوا يتركون منازلهم اذا رأوا منازل السود في بجانبهم أو أمامهم، بل يتركون الحي بأكمله، وعلى الجانب الآخر اتخذ السود نفس السلوك، وبالأحرى نشأت مجتمعات وأحياء للبيض والسود وترسخت ثقافات جديدة لهم.

المثير للدهشة موقف الشريحة الغنية للأشخاص من ذوي البشرة البيضاء، فقد تركوا منازلهم أيضاً ليسكنوا بجانب شركائهم في الثراء، ويتبادلون الصفقات والأحلام في جمع المال.

وما ان تعارضت مصالح الطبقة الثرية حتي انقسمت هى الأخرى على نفسها، وأضحت تختلف فيما بينها حول حقوق السود وآليات الثراء وأخلاقيات المال،وفكرة الأمريكون الأصليون والنزعات القومية ثم نشأت الاختلافات الحزبية والسياسية، وما لبثت أحياء الولايات المتحدة إلا مقسمة لبيضاء وسوداء، بيضاء غنية وسوداء غنية، بيضاء غنية جمهورية، وسوداء غنية ديمقراطية إلى نهاية التصنيفات.

لك أن تسقط هذا النموذج على مصر، خاصة في أعقاب فترة الانفتاح الاقتصادي، خرج أبناء الطبقة المتوسطة من الأحياء المتواضعة وبدأوا في جني ثمار التغيير، نشأت مجتمعات الفوق متوسطة، هدمت الأحياء القديمة واستبدلتها بعمائر من ذوات العشرين طابقاً فأكثر دون اكتراث بالأقزام من المنازل وانتشرت في القاهرة وقتها فكرة السفر، وأنك لو بدأت بدولار واحد وقمت بمضاعفة المبلغ كل يوم لمدة ٤٨ يوم سيُصبِح لديك ثروة تقدر ب ٢٠٠ ترليون دولار.

لكن لم يستمر الحال طويلاً، فالثري رأى أنه تأذّى من نظرة الفقير له عندما عاد من أوروبا بحقائبه مملوءة بالمال بعد أن كانت مكتظة بالمشّ والرنجة والشبشب أثناء سفره، عاد يبطش كعاد، يطغى ويكسر وينهب وعندما تسأله يركن الخطأ على ظروف النكسة والجوع والاضطهاد، فبدلاً من أن يبني ويعمر ويحتوي، أصبح يحقّر حال من هو دونه، بل ويسقط عليهم لعنته وسخطه.

كانت النتيجة أن الثري أرد الخصوصية، فنشأت الطبقة الغنية، وأصبح لها مدن وأحياء بعيداً عن المواطنين السذج المتطفلين، لكن مع مرور الوقت انقلبت الطاولة على نفسها، ورأت شريحة من الطبقة الغنية أنها يجب أن لا تظهر ولا يكون لها تعامل مع أحد، فكونت كل عائلة مدينة خاصة بها، ولا تعجب من هذا القرار، لكن بالفعل كان هذا الحال هو ما كان، وبعد أن كانت مصر في عهد المملكة عزب، الآن أصبحت مدن، ومن فقد شئ من تأميم عبد الناصر عاد إليه في أيام السادات.

تلك التجمعات أضحت في النهاية تحتكر لعبة المال وتصبها علي عائلات بعينها، تساعد نفسها، وتتيح الفرصة لمن هم داخل الدائرة فقط، فيزادون ثراءاً، لأنهم باتوا يؤمنون أنهم أهل ثقة وخبرة ودارية بالمال، أما التجمعات في المدن المتوسطة والأدني دخلاً، فلن تخرج بعيداً إلا لمن ارتأت طبقة العائلات منهم شخصاً مختلف، فسرعان ما تحتوية وإلا سيفسد عليهم اللُعبة تماماً، لم تكن الثروة في مصر ترفـاً، بل طرفـاً في كل شيء: الحروب والمقاومة، الصناعة والزراعة، التحالف والصراع، الفرد والعائلة.

لم تعد الثروة عنوان طبقة، بل جدارًا عازلاً يفصل بين أبناء المجتمع الواحد.

في النهاية كلٌ يعمل لنفسه وكلٌ ينغلق على مصالحِه، وما جعل من العباسية حياً للطبقة الفقيرة بسعر صرف طارق عامر، هو أنها تمسكت بالماضي أو أنها لم تطور نفسها بالشكل المطلوب، أو أنها عاشت الحاضر لحظة بلحظة وتناست المستقبل، لكنها الآن بمواطنيها باقية في قلب القاهرة، تملك قوت اليوم وحرية القرار والاحترام في نظر كل المصريين، يكفي أنها في كل الانكسارات يخرج أهلها لحماية المقدسات والتراث أما الغالبية من الطبقة الأخرى فهم في نظر الناس نفعيين ومنتج صنعه الغرب بامتياز ليكون شوكة في ظهر مصر، فهم في الغالب لا ينظرون إلا لأوروبا ويتركون مصر على أول طائرة، اذا ما ضاق بها الحال.




  • محمد الكُتبي
    باحث اقتصادي لدي الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا مؤسس اقتصاديات ومهتم بمجالات الاقتصاد أشاركك معلومة اقتصادية قد تكون جديدة بالنسبة لك.
   نشر في 18 مارس 2017  وآخر تعديل بتاريخ 28 مارس 2017 .

التعليقات

قراءة مقالك اخي الفاضل ذكرتني بالاية الكريمة:(( كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ))، دمت بعافية
1
محمد الكُتبي
أكرمك الله دكتورة
فعلاً هي كذلك

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا